الرئيسية » مقالات » خياراتنا أمام صلف (تركية)

خياراتنا أمام صلف (تركية)

لم تجد أمريكا سوى صدر كوردستان لكي تلعب عليها احد لعبها الشطرنجية و علينا دفع الفاتورة طبعا، و لا بأس من ذلك!! إذا كانت نيتها سليمة و حسب ما تدعي بها و هي إحلال الديمقراطية في شرقنا المثخن بالجراح و لكن على ما يبدو بأنها كاذبة و تنافق علينا مستغلة عظمة دورها في العالم، إنها تريد كل شيء و نخاف أن لا نحصد سوى الرياح إذا ائتمنا جانبها و خلدنا للراحة التامة، بل ان استراحة المحارب التي أخذناها قد طالت عن اللزوم و يجب علينا تكملة ما بدناه من كفاح لا هوادة فيه طيلة نصف قرن، و كل جبلي يعرف بديهيا بعدم جواز التوقف إثناء الصعود إلا لالتقاط الأنفاس فقط و مواصلة السير بعدها إلى القمم حيث هناك فقط يستطيع الحصول على الراحة التامة من عناء السفر، و لكن يبدو أن حكمنا أصبح بين أيادي برجوازيتنا الطفيليّة التي تعودت على الربح السريع على حساب كرامتها الوطنية و القومية و هي التي ترفض التحول إلى برجوازية وطنية، فالأخيرة فقط هي التي تستطيع بناء الأوطان و لا تهدأ لها بالا إلا عندما ترسخ مكان إقدامها و بناء عشها أولا و من ثم التفكير بالأرباح.

و لكن يجب علينا أن نكون واقعين أيضا و لا نتهم أغنيائنا جزافا!!، فكردستان كانت لا تملك شريحة وطنية منهم و كلهم كانوا يتاجرون بعرضها و أرضها في ظل سلطة الطاغية المعدوم فكانوا أما رؤساء للحجوش أو الذين على شاكلتهم و المتعاونين معهم من فاقدي الحس الإنساني ناهيك عن الوطني منه و بعد الانتفاضة الشعبية في آدار 1991 كان لا بد من التعاون مع هذه الزمرة الجبانة من قبل الجبهة الكوردستانية لكي لا تتحول كوردستان إلى ساحة صراعات كنا في غنا عنها حينذاك، و نحن المحصورين أصلا من الجهات الأربع بين اشد الذئاب فتكا و حقارة و وحشية، و إضافة إلى ذلك كله كنا لا نمتلك أية بنا تحتية و لا مؤسسات خدمية، لان كوردستان كانت تعيش سابقا كأدنى مستعمرة في العصر الحديث و كانت تتمنى لو أن تهب نفسها لأية دولة استعمارية غربية! كأي كيان إفريقي مثلا، لان مستعمروها الحاليين من أوطأ خلق الله و أشدهم عدوانية لذا ينهبون ثرواتها و يسممون بيئتها و يحاولون إبادة جميع المخلوقات الاصلاء العائشين و منذ عصور فوق أديمها.

إن الصعوبات التي لاقتها الجبهة الكوردستانية بعد الانتفاضة كانت كثيرة جدا، فكانت لا تمتلك أية خبرة في إدارة المدن و الحواضر لأنها كان متخندقة في أعالي الجبال و أعضائها كانوا المضحين بكل شيء و أعلاهم موقعا كان يحلم أن ينام و لو للحظات في فراش دافئ يحميه صقيع كوردستان و زمهرير شتائها . فلولا الحب العظيم الكامن في قلوب البيشمه ركه و عناية رب العالمين لم تكن بمقدور احد التحمل و الصمود الأسطوري الذي قاموا به و لعشرات السنين و حرموا خلالها من… الحياة العائلية .. تربية الأطفال.. الجنس .. الدراسة.. التكوين الأسري.. النوم.. الراحة .. الفراش.. الدفء .. الاطمئنان ..الخ

بعد انتخاب برلمان كوردستان و تشكيل حكومتها من الحزبين الكبيرين في كوردستان في عام 1992، بدأت منافسة غير شريفة بينهما لكسب أعضاء و مؤيدين جدد و كلاهما كانا ينظران إلى الكمية على حساب النوعية لذا تسرب بعض الجحوش إلى مواقع مسؤولية لم يكونوا يستحقوها أبدا، و دفع الشعب الضريبة في قتال اخوي! دام لسنين بين البيشمه ركه المستطعم بالدخلاء الجدد.

تظاهر التجار الطفيليين بخدمة المجتمع و لكن العكس كان صحيحا و تدفقت أموال كوردستان إلى دول الجوار و جاءت إلى كوردستان العشرات من شركات جيرة السوء ، كان لابد من ذلك أيضا فلمن تكن لنا خيار آخر!.

أما اليوم فهناك معادلات إقليمية تتفاعل مع بعضها البعض و المساومات لا بد منها!!، لكوننا لا نمكن خيار آخر!! .

الموقف المشرّف الذي أخذه رئيس الإقليم بعدم اعتباره حزب العمال الكوردستاني منظمة إرهابية لم يكتمل فرحته لدينا نتيجة تصريحات متناقضة لتصريحه من آخرين، و قلنا بأنها سياسة لا بد منها!. و الآن يتوغل الجيش التركي في كوردستان و لا تريد طبقة الطفيليين تحريك الماء الراكد لكون جميع مصالحهم قد تم ربطها بأنقرة و هذه الأخيرة لا ترضى بالقليل و هي المتعودة على امتلاك كل شيء من الجحر إلى الشجر و الإنسان و الأوطان فلماذا لا تحاول مرة أخرى و تقبر فدرالية كوردستان كما قبرت معاهدة سيفر سابقا؟! و ما المانع لديها لكي لا تتوغل جيشها و تبني قواعد دائمية له في عمق أراضي الجنوب؟ و هو الذي يمتلك قواعد متعددة له ومنذ سنين و بموافقتنا لأنه لم تكن لنا حينذاك أي خيار آخر!.

أمريكا تخاف من جارتنا الشرقية من أن تتحول إلى قوة إقليمية كبيرة و تسيطر على سياسات الشرق الأوسط ، و إسرائيل لها نفس الفزع، العرب نائمين على أذانهم في عز يوم العمل يأخذون قيلولة لهم لأنهم لا يمتلكون مثلنا أي خيار آخر أيضا!.

كوردستان المحاصرة لا تمتلك مقومات الحرب الجبهويّة مع الأعداء بدأ بأحقرهم و إلى أغبرهم، فقرار الدخول فيه أمر في غاية الصعوبة و يحتاج لحسابات كثيرة، فالحرب دمار و ستسقط مدننا بسرعة في يد (تركية) و سترمي برجوازيتنا التي بنت الفلل و القصور الفخمة نفسها في أحضانها لكي يدوم عزها!!.

مما تقدم يظهر لنا جليا بأننا لا نمتلك خيارات كثيرة أمام صلف و عنجهية (تركية) إذا نظرنا من خلال الزاوية التي ينظرون منها المترددون و العقلاء أيضا عندما لا يحسبون لامتنا حسابا كثيرا! ، فكوردستان لا زالت جريحة و أوصال جنوبها مقطعةـ و الخونة من الجبهة ألتركية في كركوك سيطعنوننا من الخلف و الكثير من الفقراء الجهلاء الذين تعودوا على الذل سابقا، سيهون عليهم التخاذل و السير وراء رؤساء عشائرهم و (ألائمة) الذين يأخذون أوامرهم من وراء الحدود .

و لكن….. الذي ناضل في ظروف ثورتي أيلول و كولان يعرف جيدا بان بيشمه ركه تنا قد فعلوا المعجزات عندما كانوا يعتمدون على شعبهم الوفي و رب العالمين فقط و العالم حينذاك بشرقه و غربه كان يقف مع الطاغية . في الثورة الأخيرة استطاع بضعة مئات من فدائي كوردستان هؤلاء بالصمود أمام الآلة العسكرية لصدام الممول من القوى العظمى.

و هنا لاقف لحظة لأسجد لأرواح نصف تلك القوة البطلة التي روت ارض الشهداء بدمائهم الزكية و احي الشهداء الأحياء من النص الآخر الذين يعانون الآن من أمراض مزمنة نتيجة تحديهم شتاء كوردستان و نومهم في العراء و لسنوات، دون غطاء في درجات حرارة كانت تبلغ تحت الصفر المئوي و لا أنسى السجود لقروياتنا اللواتي لولا هن لكنا عبيدا و إلى الآن .

لو قارنا ظروفنا في ذلك الوقت بمستجدات اليوم سنستطيع بالدعم المعنوي لمعظم دول العالم لعدالة قضيتنا و نذالة أعدائنا المعروفة لدى الجميع أن نقاوم و خاصة لان لنا قيادة عركتها النضال و لا يعرف معنى للمساومة على أرض و عرض كوردستان و المخلصون الوطنيون الكوردستانيون يثقون بقيادته من عفرين إلى عيلام فهذا القائد الكاريزمي الشعبي نحن في أمس الحاجة إليه اليوم لكي لا يدع الذئاب الغبر من تلويث شرفنا الوطني و القومي ، فالاتاتركيون المعممون دون عمائم، و جنرالات جيشهم الفاشيون لا يستطيعون أبدا الصمود طويلا أمام إرادة أكثر الشعوب مظلوميّة على وجه البسيطة.

أرى بان قوتنا تكمن في ضعفنا و إخلاص شعبنا و تاريخ رئيسنا و إسناد رب العالمين. فلنا خيارات عدة عندما لا نستمع إلى الأصوات المنهوكة القوى، للخونة و الجحوش و (العقلاء).

هشيار بنافي

24.02.2008

Berlin