الرئيسية » مقالات » الديمقراطية السياسية والمحاصصة الطائفية ! 2 من 2

الديمقراطية السياسية والمحاصصة الطائفية ! 2 من 2

وبعد ان اساءت الدكتاتورية لمفهوم الأحزاب السياسية بممارستها صيغة (الحزب الحاكم الأوحد) الشمولية، التي حرّمت بالحديد والنار اي نشاط سياسي آخر، وادّت بوحشيتها تجاه القوى والأحزاب الأخرى، وبحروبها وظلمها الى الأساءة الهائلة الى مفهوم الأحزاب ودورها في المجتمع والى التخوّف منها وعزوف اوساط ليست قليلة عنها، بعد ان تسببت بتشوّه الفهم لدورها في المجتمع المدني .
وبعيداً عن تكرار ذكر احداث زمان الدكتاتورية ومواقف الجوار والقوى العظمى من قوى معارضة الدكتاتورية آنذاك، وتسبيبها نتائج طائفية مؤسفة متنوعة، قامت دوائر كثيرة بتوظيفها في محاولتها لأمتصاص وتوجيه الأحتقان الهائل الذي كان يتزايد ضد الدكتاتورية و يهدد بانفجار قد لايمكنها التحكم به بتقديرها . .
وحتى سقوط الدكتاتورية الشمولية بالحرب، واعلان السفير بريمر الأحتلال وتشكيل مجلس حكم على اساس المحاصصة الطائفية لـ ( انعدام وجود مكونات يمكن الأعتماد عليها ) ؟! الذي ادى الى ان تأخذ الطائفية ابعاداً مؤسساتية قانونية ودولتية خطيرة، اخذت تزداد خطورة في ظل استمرار هيمنة المنطق الموروث عن حكم الدكتاتورية، المتلخص باتباع سياسة وتكتيك ” حافة الهاوية ” واحراج المقابل لأبتزازه الذي اخذ يسود تعامل اوسع المكونات العراقية التي ارتَدَت والأخرى التي اخذت ترتدي المسوح الطائفي . .
واخذت تزداد حدة بسبب : ردود افعال واصداء واقع الأحتلال وعصابات الأرهاب ومواقف دول الجوار، بسبب المعاناة الهائلة الناتجة عن انعدام الأمن، شيوع الفساد الأداري واللصوصية، وتزايد منطق المليشيات والأبتزاز والسوق السوداء .
واذ تمرّ السنة الخامسة على سقوط الدكتاتورية … تلاحظ اوسع الأوساط ان الوقت لم يزكيّ صواب سياسة المحاصصة الطائفية لاداخليا ولا اقليمياً ولادوليا، حيث اخذت اطراف المحاصصة ذاتها، تشهد تصدعات ومواقف متضاربة، بعد ان لم تستطع اية مؤسسة طائفية منها ان توحد نفسها على الأقل. واخذ يزداد وضوحاً أن المصالح السياسية حتى بين القوى المؤتلفة والتي تطرح نفسها كحامية لطائفة معينة، هي مصالح متباينة تصل حدود التضارب والاقتتال. في تأكيد على عجز الائتلافات التي اتخذت شكل من اشكال المحاصصة الطائفية في دخول العملية الانتخابية، الأمر الذي يؤديّ الى انبثاق تحالفات جديدة وفق الفرز بسبب الحراك السياسي في المجتمع.
ان سعي حكومة السيد المالكي لمد الجسور مع اي تجمعات تؤيدها، وتمهيدها الطريق لها للأصطفاف معها بغض النظر عن طائفتها . . يعزز القناعات في ان ابناء الطائفتين السنية والشيعية يتوزّعون على تكوينات وفعاليات ذات مطالب سياسية اساساً وليست طائفية، مطالب فشلت سياسة المحاصصة في تفسيرها وبالتالي في حلّها على اسس وخلفيات طائفية، والتي لم تتمكن من اللحاق بالمشاريع السياسية الجادة والقادرة على الخروج من الواقع العراقي المأساوي الدموي . .
في الوقت الذي تتزايد فيه المعاناة الشعبية على اصعدة كثيرة التنوّع، فاضافة الى مشكلة الأمن، ادى انسحاب الدولة عملياً من تأمين الكهرباء في اهم المحافظات، الى تصاعد اسعار المحروقات وبنزين السيارات تصاعداً خيالياً، وادىّ موقفها المتشدد من ادوار منظمات المجتمع المدني و نقابات العمال وخاصة عمال النفط، الى شلل وتذمّر اوساط تتسع، بعد ان وصلت المحاصصة الطائفية الى انشاء الجدران العازلة، والى حمل الهويات الطائفية التي تفاقمت مؤخراً الى ضرورة الحصول على تأشيرات
” فيزة ” !! بعد تقديم طلبات، تجيز الزيارة من منطقة (طائفية) الى اخرى …!!
حتى اخذ الرفض الشعبي لسياسة المحاصصة الطائفية يتجسّد بالتفجّر الواعي والعفوي الواسع للدعوة الى أحياء الأنتماء الوطني للعراق بكل اطيافه والى التضامن الواسع من اجله في كلّ فرصة سنحت او تطلبت ذلك مهما كانت، فما حصل مثلاً من ردود افعال جماهيرية عراقية واسعة في الداخل والخارج وفي كلّ اجزاء البلاد، لتحية منتخب العراق المتنوع الأطياف الذي حقق الفوز بكأس آسيا لكرة القدم، وتحديّها لأستهدافها بالمفخخات التي راحت اعداد جديدة ضحايا لها . . لم يكن الاّ احد التعابير الحيّة الواعية، العفوية اللاارادية لها .
ويتساءل كثيرون بانه اذا كان كلّ مايجري لايخلق ادراكاً لدى سياسيي الطوائف بخطورة مناهجهم، الا يشعرون بأن الدعوة الى رفض الطائفية واعتماد الهوية الوطنية تزداد طردياً مع تزايد مآسي الانقسامات الطائفية المدمرة ؟ التي لاتعزز الاّ الأدراك بان علة المآسي صارت تكمن في اعتماد الاصطفافات الطائفية والعرقية ذاتها وتكريسها، فضلا عن دخولها على الصراعات الجارية . . على السلطة والنفوذ و للاستحواذ على اكبر قدر من اموال الشعب العراقي بكل اطيافه .
يعزز ذلك نتائج استفتاءات تجريها جهات متنوعة ذات طابع محايد، تفيد بأن هناك تحول جدي عن الأحزاب الدينية الطائفية بشكل خاص، اضافة الى تصريحات متنوعة بنفس المعاني لعدد يتزايد من الوجوه الدينية والسياسية والأجتماعية الفاعلة في مؤسسات الحكم من المنتمين للطائفتين السنية والشيعية، التي تذكّر بأن الدكتاتور كان يعتمد على من طاعه وامن به شخصاً . . عربيا كان او كوردياً، سنياً اوشيعياً، مسلماً او غير مسلم، وانه سلّم مفاتيح السلطة الأساسية لأبنائه وابناء عشيرته ….
ويرى محللون، ان تزايد الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الضاغطة لوضع حد للفوضى الدموية في البلاد، والذي وجد تعبيره في النجاح في توجيه ضربات موجعة للقاعدة وخاصة في محافظتي الرمادي وديالى، والذي يفسره البعض بكونه صراع سني ـ سني، كما في تفسير الشيعي ـ الشيعي المشابه وان كان يجري بادوات واهداف اخرى مواجهة .
اللذين فيما يشكلان تعبيرين صارخين، على ان السعي الجاد لوضع حد للفوضى الدموية لابد وان يصطدم بالصراع الطائفي غير المجدي، الذي يتسبب باستمرار تساقط آلاف الضحايا من المدنيين، فانهما من ناحية اخرى لايدللان الاّ على ان العودة الى العمل البنّاء والتنافس السياسي من اجل تحقيق مستوى ضروري من الأستقرار والديمقراطية ، لايمكن ان تتم الاّ على اساس حل الميليشيات الطائفية وحصر السلاح بيد الدولة، ضمن كل الجهود الضرورية والساعية لأنهاء الأحتلال . .
فيما يؤكد كثير من المراقبين، على ان السعي لأنهاء المرحلة الأستثنائية يتطلّب . . احزاباً سياسية تناضل على اساس برامج واضحة من اجل انهاء الأحتلال ومن اجل الديمقراطية، وليس الى نظام محاصصة لتكتلات طائفية . . في بلاد كالعراق الذي ضمّت احزابه السياسية ناشطين من ابناء كل الطوائف …. على امتداد تاريخه المعاصر .
وبالتالي فان معادلة حكم العراق بظروفه كلها، الداخلية والأٌقليمية والدولية والنفطية . . لاتستقيم مع سياسة المحاصصة الطائفية الصماء، وان الوضع المأساوي المهدد اكثر، لايمكن البدء بمعالجته الاّ باعادة تشكيل الحكومة اولاً لتكون حكومة تكنوقراط على اسس الكفاءة والنزاهة، وعلى اساس الأنتماء الوطني للعراق، تراعي التنوع العراقي . . وليس نظام المحاصصة الطائفية.
على اساس برنامج سياسي محدد يستهدف : توفير الأمن، تحقيق المصالحة الوطنية بتنازلات متقابلة مؤلمة لابدّ منها، ايجاد حل مناسب للبدء بالتنفيذ الفعلي للمادة (140) من الدستور، اعادة البناء اللوجستي للبلاد، حل الضائقة المعاشية لأوسع الفئات الكادحة . . من اجل انقاذ البلاد ولوضع الأسس الناجحة لبناء دولة عراقية فدرالية برلمانية موحدة، قادرة على مواجهة التحديات . ( انتهى)

23 / 2 / 2008 ، مهند البراك