الرئيسية » مقالات » معطيات هويتنا الدينية أمام التحديات المستقبلية

معطيات هويتنا الدينية أمام التحديات المستقبلية

الهوية ، أيا كان تصنيفها , هي مجمل العلاقات والسلوكيات التي تحدد السمات ضمن المجموعة الواحدة التي ترتبط ببعضها بعناصر أساسية فيما بينها كاللغة أو الدين أو الأهداف أو التراث أو التفكير المشترك والمواقف المشتركة العامة تجاه أمور الحياة وطريقة التعامل مع الآخرين , فهناك الهوية الدينية والهوية القومية والهوية الثقافية وما إلى ذلك من الهويات , والهوية الدينية هي التي تتشكل مع الفرد لحظة ولادته حين يتربى على نسق معين من العادات والسلوكيات وثقافة دينية من حلال وحرام وكل ما يتصل بها من شعائر وطقوس وعبادات والتي تميزها عن غيرها , لذلك تبدو الحاجة ماسة إلى الحفاظ على الهوية الدينية بعد أن دخلنا في عصر يسعى إلى نبذ الهوية بكل أنواعها عبر سلسلة تحولات بنيوية عميقة من حيث اتساع قاعدة المعلومات وتطور العلوم ووسائل التكنولوجيا التي أزالت الكثير من الحواجز بين الوهم والحقيقة في نظام العولمة التي تحمل في طياتها ثقافة جديدة بدأت تغزو العالم .
ومن هنا تبرز أهمية التمسك بهويتنا الدينية كأمة يزيدية وكانتماء يحدد هويتنا أمام تحديات العصر المستقبلية بعيدا عن الأساطير والخرافات وبما يمكننا من مواكبة عصر العولمة وتحدياتها ويجعلنا نقف على ارض صلبة مع الآخرين دون أن نستشعر أي حرج أو أي خطر عن طريق المعرفة والوعي الذي يبحث عن الحقائق المخفية ويحلل الأسرار وينضج الرؤية والبصيرة للدخول إلى جميع الثقافات والدخول في علاقات جديدة مع الآخرين والتعامل معهم بكل سهولة .
وعلينا أن نبقي في الأذهان أن أجدادنا عانوا الكثير من سياسات القمع والتنكيل والبطش التي أدت إلى إضفاء صفة الانطواء والانعزالية على هويتنا الدينية مما شجع الآخرين إلى إظهار العداء تجاهنا نتيجة صراع الثقافات ومحاولة تشويه وطمس ملامح ثقافتنا الدينية التي عادت إلى الواجهة خلال العام المنصرم والتي تمثلت بأحداث الشيخان وتداعيات مقتل دعاء الذي أدى إلى قتل العشرات من الأبرياء وتهجير العديد من العوائل الآمنة وقطع سبل العلم عن المئات من طلبة الجامعات والمدارس وقطع أرزاق المئات من العاملين والموظفين على نحو غير عادل والتي انتهت بكارثة سنجار المفجعة التي عدت الأعنف منذ سقوط النظام السابق من قبل مجموعة تمثل ثقافة العنف والإرهاب والتعصب والتي لايمكن التعامل معها بأي شكل . أمام كل هذه التحديات ترى هل نمتلك قوة الحفاظ على هوية قادرة على مواجهة ثقافة العنف أو تحديات العولمة ؟ ثم ماهي طبيعة تلك المقدرة ؟ هل نعود إلى الانعزال والانطواء كما فعل أجدادنا أم نتمسك بالمرونة والقدرة على المواجهة عن طريق التسلح بالموضوعية في رسم ملامح هويتنا الدينية بالثقافة والوعي بعيدا عن السذاجة والسطحية ذات القدسية المضللة التي تحكم عقول الغالبية منا , لاشك أن الذنب كله يتحمله ـ إلى جانب الجهل العام المتفشي بين العامة ـ يتحمله رجال الدين سواء أكان الشيخ اوالبير اوالكوجك اوالقوال اوالفقير أو كل من له علاقة بأمور الدين وكل من له تأثير وهيمنة روحانية والذين يروجون لتعاليم ومعتقدات اغلبها تكون مضللة يربطون الخرافة بالدين ويستغلون الدين استغلالا رخيصا ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ ويروجون لتعاليم وأوامر تحليل وتحريم كطريقة للهيمنة والحفاظ على مراكزهم وتحقيق مصالح ذاتية مما يعكس أثاره السلبية للغريب قبل القريب ويجعلنا عرضة للنقد والتجريح نتيجة لذلك.
أن مسالة الإيمان بأي طريقة كانت بما ترضي وجدان الشخص ومشاعره وضميره وتشيع في نفسه الراحة والاطمئنان بما يرغب من المسائل والمعتقدات الروحانية والغيبية فهذه حرية شخصية طالما أن الأمور الغيبية والإيمانية يصعب إخضاعها للعقل أو العلم بمنهجه المعروف فلنترك لكل إنسان حرية اختيار موقفه بما ينسجم مع فهمه وقناعاته شرط ألا يؤثر ذلك على حرية الآخرين وقناعاتهم وما دام الدين يقوم بالأصل على الإيمان أي على القناعة الشخصية فلا جدوى من فرض الآراء التي لا تتناسب وقناعة الآخرين بالقوة والقسر .
فهناك بعض المسائل الواردة في نصوصنا الدينية المكتوبة منها أو الشفهية تشكل نوعا من الحرج أو التعارض مع المنطق والعلم إذا ما أخذت بشكلها الحرفي واعني بها مسائل الخلق الأولى وقصة ادم وحواء والملائكة ـ وهذه المسالة تنطبق على جميع الأديان بدون استثناء ـ والتي اثبت تعارضها مع منطق العلم الحديث , لكن هذا لايعني أن ننتقص من هذه الأقوال أو النصوص المدونة منها أو المحفوظة في الصدور ولا أن ننتقص من الأديان باعتبارها قيم روحية تهدف إلى مكارم الأخلاق وبث الراحة في النفوس .
من هنا كانت الدعوة التي وجهتها في مقالة ( طاووس ملك ومحنة الاختبار الإلهي ) إلى توحيد الجهود والمزيد من الدراسات ـ بسبب غياب المصادر المكتوبة سوى ما تعارفت عليه الأجيال وتناقلته شفاها وطقوسا معينة ـ وتشجيع الحوار عن طريق السؤال والبحث والاستقصاء دون وضع تابوات وخطوط حمراء وحواجز محرمة للوصول إلى المعرفة خاصة بين أوساط الشباب ليكونوا قادرين على مواجهة أي استفسار يتعلق بأمور الديانة دون أن يستشعروا أي حرج أمام أي سؤال وبالتالي زيادة أواصر الارتباط بالهوية الدينية كانتماء يفتخر به قائم على النضج والمعرفة , ولم يكن قصدي من تلك الدراسة انتقاد نصوصنا وشرائعنا إنما كان هدفه الاطلاع على أقوال الحكماء والفلاسفة ورجال الدين الذين اشغلوا الأفكار وأوقعوا الاختلافات بشان رمز مهم من رموز الديانة اليزيدية ألا وهو ( رمز طاووس ملك) وبأسلوب منطقي وموضوعي بعيدا عن أسلوب العجائز الاتكالية .
ومن خلال سياق الكلام فاني هنا أعقب على رد القوال علي رشو على موضوع مقالتي الأنفة الذكر , الذي انتقدني بمجموعة ملاحظات بعضها يشكر عليها والبعض الآخر ترد عليه إما لعدم استيعابه للقصد الذي تناولته في بحثي أو أن انتقاده كان لمجرد الانتقاد , من ذلك انه اتهمني باني قد وقعت في تناقض صارخ حول أمر السجود من عدمه الذي استقر عليه موروثنا الديني كجزء من إيماننا , في حين لم أناقض نفسي لأن فكرة السجود هي فعلا تصور صوفي وان عقيدتنا قائمة أساسا على الفكر الصوفي خاصة في مسالة رئيس الملائكة والسجود وهذه مسالة شبه متفق عليها , لأننا دائما نتهم على عدم الاتفاق فيما بيننا فأي رأي يطرح أو اجتهاد دائما يجابه بنقيضه ومن النادر أن تتفق الآراء حول مسالة معينة خاصة حول أمور العقيدة الأساسية وهذا ما يزيد الغموض والارتباك حول مجمل القضايا الأساسية في الدين وهو ما يفسر جهل الغالبية من الإجابة عن أي تساؤل أو استفسار ديني يطرح عليهم .
ويبين القوال في معرض انتقاداته إن انطلاقي في مناقشة هذا الموضوع ينطلق من أرضية وثقافة تاريخية أكثر مما هي دينية واني وقعت في خطا فكري عندما اعتبرت أن التفكير الديني مستوحي من التفكير الميثولوجي المستمد أصوله من الملاحم الشرقية الكثيرة وان هذا كلام غير دقيق ويتناول مسالة الإيمان الذي يجب أن نستسلم له كما هو بغموضه وتناقضاته دون مناقشة حفاظا على الانتماء الديني الذي صمد كل تلك الحقب التاريخية نتيجة ذلك التمسك الديني , وهنا أرد لأقول له أن اليزيدي الواعي الذي يؤمن بان اليزيدية هي تراث وحضارة وقيم روحية تعبر عن حاجة إيمانية لخدمة أتباعها هكذا إنسان يكون احرص على دينه ويدافع عنه أفضل وأقوى من ذاك الذي يظهر الحماسة الشديدة من خلال تمسكه ببعض القضايا الجزئية مع النزوع إلى التعصب والجمود في تعامله مع الآخرين , لان المتحمسين للدين بأسلوب تعصبي جامد معرضين للتخلي عن تلك الحماسة عندما يتعمقون ويطلعون على ثقافات جديدة أو حين يصطدمون بالواقع , في حين أن الواعي يظل حريصا على انتمائه وعلى هويته الدينية ولا خوف عليه من الشطط أو الانحراف و بالتالي لا مجال للمزايدة عليه من أولئك الذين يظهرون العواطف الجياشة وهم بسلوكهم التعصبي المتزمت إنما يسيئون إليه وينفرون الناس منه .
وأضيف إلى ذلك أن القول بالبحث عن المسائل الدينية وفق أسلوب علمي فهذا غير مجدي , لأنه أولا لاعلاقة بين الدين والعلم لان منهج كل منهما مختلف عن الأخر فالعلم يتبدل ويتطور ويتغير أما الدين فهي حالة ثابتة , وكيف يمكن أن نطبق منهجا علميا على الأدعية والنصوص الدينية التي وردت بلغة مبهمة تتخللها كلمات وجمل عربية وفارسية وكردية وتركية وكلمات أخرى لامعنى لها وهذه المسالة لاتنطبق على نصوصنا اليزيدية فقط أنما تنطبق على نصوص جميع الأديان أيضا , وما نراه في التشريع الإسلامي من نسخ لبعض الآيات وإلغائها واستبدالها بأخرى غيرها لانتهاء أحكامها وزوال أسبابها كقضية الخمر والوصية للوارث مما يعني هذا أن التدرج والنسخ هما من ابرز مظاهر التطور طالما أن حاجات الإنسان متجددة ومتطورة وهي متلازمة لحياة البشر في هذا الكون وهي أوسع من أن تحده نصوص وأحكام وضعت في مرحلة معينة , لذلك ليس كل ما وردت في الأديان تصلح لكل الأوقات والأزمان إلا إذا نكون قد أوقفنا تفكيرنا وتجاهلنا قانون الحياة الطبيعي المتمثل بالتطور والتجدد , فهذه النصوص الدينية إن كانت صالحة بمقاييس الفترة التي وضعت فيها فأنها لاتكون كذلك ولا يمكنها معالجة قضايا هذا العصر وما كان مقبولا قديما ومستسيغا لم يعد مقبولا الآن , والناسخ والمنسوخ في التشريع الإسلامي ما هو إلا دليل على ذلك .
فالإيمان هي من الثوابت وليست من المتغيرات لان مصدرها هو الاعتقاد وقد سبقت القول إلى أن تفسير المفهوم الديني يكون بأحد أسلوبين إما جامد أو مرن وما بينهما وجهات نظر متعددة تقف بينهما كما أن هناك بعض الآراء المتطرفة التي تتجاوز حدود المنطق والعقل وهذه الآراء المتطرفة تكون أما عن حسن نية مع جهل تام أو عن سوء نية وهدف خبيث , وهنا لا اقصد بهذا الإساءة إلى الأديان لان الأديان ـ جميعها السماوية منها أو غير السماوية ـ تتضمن مبادئ أخلاقية ثابتة كالعدل والمحبة والمساواة والرحمة والتالف والدعوة إلى الأخلاق الحميدة وعمل الخير , هذه القيم أو المبادئ شاملة وصالحة لكل زمان ومكان , أما غيرها من قصص الخلق والأنبياء , فهي مجرد أساطير تاريخية أدت أغراضها في وقتها . فكم من المواضيع والأفكار الموجودة في جميع الأديان مقتبسة من كتب الأساطير وكتب الأديان القديمة التي تؤكد مبدأ وحدة الأديان وان الكثير من المعتقدات الدينية أثبتت البراهين العلمية عدم صحتها ودحضتها بالكامل واقصد بها مسائل الخلق وحواء وادم والملائكة والجان وقصص الأنبياء التي تندرج تحت باب أساطير الأولين الذي كان هدفه تفسير العالم المحيط بنا والمليء بالأسرار والخفايا , لذلك فان الأسطورة وجدت عبر مراحل تطورها التاريخي كحقيقة لا تقبل الشك لأنها ربطت بين الماضي السحيق وذلك الواقع البسيط في إدراكه فكانت الأسطورة تعبر عن سر ديني يعجز العقل عن إدراكه , ولهذا كانت مقدسة لمن يؤمن بها , فقصص الأنبياء مثلا تستند إلى الإيمان والثقة التامة بحكمة مصدرها والخلق التي قد تتنافى مع الأفكار العلمية مثل خلق الكون بإرادة ( كن فيكون ) أما العلم فلايقف عند هذه النقطة بل يرى أن الكون مر بمراحل متعددة تدريجية حتى وصل إلى هذه الحالة . ولكي نؤمن بمسالة ما علينا أن لانصطدم بالمتناقضات فمثلا قصص الأنبياء تخبرنا أن متوسط عمر الأنبياء من ادم إلى الخليل إبراهيم كانت متوسط أعمارهم لا تقل عن الخمسمائة لحد الألف سنة , إن طول أعمار الأنبياء على ذلك النحو يغلب الظن على الشك فيه وهذا مما لايمكن التأكد منه لطول البعد الزمني بيننا وبينهم وبالتالي فهي تدخل ضمن الأساطير وكذا الأمر بالنسبة لمعجزات الأنبياء والأولياء الصالحين وغيرها من الأمور الغيبية التي يصعب إخضاعها للمنطق العقلي إلا إذا كان التسليم به من باب الإيمان المطلق , وقصة الطوفان مثلا الذي كتب عنه القوال والتي غمرت العالم بالمياه والذي لم ينج منها إلا نوح وأصحابه والتي تجعل من النبي نوح الأب الثاني للخليقة بعد ادم فان هذه المسالة قد تتعارض مع ما يذهب إليه الصابئة من أنهم من سلالة صابئ بن لامك اخو نوح الذي لم يدخل السفينة معه والمفروض انه هلك مع من هلك من الذين لم يدخلوا سفينة نوح ألا يعد هذا تعارضا بين قصة الطوفان وبين سلالة الصابئين . هذا إضافة إلى قصص الانبياء وما تتضمنه من الإساءة إليهم والتي اغلبها مأخوذة من كتب الإسرائيليات الواردة في التوراة كقصة النبي لوط وابنتاه بعد هروبهم إلى الجبل واتهام يهوذا اخو النبي يوسف بالزنى مع أرملة ابنه واتهام النبي داوود مع زوجة قائده ارميا وما قيل في حق النبي سليمان ونساؤه السبعمائة وجواريه الثلاثمائة والطعن بالتوراة والمزامير فكيف إذن نوفق بين العقل والإيمان في هذه المسائل ؟ . إذن طالما لاتوجد أدلة وبراهين على صحة تلك القصص والمعتقدات فانه يحق لكل واحد أن يتخذ موقفه الخاص من مسالة الاعتقاد تلك بما يتناسب مع قناعاته ومشاعره .لان الاختلاف والتناقض في الآراء يجعلنا نشك في مصداقية تلك القصص وهذا ما ذهبت إليه في بحثي المذكور لأننا حين نفهم الأسطورة فان الفوارق بين الأديان تختفي تماما لان الإيمان أو الاعتقاد لايحتاج إلى عقل يبحث ويجادل طالما انه يسعى إلى المعرفة الفكرية أما الإيمان فهو الاعتقاد المطلق بدون نقاش طالما انه يسعى إلى بث الطمأنينة والراحة والسكون وهذا ما لن يتم تحقيقه إلا بالاعتقاد الذي هو غاية الروحانيات لما تحققه في النفوس من اطمئنان .
أما ما أورده القوال من أني غير مطلعة على عقيدتنا ـ وكأني من عقيدة أخرى ـ وان هناك نصوص دينية تؤكد بان طاووس ملك هو الملك جبريل فاني أحيله إلى كتاب مصحف ره ش الذي أورد أمر السجود وان طاووس ملك هو( الملك عزازيل ) , أما (الملك جبريل) فهوـ كما ورد في مصحف ره ش ـ رسول طاووس ملك إلى الأنبياء والرسل والأولياء يبلغهم أوامر الله تعالى وشرائعه المنزلة وهو المرافق الأمين للملك طاووس وان الملك دردائيل هو قابض الأرواح والملك نورائيل مبعوث طاووس ملك إلى الجن يرشدهم وينذرهم ويهديهم والملك اسرافيل وكلت إليه تنظيم النجوم والكواكب وترتيب الزمن والأفلاك والملك ميكائيل موكل بشؤون المياه والأمطار والثلوج أما الملك شمخائيل فهو موكل على الأشجار والنباتات في الطبيعة . وأؤكد مرة أخرى على تأثير النزعة الصوفية وخاصة في مسالة الحلول والتزهد ولبس الخرقة على ديانتنا حيث تتمثل نزعة الحلول في شخصية الشيخ عدي باعتباره يمثل ويجسد طاووس ملك على الأرض وان الشيخ عدي يستمد قوته وتأثيره من قوة طاووس ملك وهذه نزعة صوفية بحتة والذي يمثله ابن العربي والحلاج اللذين قالا بالحلول وبوحدة الوجود.
ثم نأتي إلى المعضلة الأخرى التي ينعتني بها القوال علي من أني من أصحاب الفلسفة المادية ـ وهم الذين لايعترفون بأي كيان غير مادي وغير محسوس وبالتالي يلغون الأحاسيس والروح والتفكير والمشاعر ويعدونها من الميتافيزيقيا ولا يؤمنون بكل ما هو غير مادي وغير محسوس ـ وهذا اتهام باطل , وأقول له أنا قد أكون من مناصري نظرية المذهب العقلي لديكارت الذي اتخذ من الشك أساسا للمنهج المعرفي فلا العقل ولا الحواس توصلان إلى اليقين لان العقل قد يخطئ والحواس في بعض الحالات تخدع في الاستنتاجات لذلك كان انطلاق ديكارت من الشك سبيله للوصول إلى المعرفة .
لذلك فان الذين يجتهدون ويجهدون أنفسهم بالبرهان على إن للدين إحكام شاملة لا يمكنهم من مواصلة منطق العلم والتطور ويحملون الأديان فوق ما تحتمل بل أنهم يسيئون إليها من حيث لايدرون ويجعلون من الباحثين عن الحقيقة ينظرون إليها بعين الشك لذلك ليس من المنطق أن نؤمن بكل ما وردت في الأديان باعتبارها صالحة لكل زمان وإلا نكون قد ألغينا دور العقل والتفكير وتجاهلنا قانون الحياة الطبيعي لأنها لايمكن أن تعالج قضايا العصر في القرن الواحد والعشرين . كما لايمكن دراسة الأديان بمعزل عن التطور التاريخي فهما متلازمان كما ليس هناك تاريخ للفكر مستقل عن تطور الظروف الاجتماعية وواقع الظرف العام كل ذلك في سياق الإطار التاريخي العام الذي يبحث في تاريخ تطور البشرية بدءا من تاريخ العصور الحجرية الأولى ليصل إلى بدء نشوء ظاهرة الأسطورة التي كانت حاجة ضرورية لما عجز الإنسان عن إدراكه . أما غاية الميتافيزيقيا فهي محاولة تبسيط هذا الكون المحيط من حولنا وتحقيق نوع من الوحدة التي تجمع البشر والطبيعة في عدد قليل من الأفكار. وأخيرا استشهد بقول العلامة الاجتماعي الكبير ابن خلدون من أن الكون اكبر من أن نحيط به وان ليس كل ما تخبرنا به الأديان هو محض أساطير لكن الغريب أن يصل الإنسان إلى كل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي لكنه بنفس الوقت لايزال يحيا الجاهلية الدينية لان البشرية لم تفهم بعد معنى الدين كما لم تفهم بعد دور الدين في حياة الإنسان .