الرئيسية » مقالات » كاسترو.. نقطة أرخميدية خارج التدفق العصري

كاسترو.. نقطة أرخميدية خارج التدفق العصري

ساد الأوساط السياسية والشعبية في الجزيرة الكاريبية، مزاج شابه الهدوء بردود: “لا معه ولا ضده” وذلك بعد مضي أيام قلائل على هذه الجزيرة دون أن يكون “فيدل كاسترو” زعيماً فيها، منذ حوالي نصف قرن. وبطبيعة الحال ثمة من الأسباب الوجيهة التي جعلت من سكان الجزيرة أن يكونوا في حالة الدهشة والخشية في نفس آن.

“فكاسترو” الذي قبل أن يعود إلى الحكم، كان قد قاد حرب عصابات منظمة، ولمدة عامين ضد نظام الجنرال الفاسد “فولخينسيو باتيستا” إلى أن تمكن من الاستيلاء على السلطة، حيث استطاع “كاسترو” أن يجلب شيئاً من الاستقرار والحرية للشعب الكوبي، لكنه سرعان ما تراجع وانقلب عليهما فيما بعد، ولتبدأ صفحة قمع كل من حاول او تجرأ معارضه ومعارضة اشتراكيته القائمة على شعار: “إما الاشتراكية أو الموت” والتي لم تجلب للكوبيين المنكوبين سوى مزيد من العوز والظلم وانعدام الحرية.. وهو الذي كان يعتبر بأنه تجسيد النجاح الذي حققه لشعبه.

لكن في عين الوقت والحق يقال أن “كاسترو” نجح في الحفاظ على استقلال بلاده واستقرارها السياسي، رغم الحصار الخانق الذي فرضته الولايات المتحدة عبر العقود الخمسة الماضية، فضلا عن محاولات مستميتة لانقلاب نظامه، وهو بطبيعة الحال مبعث فخر له ولشعبه.

و”كاسترو” الذي يعيش في عقده التاسع، استطاع أن يعاصر تسعة رؤوساء أمريكييين خلال مسيرة حكمه الطويل، ولو كان بإمكانه معاصرة الرئيس العاشر لفعل ذلك، بيد أنّ عاملي السن والوهن كانا لهما كلمة فصل في الموضوع. ولكن لطالما بقي “كاسترو” حي يرزق فإنّ كارزميته ستلقي بظلالها على خلفه (راؤل) على الأقل كنصب تذكاري يروي قصة بطولية، وإن كان لعصر منقرض ومتلاش.. لهذا من الصعب أن يغيب كاسترو عن الواجهة السياسية في كوبا، ليتفرغ لحياة مدنية هادئة.

الأن، وبعد أن تنازل “كاسترو” عن السلطة، ربما نظر إليه الآخرون على انه بارقة أمل للجزيرة، وبالتالي لتبدأ عملية التحول الديمقراطي فيها، لكن يبدو أن هذا من قبيل التسرع في الحكم، لأن روح “كاسترو” ستظل دوماً حاضرة لدى أخيه (راؤل) ولدى قيادة حزبه الشيوعي، ذلك لأن النظام السياسي في كوبا قد قولِب على مدى عقود خلت مع شخصية “فيدل كاسترو” ونظامه الاشتراكي البيروقراطي القائم على الحزب الواحد وجهاز واحد والجيش.

وحتى إن حاول “راؤل كاسترو” إصلاح ما أفسده شقيقه “فيدل” اقتصاد الدولة، باللجوء إلى النهج الصيني، لكن “راؤل” نفسه أيضاً بدا في خريف عمره، وهو الأن في السابعة والسبعين، فضلاً عن أنه لا يتمتع بصحة جيدة. لهذا فمستقبل الجزيرة لا يمكن أن يبدأ بمرحلة منعشة، ما لم تنتهي حقبة الأخوين كاسترو.. وإزالة متسحاثات اشتراكيتهما العقيمة. 

– إعلامي