الرئيسية » مقالات » حوار مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين … الانتخابات الأمريكية والعراق ..1-2

حوار مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين … الانتخابات الأمريكية والعراق ..1-2

تفضل الصديق الدكتور عبد الخالق حسين فناقش الأفكار التي طرحتها في مناقشتي لأفكار له وردت في مقال له حول الانتخابات الأمريكية وما يمكن أن يحصل من مشاهد محتملة في العراق والمنطقة في حالة فوز السيد أوباما في هذه الانتخابات التي ستجري في الربع الأخير من هذا العام.
لا شك في أن هناك نقاط التقاء بيني وبين السيد الدكتور عبد الخالق حسين , ولكن هناك نقاط اختلاف مهمة تستوجب المناقشة أيضاً , رغم أن مناقشتنا لا تغير العالم ولن تؤثر على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من الدول. ولكن جُلَ ما يمكنها أن تفعله هذه المناقشات هي المساهمة المشتركة في توضيح بعض الأمور لبعضنا الآخر من جهة , ولمن يجد الوقت الكافي لمطالعة ما نكتبه وننشره من جهة أخرى , كما يأمل الإنسان أن يكون ما نكتبه محط عناية المسئولين في العراق أو من يلخص لهم ما يكتب وما يناقش على اقل تقدير. سأناقش المسائل الواردة على حلقتين , تتضمن الأولى توضيح بعض الأمور والمواقف , في حين تتضمن الحلقة الثانية مناقشة السياسات الأمريكية التي لا تمت إلى العداء للولايات المتحدة , بل تحاول تفكيك وتحليل ثم تركيب السياسة الأمريكية لمعرفة ما تريد تحقيقه على صعيد مصالحها وما يتناقض او يتعارض مع مصالحنا أو يتطابق معه.
توضيح بعض النقاط
1. ليس الهدف من الكتابة وخوض النقاش حول أية أفكار تنشر على الملأ هو الإساءة لكاتبها أو التعريض به وجرح كرامته , إذ أن النقاش ابتداءً يكون قد انتهى من حيث بدأ , أي إلى الفشل وإلى عجز عن القدرة في إقناع الطرف المناقش , خاصة إذا ما شعر بأنه قد استفز أو أسيء إليه. ومن هنا أشير بأن استخدامي لكلمة الرعب لا تعني الإهانة أو الإساءة إلى الدكتور الصديق , وحين كتبت أن الدكتور حسين قد تملكه الرعب فهذا لا يعني الرعب الشخصي المباشر , فالرجل موجود في بريطانيا وليس هناك ما يهدده بحيث يرتعب منه , بل أن الرعب المقصود هنا هو مجازي ويمس ما يمكن أن يحصل وما يمكن أن يمس الشعب العراقي بالسوء مباشرة. فارعب على الشعب وليس الرعب الذاتي. ولو تحققت تلك المشاهد التي ذكرها السد الدكتور عبد الخالق حسين سترعبني أنا الأخر رغم وجودي بعيداً عن الوطن بآلاف الأميال. وكلمة الرعب هي أقوى وأكبر بكثير من القلق , والقلق ضعيف جداً أمام تلك المشاهد التي طرحها والتي أملي , كما هو أمله , أن لا تقع بغض النظر عن الشخص الذي سوف ينتخب لرئاسة الولايات المتحدة. وكان همي أن أقول بأن علينا أن نطرح مشاهد معقولة خاصة حين نتفق معاً بأن الولايات المتحدة لن تنسحب قريباً من العراق لأنها تدرك ما يمكن أن يحصل أولاً ولأن العراق ليس الصومال ثانياً.
2. إن الأخ الدكتور عبد الخالق حسين لم يقل أن أمريكا شنت الحرب ضد النظام العراقي حباً في سواد عيون العراقيات والعراقيين , ولم اقل أنا هذا عنه , بل الجملة كانت واضحة في ما تريد الوصول إليه , فحين نلغي بعض أهم أهداف الحرب لن يبقى سوى مثل هذا الحب العذري الذي دفع الولايات المتحدة شن الحرب وتحمل خسائر بشرية فادحة , إضافة على الخسائر المالية بأرقام فلكية.
3. من الخطأ الفاضح والفادح أن نتهم , أثناء مناقشاتنا لطبيعة السياسة الأمريكية , من يقف إلى جانبها بأنه عميل لهذه الدولة أو خائن للوطن , وأن من يخالفها هو عدو لدود لها. هكذا فكر الرئيس بوش وهكذا تصرف أيضاً , حين رفض البعض الحرب التي خاضها في العراق أو من رفض تأييده سياساته. ولكن لا يجوز أن يكون هكذا موقف إنسان قادر على التفكير بعقلانية. فجورج بوش قال أكثر من مرة بأن من يقف مع سياستنا , هو صديق لنا , ومن ينتقد سياستنا , هو ليس منا بل عدونا. فلا أنا ولا الكثير من الديمقراطيين الذين ناقشوا الصديق الدكتور عبد الخالق حسين يمكن أن يتهموه بالعمالة أو الخيانة الوطنية , ولكن عليه أن يكف أيضاً عن اتهام من ينتقد سياسة الولايات المتحدة اللبرالية الجديدة المعبرة عن أيديولوجية المحافظين الجدد بأنهم أعداء ألداء للولايات المتحدة وينطلقون من ترسانة الفكر السوفييتي أو يعودون لفترة الحرب الباردة. فهذا الاتهام القديم والبالي بالنسبة الذي يوجه لمن كانوا معه في خندق فكري واحد غير سليم , لأنه يعرف بأن هناك تغييرات كبيرة كما حصلت في فكره , حصلت في فكر الآخرين , ولكنهم ينطلقون من تحليلهم للسياسة الأمريكية وليس من العداء غير المنطقي للدولة الأمريكية الشمالية. وإذا كان أسلوب الاتهام الأول خاطئاً , فأن الأسلوب الثاني خاطئ أيضاً. فلكل إنسان الحق في التفكير وكذلك الحق في النقد الموضوعي ومن الزاوية التي ينطلق منها , وعلينا خوض النقاش الفكري وليس توجيه الاتهامات. ولهذا لم يجد في مقالتي ما يمكن أن يشم منه رائحة اتهامه بالعمالة والخيانة الوطنية أو حتى أي حديث عن أي تطابق مع سياسة الولايات المتحدة , بل يجد القارئ في مقالته ما يقوله بصراحة عن العداء لأمريكا وليس لسياساتها. أتمنى عليه أن يكف عن مثل هذا الهاجس ويتحول إلى الحوار بعيداً عن التوصيف الخاطئ للأشخاص , إذ أن الحوار يتحول صوب القضايا الفكرية دون نعوت تذكرنا بعهد مضى وانقضى.
4. لقد كنت في خشية كبيرة جداً من طريقة الولايات المتحدة في التعامل مع الشأن العراقي وأسلوب القصف الجوي المتواصل وما عاناه الشعب العراقي من حصار دولي دام 13 سنة والذي انتهى بشن الحرب الخليجية الثالثة , لا لأني كنت أريد أن تبقى الدكتاتورية في العراق , بل لأني لم أكن أرغب بالحرب ذاتها , لأنها لن تعالج المشكلات بالطريقة السليمة بل تزيد الأمور تعقيداً , خاصة وأن الولايات المتحدة قد جمدت نشاط ودور المعارضة على مدى عدة سنوات دون أن تقدم لها الدعم للقيام بأعمال جادة لإسقاط النظام , بل كانت تريد إسقاطه بطريقتها الخاصة ودون مشاركة المعارضة العراقية. ولم استح من هذا الموقف وأعلنته صراحة وليس في ذلك ما يعير به احد , ومن العيب أن يمارس مثل هذا الأسلوب بالحوار , خاصة وهو يعرف القصد من وراء مناهضة الحروب. والخشية كانت ترتبط أيضاً بأن الولايات المتحدة لم تبدأ بالتحضير للحرب في أعقاب 11 أيلول / سبتمبر 2001 , بل كانت قد بدأت بذلك قبل ذاك , ولكن بل كلنتون قرر تركها لمن يأتي من بعده. إن شعار “لا للحرب .. لا للدكتاتورية” , كان يعني خوض النضال من اجل إسقاط الدكتاتورية , ولكن بالتحري عن أساليب قابلة للإسقاط دون المجازر التي أعقبت السقوط , إذ لم يكن الأمريكيون على وعي بما يجب أن يمارسوه في العراق وما يفترض أن يتخذوه من سياسات وإجراءات بعد سقوط النظام , وهذا هو أكثر ما كنت أخشاه وكان يرعبني حقاً ما سيحصل لو أفلت الزمام من يد الجميع. وما حصل في العراق بعد السقوط حتى الآن يدلل على بؤس السياسة الأمريكية في مواجهة أوضاع العراق , ولكن عن بؤس سياسات ومواقف أغلب القوى السياسية أيضاً. ويمكنك أن تجد تلك الخيبة التي أصيب بها السيد كنعان مكية من السياسة الأمريكية التي مارستها في العراق من خلال المقابلة التي أجراها معه مراسل الحرة السيد سام منسى قبل أقل من أسبوعين وأعيد عرضها أكثر من مرة والتي قال فيها أن الساسة الأمريكيين لا يعرفون العراق ولا أهل العراق ولا ظروف العراق. كلنا سعداء بزوال الدكتاتورية وبغض النظر عن الأسلوب الذي مورس في ذلك , ولكن ماذا بعد؟ في هذا الأمر ارتكبت السياسة الأمريكية أفحش الأخطاء وأفدحها. ذاكرتي التي ما تزال نشطة تشير إلى أنك كتبت الكثير وساهمت أيضاً في نقد الأخطاء الفاحشة والفادحة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في العراق. لقد قتل أكثر من نصف مليون إنسان وجرح أكثر من ذلك بكثير وهجر أكثر من مليوني إنسان خلال الفترة المنصرمة , إضافة إلى الملايين الثلاثة التي كانت في المهجر قبل ذاك , كما بلغ عدد قتلى الجيش الأمريكي حتى الآن أكثر من 4000 قتيل وفق التقارير الرسمية الأمريكية.
5. لقد كنت واضحاً وصريحاً في تعبيري حين قلت بأن الإدارة الأمريكية قد كرست الطائفية رسمياً , أي تشريعاً , ولم أقل أوجدت أو خلقت الطائفية في العراق. فعمر الطائفية في العراق بدأ بعد فترة قصيرة بعد انتهاء فترة الخلفاء الراشدين , إن لم نقل قبلها. وقد عانى العراق بالذات أكثر من غيره من الدول العربية من لعنة التمييز الطائفي والطائفية السياسية على امتداد فترة الحكم الأموي , فالحكم العباسي والحكم العثماني , ومن ثم في فترة الحكم الملكي الحديثة. وفي الحكم الملكي مورست الطائفية السياسية , ولكنها لم تكن مثبتة في الدستور من جهة , كما أن عموم البشر العراقي لم يكن يقبل بها , وكانت تمارس من قبل الحكام والتي تجلت بشكل صارخ في فترة حكم البعث ألصدامي. وكتب التاريخ , ومنها أجزاء كتاب الراحل الأستاذ الدكتور علي الوردي , تقدم لنا صورة واضحة عن هذا التمييز. كما أن كتابي الموسوم “الاستبداد والقسوة في العراق” يتحدث عن الطائفية والتمييز الطائفي بوضوح كبير على امتداد فترات الحكم الإسلامي في العراق. إلا أن ما حصل يا سيدي الكريم هو أن الإدارة الأمريكية استبدلت الطائفية السنية بالطائفية الشيعية أولاً , وكرست المحاصصة الطائفية التي لعنتها أنت أيضاً ثانياً , وأضعفت القوى الديمقراطية والعلمانية العربية ثالثاً. وللعلم لم يكن الدكتور أياد علاوي , وه على رأس الحكومة الأولى , هو الشخصية الممثلة الفعلية للقوى الديمقراطية والعلمانية , بل تصرف إلى حدود قليلة كشخصية لا تزال ملتزمة بجملة من أفكار البعث في الممارسة أيضاً. وقد أساء للعلمانيين والديمقراطيين العرب كثيراً وساهم في تفريق شملهم أكثر من تجميعهم. إن ديباجة الدستور العراقي تعبر عن هذه النزعة الطائفية , وهو ما يؤخذ على الأمريكيين وعل الساسة العراقيين في آن واحد , يضاف إلى العجالة في ممارسة حق الانتخاب لشعب وقع تحت الدكتاتورية 35 عاماً بل أكثر من أربعين عاماً. من غير المنطق أن نستبدل حكماً طائفياً بحكم طائفي آخر , بل كان المفروض , وكانت فرصة ثمينة , أن نستبدل الطائفية بحكم مدني عقلاني ديمقراطي , وهو الذي لم يعمل له وعليه ممثلو الإدارة الأمريكية في العراق , وخاصة المستبد بأمره باول بريمر. وقد نفذ سياسة الإدارة الأمريكية , كما أشار إلى ذلك صراحة ولم تكن تلك السياسة من عندياته. إن استمرار الطائفية في العراق ستمزق هذا العراق وستسحق في دربها المزيد من البشر , إذ أن الشعب لم يعرف حتى الآن مفهوم التنوير الفكري والاجتماعي والسياسي وسنحتاج إلى عقدين أو أكثر إلى أن يحين موعد إقامة مجتمع مدني.
6. أدعي مرة أخرى يا صديقي العزيز بأن أوباما لن ينسحب من العراق لو نجح في الحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي له ولو انتصر في الانتخابات الرئاسية فعلاً , واحتمال انتصار الجمهوري وارد حقاً , وقد طرحته في ندوة لي قبل أكثر من شهر مع تلفزيون “دويچة فيله” , فسوف لن ينسحب من العراق كما وعد ناخبيه. من الممكن أن تبدأ الإدارة الأمريكية الجديدة , بغض النظر عن الرئيس القادم , بسحب بعض القوات , ولكن ليس كلها ولن يتركوا العراق فريسة الإرهاب والصراع الدموي بأي حال , فالعراق ليس الصومال , كما أن إسرائيل ليست جارة للصومال ولا لإيران وسوريا , كما أن الصراع حول العراق ليس كما هو عليه حول الصومال , وليس في الصومال ثروات العراق النفطية.
وأتفق مع الدكتور عبد الخالق حسين بأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات فعلاً , ولكن علينا أن لا ننسى عاملين يلعبان دوريهما في التأثير على السياسة الأمريكية , وهما: أ. اللوبي الإسرائيلي بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية , وهو لوبي مهم وكبير ومؤثر حقاً , و(ب) دور كبار الاحتكارات الرأسمالية المتعددة الجنسية العاملة في الولايات المتحدة الكبير في التأثير لا على اختيار مرشحها للإدارة ألأمريكية حسب , بل وعلى السياسة الأمريكية نحو الخارج. وليس هذا من عندياتي ولا بسبب كوني اقتصادياً أرى الأمور من زاوية إضافية , بل يمكنك قراءة الكتب الصادرة حول اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة , كما يمكنك أن تقرأ بشأن المسألة الثانية ما كتبه ونشره الرأسمالي الأمريكي الكبير من اصل هنغاري , جورج سوريس , في عدد من كتبه الجديدة للتعرف على آراء آخرين بهذا الصدد , وه الشخصية المخلصة للعلاقات الإنتاجية الرأسمالية والحريصة على انتصار الرأسمالية في سائر أنحاء العالم , وه في كل الأحوال ليس من الماركسيين المعادين للولايات المتحدة الأمريكية , بل ابنها البار.
انتهت الحلقة الأولى وستتبعها الحلقة الثانية والأخيرة حول سياسات الولايات المتحدة الأمريكية
23/2/2008 كاظم حبيب