الرئيسية » مقالات » بين كوردستان وكوسوفو أستقلال لا بد منه

بين كوردستان وكوسوفو أستقلال لا بد منه


هنالك الكثير من نقاط الالتقاء بين قضيتي كوردستان وكوسوفو التي أعلنت أستقلالها مؤخرا بتعضيد واعتراف غربي وشرقي قوي ، ولو تمت مقارنة أحقية الأستقلال لوجدنا أن كفة كوردستان هي الغالبة على شقيقتها الصغيرة كوسوفو غير أن صاحبة الحق الأكبر تراقب العرس الاستقلالي في كوسوفو وعيون أبنائه ترمق نحو أمل الاستقلال والذي يراه مناوئوا كوردستان قريبا قرب الحاجب من العين وينعتونه بمشروع تقسيم العراق غير أن قادة كوردستان منهمكون في معارك جانبية بعيدة عن قضية الاستقلال من أمثلتها الدفاع عن الفدرالية والدخول في معمعات الميزانية وتغيير العلم العراقي وعقود النفط وغيرها من يوميات العراق الجديد القديم وتلك مفارقة تدعو الى العجب .
كوسوفو ( قوصوه _ اسمه القديم ) كانت تقع ضمن أراضي دولة صربيا ، أصبحت لحقب من الزمن محط خلافات جدية بين صربيا وألبانيا لكون سكانها من الألبان من جهة وكذلك أستقطاعها من جسم البانيا الاسلامية بعد القضاء على الامبراطورية العثمانية الاسلامية ومنحها الى دولة صربيا من جهة أخرى وذلك للحيلولة دون قيام دولة أسلامية كبيرة في أوروبا المسيحية ، تحدها من الشمال الشرقي صربيا ومن الجنوب الغربي مقدونيا ومن الشمال الغربي الجبل الاسود أما جنوبا فهنالك الامتداد الطبيعي ألبانيا ، عاصمتها برشتينا وسكانها ثلاثة ملايين ونصف المليون تقريبا أما مساحتها فهي 10 ، 577 كم مربع ونسبة المسلمين فيها 93% زهم جميعا من الألبان .
أما كوردستان فيحتل بقعة واسعة من خارطة الشرق الأوسط تعرض الى حالات التقسيم بين الامبراطورية العثمانية والامبراطورية الفارسية وبعد أنتهاء الحرب العالمية الاولى فرضت خارطة جديدة على المنطقة رغم أرادة من يسكنون على هذه البقعة من الكورد الذين يعتبرون أقدم شعوب المنطقة برمتها ، مما نتجت عن ذلك ثورات وأنتفاضات متلاحقة وبالتالي تعرض هذا الشعب الى المزيد من حروب الابادة والويلات والكوارث وسط تعتيم أعلامي وصم وبكم عالمي سافر ، يحد كوردستان منطقة الأناضول شمالا وولاية بغداد جنوبا وولاية حلب غربا وبلاد فارس شرقا ، تقطنها أربعون مليون نسمة على أقل تقدير ، مدنها الرئيسية كركوك والسليمانية وأربيل وديار بكر ودرسيم ووان وبينكول وكرمنشاه وسنندج ومهاباد وكانت مدينة كركوك عاصمة لولاية شهرزور التي تضم معظم كوردستان العراق ما عدى المدن التي تتبع ولاية بغداد مثل خانقين ومندلي وزرباطية والبدرة والحي ، مساحة كوردستان الاجمالية تقدر ب ( 136 ) الف متر مربع موزعة على دول أربع وهي تركيا ( 216 ) الف متر مربع وفي أيران ( 218 ) م2 وفي العراق ( 87 ) م2 وفي سوريا ( 15 ) الف م2 .
هنالك مشتركات كبيرة بين حالتي كوردستان وكوسوفو وهي أنتمائهما الى الامبراطورية العثمانية وثم الانسلاخ منها بسبب الحرب العالمية الاولى ومنحمهما الى دول أخرى من دون العودة الى آراء سكانهما وبقاء تلك الخارطة المفروضة رغم أنفهما كل هذه العقود الطويلة وتعرضهما الى حروب أبادة مع تباين الحجم حيث أن كفة كردستان هي الارجح في هذه الحالة وقمع كافة الدعوات الهادفة الى الاستقلال وكبت أنافس الداعين والثوار بسياسة النار والحديد وكذلك أن الشعبين يعتنقان الدين الاسلامي مع وجود أقليات دينية وعرقية أخرى على أراضيهما .
كوسوفو وفي جو يسوده هدوء ملفت للنظر قررت أعلان أستقلالها عن طريق البرلمان المنعقد في أجتماع خاص نقلت وكالات الانباء أحداثه بدقة عندما قرأ رئيس وزرائها فادمير سوديو أن كوسوفو دولة ديمقراطية ذات سيادة وبها أنسلخت من دولة صربيا التي رفضت هذا الاستقلال ومعها روسيا التي ملئت الدنيا عياطا وتصريحات من غير جدوى ، حيث وكما يبدو أن كوسوفو قد أستلمت الضو الأخضر من أكثر من جهة عالمية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية التي أثبتت أنها ماضية في تغيير الخارطة العالمية المرسومة وفق مصالح الدول التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الاولى . اما كوردستان المنقسمة على دول أربع كما مر لا زالت تعيش ارهاصات الانتقال الى المربع الاول لخانات الاستقلال وقد بدأت وتيرة الاستقلال جنوبا في كوردستان العراق وأن طبخة الاستقلال في هذه البقعة قد وضعت على نار هادئة ، فالفدرالية التي أعلنت في كوردستان العراق عام 1992 قد أحتلت لها موطئا ثابتا في الدستور الدائم للعراق رغم الاحتجاجات المتكررة من قبل دول الجوار ويكاد أن يكون رأي المراقبون متجانسا على أن هذه الفدرالية آخذة طريقها الى الاستقلال يوما ما دون تحديد الوقت ولكن الوقت المناست قادم لا محال مادامت التغيرات الجغرافية سائرة في طريقها في منطقة الشرق الاوسط بحكم السياسة الجديدة للمجتمع الدولي الذي يهدف في آخر المطاف الى جعل السكينة والهدوء العام هو الحالة المستقرة النهائية في المنطقة بشكل عام ولا يمكن أستثمار ذلك الهدوء الا بتسليم الاستحقاقات الى أصحابها لتنتهي زمن الثورات والفتن ويحل محلها زمن الاستقرار وأن كان تحقيق هذا الهدف ليس سهلا والطريق اليه غير معبد بالورو و بالشكل الذي يمكن البت بقرار الاستقلال مثلما حدث في كوسوفو .
أهم عقبة في طريق أستقلال كوردستان هي الجغرافية والمحيط والمنظومة الدولية التي تنتمي اليها كوردستان على عكس شقيقتها كوسوفو التي اعلنت الاستقلال دون عناء يرتقي الى ربع العناء الكوردستاني وها نرى وبعد أيام قليلة من وثيقة الاستقلال أن دول مهمة وذات نفوذ سياسي وأقتصادي مهم تعلن دعمها وأعترافها بهذه الدولة الجديدة وبالمقابل سيحل ركودا بعد عاصفة الاحتجاجات الصربية التي تنتهي بالهجوم على السفارة الامريكية في عاصمة الصرب والذي لا يزيد الا اصرارا أمريكيا على ضرورة دعم دولة كوسوفو الديمقراطية وكذلك الحال مع الاحتجاج الروسي الذي يقبع خلف شعارات سوداء لا أهمية لها ولا أثر له على مجريات الامور وما شاهدناه على قناة روسيا اليوم الناطقة بالعربية من دعايات متكررة تثير التقزز أكثر من إثارتها لمشاعر الاخرين لدفعهم الى رفض الاستقلال المعلن في كوسوفو حيث أن القناة التلفزيونية تلك تصاحب صور متكررة لسقوط الدكتاتور العراقي صدام حسين معلنا ذلك حلول شريعة الغاب بدلا عن شريعة القانون الدولي ، تلك الازدواجية والسياسة الميكافيلية التي تدفع الدولة الروسية الى الركون في زاوية ميتة في السياسة الدولية وسيقول المجتمع الدولي يوما ما كلمتها أزاء لعبة الدول الخمس الاعضاء في مجلس الامن وروسيا أحداها التي تلعب بمقدرات الشعوب والدول النامية لوسيلتها المقيتة التي تحمل عنوان حق الفيتو على قرارات مجلس الامن .
نفس الذريعة التي أعلنتها روسيا في رفضها لقضية أستقلال كوسوفو ستستعملها في كوردستان وقد أعلنتها على لسان متكلميها التي أبدت مخاوفها أزاء تكرار حالة كوسوفو في الشرق الأوسط والقصد بلا أدنى شك هو كوردستان االسائرنحو هدف الاستقلال وفقا لمشئة الحقيقة التي لا بد أن تطفو على السطح رغم مراحل قهر الحقيقة الغابرة .
يبدو من مشهد ما يجري في منطقة الشرق الأوسط أن الدول المحيطة بكوردستان قد أدركت حقيقة تغيير الخارطة وباتت تتصرف وفق هذه الحقيقة وتقف دولة تركيا في صدارة الدول هذه ويلاحظ أنها تسلك سلوك الثور الهائج الذي يقاد الى المذبحة فتحاول بشتى الوسائل النيل من أقليم كوردستان العراق بتبريرات غير مقنعة ، تارة تتدعي أن التركمان في العراق مهددون دون أن يحدث على أرض كوردستان ما يثبت ذلك الأدعاء مطلقا وتارة تشن هجمات جوية وأحيانا أرضية محدودة على منطقة جبال قنديل بحجة ضرب معاقل حزب العمال الكوردستاني الذي يتمسك ومنذ فترة طويلة بقرار وقف أطلاق النار من طرف واحد وأكثر الظن أن ولادة الدولة الكوردستانية ستنطلق في شمال كوردستان ( كوردستان تركيا ) أذا سارت تركيا على هذا النهج الخاطئ الذي ستقدم حتفه وحتف خارطته التي ورثتها عن الرجل المريض ، أما أيران فيعد الهدف الامريكي الثاني بعد العراق ولم يؤخر البت فيه سوى المفاجئات الأمنية السيئة التي تلت مسألة أحتلال العراق لقصر نظر أمريكي ولذلك نرى أن الجمهورية الأسلامية تحاول وبطرق مختلفة تعقيد الوضع الامني في العراق للحيلولة دون مرور المشروع الأمريكي في طريق آمن وقد أكتشفت كافة الأوراق التي كانت تلعب بها أيران على الطاولة العراقية ، أما ما يرنو في الأفق القريب أنفراج التأزم الأمني الذي يعد خارج أرادة ايران وما يقال عن أيران يمكن قوله عن سوريا التي تعتبر الحلقة الأضعف في المعادلة وهي حائرة لا تتمكن قرآءة كف الأحداث المقبلة في المنطقة ومع ذلك لا تتحرك وفق متطلبات المرحلة وما تتطلبها منطقة الشرق الأوسط الكبير حسب التسمية الأمريكية لمشروعه في المنطقة .
ما يدور الآن في مناطق قنديل من حيث الهجمات التركية المستمرة وأفتعال المبررات الصغيرة والواهية لدخول أقليم كوردستان العراق لا يؤخر التغيير الجار في المنطقة التي تكون كوردستان نواتها بقدر ما تدفع بموقفها الى المزيد من العزلة في المشهد الدولي ولاسيما تذمر النادي الأوروبي من قبولها في الأنضمام أليها ذلك الهدف القديم الحديث الذي أرق الوسط السياسي التركي لعقود طويلة دون أحراز أي تقدم من حيث تصحيح سلوكها كدولة مارقة تخنق الحريات وتحارب الأثنيات غير التركية والأعتداء على دولتها الجارة ( العراق ) الذي أصبح من نصيب امريكا على المدى البعيد وطبعا ستترتب الأعتدائات هذه أعتداءا على المصالح الأمريكية التي بدات تراجع حساباتها مع هذه الدولة التي كانت الى وقت قريب حليفة أستراتيجية لها ، وكل كلام عن بقاء تلك العلاقات بمستوى العلاقات الأستراتيجية فهو كلام يدعو الى الى الضحك وخاصة بعد أن طفحت آثارها السلبية على السطح منذ أن وضعت تركيا عرقلات حقيقية أمام زحف القوات العسكرية الأمريكية
على العراق أبان أحتلاله له ومن ثم أختلاق المشكلات الجانبية للعراق ، تلك التي تثقل بطبيعة الحال كاهل أمريكا وهي تواجه مشاكل أمنية حقيقة في العراق .
إذن لم يبقى شئ يسمى العلاقات الأستراتيجية الأمريكية التركية والمحللون الأتراك ومعهم أمثالهم ممن في نفوسهم ما في نفس يعقوب هم الذين يرددون تلك العبارة في قيامهم وقعودهم وتأتي من باب التمني الذي لا يخدم التحليل الرصين .والحقيقة التي قلما يشار اليها هي أن أمريكا وجدت بديلا آخرا في المنطقة وهي دولة داخل الجنين إن صح التعبير وهي ترى أن مصالحها تتفق تمام مع قوم هم بأمس الحاجة الى تلك بناء مثل تلك العلاقات معها وكل من يراقب الوضع السياسي في تركيا سيقف أزاء صورة جديدة لأسلام سياسي سيطر على المراكز الرئيسة في تركيا بهدوء وهو يخفي وجهه الديني طوال المدة المنصرمة والسنوات القادمة وما أن ينشا جيل من هذا الطيف داخل الجيش التركي ستحمل مفاجئات غير سارة لامريكا بعدما تنجلي صورة الحكم الاسلامي سواء كان معتدلا أم متشددا في تركيا ، آنئذ سيكون للحالة الجديدة كلام جديد وسنكون قد دخلنا مرحلة جديدة تكون فيها الخارطة الجغرافية للمنطقة غير هذه الخارطة التي نشاهدها منذ الحرب العالمية الاولى ولحد الآن .