الرئيسية » مقالات » حبيبتي بغداد

حبيبتي بغداد

حينما انتحبت تهشم الوطن،لكنه ظل واقفا كالزجاج المكسور تصدعت عيوننا ووقار الشيوخ اوقف الخلجات،نخاف من فضيحة النحيب والبكاء والضعف الادمي،ولانخاف فضائح الموت المجاني والشرف المهدور والكرامه المهانه.

ننظر لحرائقك عبر الشاشات ونندب حظنا،وعويلنا السري هو ذاك الحبل الواصل بين القلب وبين العين،تقطعه الرئتان المملوءة بدخان حرائق العراق والمتمسكة بهوائه،والتي ترفض استبداله بهواء مضغوط انقى لكنها تعتبره (اوكسجين) مستشفى تحتاجه في حال الطوارئ وكم طارئ اصبح مزمنا وانت لازلت مصرة على النحيب وعلى الاحتفاض بالدخان الذي يعيد لك الذكريات،من المزبن الى حروب الباشا،الى يورانيوم الحروب،الى مزهريات الجثث الادميه المزروعه في شوارعك الطاهره،كل هذا وتقولين رطب البصرة هو الفائز بين تمور العالم،وماء دجلة هو الاعذب على الرغم من جثث المغدورين دون رؤوس،التي تطفو معلنة عهر زمن اغبر وحماقة اطراف انجرت للعبة الذبح

بقت دجله مكبلة تتضامن مع من القيت جثثهم بها مكبلين،تحتضنهم وتنوح كامهاتهم وتزجر سمكها وتمنعه من الاقتراب منهم،لكن ليس كل الاولاد نجباء،فمنهم المتمرد الذي استهواه طعم اللحم المغدور ورائحة الدم،التي جلبت القرش ضيفا ثقيلا على شواطئ دجلة.

والفرات لازال خافضا راسه يشعر بالندم،لانه استجاب لرغبات جند يزيد ومات الحسين ع وال بيته دونه ظمانا،وكرر خطأه التاريخي بخطأ اخر حينما امتثل لاوامر يزيديه متاخره،وجفت شتلات الشلب بين ذراعيه لان السلطان التركي امره بعقاب من دافعوا عنه بالامس وماتوا دونه على الرغم من بشاعة ظلمه .

هو الفرات هكذا خجول دائما ويشعر بالذنب!!على الرغم من هالة التفاخر الواجب عليه ان يحياها،واهله الثوار الطيبون هكذا مثل سنابل القمح المملؤه .

هدني الشوق،هل لازالت طيور النورس تتزاوج على سطح الماء؟ ومن حمل فايروس الافلاونزا يحمل على نفسه ويسابق انفاسه ليموت بعيدا عن نهر احتضنه واناس كرموه ليفاخر هو الاخر بموته،لانه لم يجلب عاره بالموت (الافلاونزي)ويتسبب بكارثه وغيره اشعل الحرائق ولم يطفئها،وهو عاش باكيا وشاهدا على الجرائم وفضل الموت غريبا بعيدا،ومثلما نموت بالمنافي بشرف لم ندل سلطانا ظالما على من نحب،ولم نمتدح سلطانا اخر جديدا،ولم نصفق للقتله،ولم نرسل غير انيننا واهاتنا عبر الاميال كلمات وايملات نحس بحرارتها تحرق الاكف،لكن جليد المنافي كفيل بوصولها دون مشاعر كالسمك المجمد !!

ها قد احترقنا ونحن في اخر العمر يا بغداد، رسائل القتله والموت والتهديد لازالت تلاحقنا،ونحن نفتخر بان نموت كموت النخيل،كما نحن ولا تحز رقابنا ويضطرنا ضعف ادمي قدنمر به بتقبيل يد من سيحز رقابنا،او ان نتعهد بمناصرتهم،او ان تنحرف اقلامنا.

جليد المنافي قاس،لكنه ارحم من حالة ضعف او هوان !

اخر مرة ذكرتك فيها يابغداد كانت في غرفة العناية المركزه،التي نقلوني اليها،صرت لي فيها نصيرا وشريكا باخر الانفاس،وكنت حبيبة انانية غير منصفه،اذكر حينما اخذ خمول الادويه يدب في جسدي المنهك،وانت تشعرين بدنو الاجل اكثر مني،الححت علي تطلبين توثيقا اخيرا لمحبتنا ومهرا مؤجلا نسينا ان نكتبه في عقد محبتنا الاول،وبين فرط حبك الذي شعرت بحميميته ودفاعه عن الانفاس الاخيره،وبين طبيب وممرضه صينيه لايفهمون ما اريد ويمنعونني من الكلام والحركه،وبين ابناء وزوجه ينتظرون بالخارج…

وانت تريدين التوثيق وتصارعين مع رعشات القلب المنهك،وتحت الحاحك واصراري فتحوا قيد يدي وناولوني الورقه والقلم،لكنهم طلبوا مني ان لا اطيل،عاهدتم،وكتبت مهري جملة،انت الححت علي بكتابتها (ادفن في بغداد اوحسب وصيتها).

اخذوا القلم من يدي ومسحوا دموعي،وانت كالعروس بعد قبلة الحب العذرية الاولى،اخذت الورقه من بين ايديهم،لانهم لم يعرفوا ما بها واودعتيها وسادتي،واخذت الوعد الصادق مني وركضت تنتظرينني هناك

(لكن عمر الشقي بقي) كما يقول المصريون

ولايزال للعمر بقيه، وقد نلنقي مرة اخرى؟