الرئيسية » مقالات » حول عودة الملكية إلى العراق القسم الأخير

حول عودة الملكية إلى العراق القسم الأخير

في القسم الثاني من مقاله القيم يشير الدكتور عبد الجبار الملا صالح إلى المعوقات التي أعاقت بناء الدولة العراقية آنذاك،ومنها ما هو خارج أرادة الدولة الجديدة ومنها ما هي سبب في حدوثه،مثل التمرد الآثوري،والاضطرابات في كردستان،انقلاب بكر صدقي،الثورات العشائرية في الجنوب،الحرب العالمية الثانية،الثورة البرزانية،دخول الحرب ضد إسرائيل،وهذه الأسباب جميعا كانت طبيعة الحكم ورائها ،وهو السبب فيها،فالحقوق المشروعة للكورد والأثوريين وحقوق الشعب العربي في الجنوب تستدعي هذه الشعوب السعي لتحقيقها بالطرق المتاحة،ولو كان للنظام توجهه الديمقراطي الأصيل لأقرها ،ولكن طبيعة ارتباطاته الخارجية،ونزعته التسلطية جعلته يقف بالضد من تطلعات الشعب،أما الحرب العالمية الثانية فقد دفع نوري السعيد العراق ليكون طرفا فيها بموجب المعاهدات الجائرة التي كبل العراقيين بها وأفسح في المجال لقوات الحلفاء أن تتخذ من العراق منطلقا لتحرك قواتها وإدامة مواصلاتها،في حربها الضروس مع الألمان،رغم أنه ليس لنا ناقة ولا جمل في المشاريع الاستعمارية للدول المتحاربة،ولعل الإشارة إلى حرب 1948 وما كان للنظام من دور مفضوح لا يجعل له محلا في الوطنية،فكانت تلك المشاركة مؤامرة حيكت خلف الكواليس،ولم تكن هادفة في جوهرها لتحرير فلسطين.
*يقول”لم يكن ساسة العهد الملكي من رؤساء وزارات ووزراء من الملائكة”وهذا هو محور النقاش وما أشرنا إليه من تفشي الفساد في أجهزة الدولة،وكان لكبار الساسة مصالحهم الخاصة التي يعملون من أجلها،بغض النظر عن حجم الفساد أو نوعه،فالفساد هو الفساد مهما كانت درجته،وخصوصا لأستاذ ضليع في القانون كالدكتور الفاضل،وفي ذات المنحى يقول”وإهمال لشأن الطبقة الفقيرة”وهذا ما يعني استفادة الأقلية على حساب الأكثرية،لأن الفقراء هم غالبية الشعب العراقي الذي لا يستطيع توفير قوة يومه،وهو ما خلق حاجزا بين الشعب وحكومته التي اهتمت بأصحاب المقامات العليا وأهملت الملايين،وهذا يعني أن النظام الملكي لم يستطع بناء مجتمع الكفاية والعدل،وهو ما أكدنا عليه في ردودنا السابقة.
*في النقطة الخامسة يقول”عرف العهد الملكي التعددية الحزبية،وتعددية الصحف…وأجريت انتخابات نيابية…لكن الانتخابات لم تكن تجري بصورة حرة،بل كان يتدخل في نتائجها البلاط ورئيس الوزراء القائم على الانتخابات،ولم يكن مجلس النواب يكمل دورته بل أن حل مجلس ما كان يتوقف على اجتهاد رئيس الوزراء أو الملك،غير أن المتدخلين في الانتخابات كانوا يبررون بأن الانتخابات الحرة ستؤدي إلى قيام مجلس من الأميين”وهذا ما أشرنا إليه في مثالب العهد الملكي ولم يأت الكاتب بجديد،فأين هي الديمقراطية التي يتشدق بها دعاة الملكية،،وهذا من المضحك المبكي،فالمجلس النيابي الذي يؤلف من قبل البلاط والرجل الأول في الدولة طيلة العهد الملكي نوري السعيد كان يضم في صفوفه الكثير من الأميين،الذين لا يجيدون التوقيع على المقررات مما دفعهم لعمل الأختام”مهر” كما هي أختام المختارين ودوائر الدولة،وأن ترشيح البلاط كان يأتي برجل من بغداد ليكون نائبا عن البصرة أو العمارة،وآخر من الرمادي ليكون نائبا عن النجف،وكأن هذه المدن تخلو من الرجال الذين لا يتوفرون إلا في أزقة وحواري الملاط الملكي،وربما أن بعض هؤلاء لم تطأ أقدامه تلك البلدة أو يراها في حياته،وهذه هي الديمقراطية المنشودة والحكم الحر الذي يتشدق به أنصار الملكية ومن يحاولون تجميل صورتها هذه الأيام.
أما عن أدعائه بأن النظام أعطى الحرية لقيام الأحزاب،فهذا قول مردود،فالأحزاب التي أشار إليها لم تكن أحزابا بالمعنى الصحيح،وما هي إلا كانتونات تمثل الطبقة الحاكمة ولا تمثل إلا أقل الجماهير،ويقول إن النظام لم يعدم قادة الأحزاب،في الوقت الذي أعدم قادة الحزب الشيوعي العراقي في الساحات العامة،أم أن الدكتور الفاضل لا يعتبر الحزب الشيوعي العراقي حزبا،وربما يراه عصابة مسلحة أو مليشيا تمارس القتل والذبح والتهجير،تتـخذ الكفاح المسلح طريقا للوصول إلى السلطة،بل قد يسير مع نغمة العهد الملكي ويتهمهم بالصهيونية والكفر وهو سلاح الذين لم يستطيعوا مقاومة الحزب فكرا وسلوكا فلجئوا لأسهل الطرق بإيهام البسطاء والسذج بمثل هذه الأقوال التي لم يزكيها التاريخ ورفضها الواقع،ولو أحصينا ما قام به الحكم الملكي من قمع للحريات ،وإطلاق النار على المتظاهرين،لاحتجنا إلى حيز أوسع،ولا أعتقد أن سيدي الكريم يجهل الأعمال التي قام بها رجال العهد المباد،فموسوعيته أكبر من أن تكون رهنا بما كتب،وهو يعرف الكثير ولكن لتبرير آرائه يلجأ للانتقاء بما يدعم تصوراته ووجه نظره.
*أما النقطة السادسة التي أشار إليها الكاتب الكريم فهي لا تخرج عن تصوراتنا عن ذلك العهد وتشير بما لا يدعوا للالتباس عمق الهوة التي أنحدر إليها ذلك الحكم وابتعاده عن مصالح شعبه،في سعي محموم لبناء دولته القائمة على احتقار الأكثرية ومصادرة حقوقها وهيمنة الأقلية في حكم مقرف لفظه التاريخ، ولكن سيدي الكريم يتجاهل إن السلطة القائمة آنذاك لم يكن لها تأثير على النقابات المهنية والعمالية لابتعادها عن القاعدة الجماهيرية وافتقارها للدعم الشعبي،مما جعلها تتهاوى صبيحة الرابع عشر من تموز،ولم يحالفه الصواب في قوله بابتعاد الجماهير عن الانتخابات العمالية والحزبية، لأن تلك الأحزاب لم تكن نابعة عن انتخابات،بل جاءت باختيار لقياداتها،وهي تشكل في بغداد كهرم مقلوب،فيكون تجمع للهيئة المؤسسة دون أن يكون لها قاعدة لها حق الاختيار.
*أما النقطة السابعة فلم تكن مدار نقاش ،ولكن بما أن الدكتور الكريم فتح الباب فعلينا رد الجواب ومناقشة آرائه،فالعلاقات سيدي الكريم بين الدول لا تبنى على أساس العقائد والأديان،بل على أساس المصالح المتبادلة،والعراق له علاقاته مع الهند التي تدين بمئات الأديان وتعبد البقر والشمس والنبات،والغرب لا يدين بالإسلام بل يدين بالمسيحية،لذلك فالمصالح هي الأساس لإرساء العلاقات بين الدول والشعوب،ولكن النظام البائد يرتبط ارتباطا صميميا بالعجلة الغربية لذلك أتخذ مواقفه الخارجية على هذا الأٍساس وجاهر بعدائه للاتحاد السوفيتي،ودخل طرفا في الصراع بين الشرق والغرب،في الوقت الذي وقفت الحكومات الوطنية المخلصة لشعوبها على الحياد،وأن الاتحاد السوفيتي سيدي الكريم لم يأت بقواته وأساطيله غازيا للعراق ،وإنما الغزاة هم الغرب الرأسمالي صاحب الأطماع التاريخية،والمصالح الإستراتيجية في المنطقة،ولعل مواقف السوفيت من القضايا العربية فيها الكثير مما يستحق الحمد والثناء ،ولكن العروبين في مختلف العصور لا يميلون إلا لمن يحاول إذلالهم واستعبادهم،ولسيدي الكريم استنطاق التاريخ ليجد من هم الأعداء الحقيقيين للشعوب العربية،ومن هي الدول التي استعبدتهم طيلة قرون،ولذلك أسباب كثيرة في نفسية الشعب العربي الذي يميل لمن يستعبده ويحاول إذلاله وهذا له بحثه المنفرد الذي ربما سنتناوله في القادم من الأيام.
*وهنا أود أن أناقش سيدي الكريم في مسألة الكفر والإلحاد فهذه(أسطوانة مشخوطة)ليس لمثل الدكتور الرقص على أنغامها،فالبعث المؤمن لم يتورع عن ضرب المراقد المقدسة ومنع الممارسات الدينية وقتل العلماء في الوقت الذي لم نرى صوتا مهما كان خافتا أشار إلى تكفيره لممارساته تلك،باستثناء الشيعة الذين وقعت عليهم جرائمه،في مسعاه الهادف لزرع بذور الفتنة الطائفية،والأحزاب السلفية الوهابية الأصولية كانت وراء هدم العتبات المقدسة ودور العبادة وقتل المواطنين،وهو ما لم يقم به الشيوعيون عبر تاريخهم الذي أمتد لأكثر من سبعة عقود،وما تسويق مثل هذه الاتهامات في معرض النقاش العلمي إلا دليل على الإفلاس في أيجاد المثالب للخصوم،فقد عرف الحزب الشيوعي العراقي طيلة تأريخه المجيد بالوطنية والنزاهة والإخلاص،ولم يعمد قادته أو أفراده إلى نهب المال العام أو إساءة استخدام السلطة كما هو الحال في من تولوا زمام الأمور في العراق،وما يجري في عراق اليوم دليل واضح على نزاهة الشيوعيين وإخلاصهم ومواقفهم الوطنية البعيدة عن المصالح الشخصية والفئوية والحزبية الضيقة،تجلى ذلك في مواقفهم الوطنية مما يجري في العراق،وهو ما شهد به أشد الأعداء بغضا لهم،ولعل سيدي الكريم يجهل أن الحزب الشيوعي تنازل عن مقعد من حصته في المجلس الوطني الذي جاء في أعقاب مجلس الحكم إلى راعي الملكية الدستورية في العراق،وله الاستفسار من القادة السياسيين عن هذا الموقف ليلمس حقيقة الشيوعيين العراقيين وما هي مواقف الحزب الوطنية الشريفة،أما العداء والحقد الأعمى المترسخ في النفوس فهذا شيء آخر ليس لي مناقشته،وأنئ بالدكتور الفاضل أن ينحدر إليه لما أعرفه عنه من موضوعية واستقلالية تجعله بمنأى عن الاتهام.
* جعل الكثير من أنصار الملكية ثورة تموز السبب في الجرائم التي أرتكبها صدام وزمرته، ناسين أو متناسين البون الشاسع بين حكم البعث الإرهابي الدكتاتوري ،والحكم القاسمي،وهذه الاتهامات تجري لأسباب طائفية يعرفها القريب والبعيد ولكنها غلفت بأطر سياسية لذر الرماد في العيون،وقد يندفع البعض عن جهل للتطبيل لمثل هذه الأمور،دون أن يقدموا دليلا واحدا على ما يقولون،وإنما كلمات تقال في معرض النقاش لم يزكيها الواقع ومجها التاريخ، وهم بذلك يعبرون عن وجهة نظر في كتابة التاريخ لا تبتعد في مضامينها عن الانحياز السافر للجانب العروبي الذي أثبتت الأيام أنه بعيد عن الواقعية ومصلحة الأكثرية،واحتقار للطبقات الشعبية على حساب رفع شأن الطبقة الأرستقراطية التي أثبتت ألأيام أنها بعيدة عن تحقيق أماني الشعوب وأنها السرطان الذي ينخر المجتمعات وينحدر بها إلى مهاوى الفقر والعوز والحرمان.
* أما أن العهد الملكي لم يتخذ مواقف كفيلة بإيقاف المد الشيوعي في العراق،فهذا رأي يحتاج إلى التوثيق،ولا ينم عن علمية في الطرح،ودليل على الانحياز السافر لأعداء اليسار،فالحزب الشيوعي العراقي ،واليساريين والديمقراطيين بشكل عام ملئوا السجون والمعتقلات العراقية،ومورس معهم التعذيب البشع،والقمع الوحشي،ووجهت لهم الاتهامات الباطلة،فكانت أبواق العهد الملكي وأتباعه من أصحاب رؤوس الأموال والإقطاعيين وأشباه رجال الدين،يقفون إلى جانب الحكم الملكي بالضد من الشيوعيين،واتهموا الحركة الشيوعية بالصهيونية،رغم أنهم من عملائها المعروفين بمواقفهم الساعية لبناء دولتها إسرائيل،ولولا ألإطالة لأوردت لسيدي الكثير،ولكن له أن يستنطق السجون والمعتقلات الخاصة بالمعارضين للعهد المباد،وما مارسه بهجت العطية والمجرم عبد الجبار أيوب وغيرهم من زبانية الشرطة السعيدية من مجازر بحق الشيوعيين والديمقراطيين ،ولكن الأستاذ ينظر للأمور بعين واحدة تبعا لتوجهاته التي أحترمها كل الاحترام ،في الارتباط الفكري بالنظام الملكي لأسباب اجتماعية وطبقية ودينية.
*ولكن عندما يقول أن الغوغائيين وراء قتل الأسرة المالكة،أليس هؤلاء من الضباط الذين أختارهم النظام ليكونوا قادته العسكريين،وإذا كان ضباط الجيش غوغائيين وهم الخيرة التي يختارها النظام،فهذا يعني أن النظام بأكمله مجموعة من الغوغائيين،فالذي قام بإطلاق النار على الأسرة المالكة هو النقيب العبوسي،والضابط العراقي في العهد الملكي ليس غوغائيا لأن اختياره يجري على أسس خاصة يعتمد فيها انحداره الاجتماعي والطائفي ،وميوله السياسية أما الغوغاء فهم الشعب بعماله وفلاحيه وطبقاته الفقيرة الذين لا يشكلون شيئا في الميزان البشري للطبقات الغنية المترفة التي جعلها الله من طينة خاصة فوق منزلة البشر كما يحاول أن يصور ذلك منظري الرأسمالية ،ومن يدور في فلكهم من كتاب وباحثين.
*ولا أريد أن أناقش الكثير مما جاء في شهادته الموضوعية كما يقول، ولكن أود التأكيد على النقاط التالية،ولسيدي الكريم أثبات نقيضها:
1- أن من قام بسحلهم الشعب ولا يزال الكثيرون يلهجون بذلك هو شخص نوري السعيد وأبنه صباح،الذين يعتبرهم الشعب العراقي وراء ما أحاقت به من نكبات وبسبب ارتباطهم الوثيق بالاستعمار البريطاني،باعتبار السعيد رجل بريطانيا الأول في العراق والمنطقة،وهذا ما لا يستطيع الدكتور أو غيره تبرئته منه ولو تصافق معهم الأنس والجن أجمعين.
2-قامت حكومة الثورة بتعليق جثة الوصي عبد الإله في بوابة وزارة الدفاع اقتداء بما فعله مع العقيد صلاح الدين الصباغ ،والصباغ ليس شيوعيا حتى ينبري من هب ودب لاتهام الحزب الشيوعي بذلك،وقد قام نظام البعث بشنق الآلاف في الساحات العامة والطرقات دون أن نجد اعتراضا من أحد الغيارى الذين يتباكون على ما جرى للوصي عبد الإله الذي خان البلد الذي آواه وجعله من أبناءه بعد أن تشردت عائلته وطردت من الحجاز،بل أن الكثيرين يطالبون بإعفاء قادة البعث عن جرائمهم الكثيرة بحق الإنسانية تحت يافطة المصالحة الوطنية،على مبدأ عفا الله عما سلف،ولو كان قاسم دكتاتورا كما يصوره كتاب العرائض لأعدم جميع من شارك في اغتياله ولأستمع لقول شاعر العرب الأكبر ألجواهري:
فضيق الحبل وأشدد من خناقهم فربما كان في أرخائه ضرر
تصور الأمر معكوسا وخذ مثلا مما يجرونه لو أنهم نصروا
والله لاقتيد زيد باسم زائدة ولاصطلى عامر والمبتغى عمر
ولكن شاءت أرادة الله أن يبتلي العراق بهؤلاء،ليرتكبوا المجازر بحق العراقيين،وربما يعيد التاريخ نفسه ولو بعد حين ليعود البعث بقطاره الجديد،ويعيد مسلسل القتل والدمار.
3 -أن ما جرى للعائلة المالكة كان بسبب المقاومة الشديدة التي أبداها حراس القصر الملكي،وقتلهم لبعض المهاجمين،ولا أعتقد سيدي الكريم يجهل أن العراقي عندما يقتل صديقه أو زميله أو أقاربه أمامه ينتقم من قاتله،وهذه عادات العشائر العربية منذ الجاهلية وحتى اليوم،فهم ينتقمون من القاتل وعائلته ويحرقون داره وينهبون ممتلكاته،لذلك كان الأمر رد فعل لفعل قام به حراس القصر،وهذه هي العقلية العسكرية العراقية التي لا زالت باقية حتى اليوم.ولم يكن في نية قادة الثورة تصفية العائلة المالكة،بل كانت خططهم إعدام الوصي ونوري السعيد أو أحالتهم إلى المحاكم لجرائمهم الكبيرة بحق العراقيين،وخوفا من لجوءهم إلى بريطانيا كما حدث في حركة مايس 1941 عندما طلب الوصي ونوري حماية القوات البريطانية،مما أدى إلى قمع الحركة وإعدام قادتها،والعراق يرتبط بمعاهدة للدفاع المشترك مع الأردن ،في الوقت الذي كان الأردن يهيأ قواته للزحف على بغداد واحتلال العراق وإسقاط الجمهورية الوليدة،بالتنسيق مع الأساطيل الغربية،ولكن المواقف الدولية حالت دون ذلك.
5-أن الدكتور صالح البصام أخفى المجرم الأول المطلوب من حكومة الثورة في داره ونقله إلى دار شقيقه،وبذلك يعتبر مشاركا في جرم يستحق عليه أشد العقاب،لذلك كانت عقوبته دون المأمول،ولا تتناسب وحجم الجريمة المرتكبة ،وقد عرف عن الدكتور البصام ارتباطه الوثيق بالسفارة البريطانية وكانت داره تستغل لاستقبال الوفود القادمة إلى العراق مما عمق ارتباطاته بالسلطة والحكومة السعودية وبعض المسئولين العرب،وبذلك ليس الدكتور بعيدا عن السياسة أو حمل وديع أخذ على غفلة من أمره،والذي يعمل في السياسة عليه تحمل نتائجها مهما كانت تلك النتائج،وفي العراق مئات الدكاترة الذين لم يطالهم عقاب لأنهم لا يرتبطون بحكم رفضه الشعب،وهو من أصدقاء الانكليز كما جاء في مذكراته وله ارتباطاته بالسفير البريطاني،ولا أعتقد أن السفارة بحاجة إلى كفاءة الدكتور الطبية وخبراته حتى تستعين به،ويفضي إليه سفيرها بأدق الأسرار التي لا تعلمها الحكومة المرتبطة أساسا بالسفارة،لذلك فهو ليس شخص عادي أو بعيد عما يجري في البلد من أحداث.
6- كانت مواقف نوري سعيد الخارجية تتسم بالعداء لكل ما هو وطني،إضافة لمواقفه الداخلية المرتبطة بالمصالح الأجنبية،لذلك كان له أثره في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956،ومواقفه المعروفة من تغيير نظام الحكم في سوريا،والتآمر مع بعض الضباط هناك لتنصيب عبد الإله ملكا لسوريا بعد أن انتهت فترة وصايته،وكان هو وراء المعاهدات الجائرة التي كبلت الشعب العراقي،لذلك فالذي يبرر أعماله كالذي يبرر عدم سجود إبليس لآدم،فقد كان وراء جميع الأحداث التي وقعت في العراق وقد أمسك بالسلطة بيد من حديد،ويتحمل مسئولية الجرائم المرتكبة آنذاك،فكان الداعم لرجال الإقطاع في استغلال ملايين الفلاحين،ومنحهم امتيازات تشكيل المحاكم العسكرية فكانت صلاحياتهم واسعة في سجن وقتل الفلاحين،وهذا ما لا يستطيع الدكتور إنكاره أو التغاضي عنه،وكما تسيطر العصابات المسلحة هذه الأيام على الأحياء والمدن العراقية،كان الإقطاعيين من أتباع نوري السعيد لا يختلفون بشيء عن هؤلاء في انفرادهم بإدارة السلطة داخل مقاطعاتهم وأماكن نفوذهم،وإذا كان سيدي الكريم لا يؤمن بحكم الشعوب المستند لرغبات الخالق العظيم في قوله جل من قائل(أني جاعل في الأرض خليفة) وخليفته الإنسان بمداه الواسع لا الملك أو الأمير أو الإقطاعي،وكان نوري السعيد كما تشير بعض التسريبات وراء تسميم الملك فيصل الأول بالتنسيق مع الحكومة البريطانية،وهو وراء قمع المظاهرات والانتفاضات،وقمع ثورة الحفيد والبرزاني الكبير في كردستان،وإعدام الضباط في حركة مايس،وقتل السجناء في السجون وإعدام قادة الأحزاب،ومواقفه المعروفة من القضية الفلسطينية والقضايا العربية وربط العراق بالأحلاف العسكرية الساعية لتقويض الحكومات التي لا ترتبط بالتاج البريطاني،وبالتالي فهو صنيعة بريطانيا وخادمها الأمين،ولا يمكن لأحد نزع هذه الصفة عنه ولو تعلق بأستار السماء،لذلك فهم يحرثون في أرض صخرية في محاولتهم تجميل صورته ،أما الأوصاف الدينية والتربوية والأخلاقية فالسعيد بعيد عنها فقد عرف بإدمانه على الخمر،وسعيه للهو والمجون،والليالي الملاح،والدكتور الكريم يدعوا أن يتولى البلاد المؤمنين المسلمين الذين يؤمنون بالدين،فهل في الدين الذي يريده الدكتور مثل هذه الموبقات،وأنت سيدي العزيز كن حكما عادلا وأنت الأستاذ القانوني الذي نتعلم منه العدل والأنصاف،ولا تدع عواطفك وميولك الذاتية تؤثر في أحكامك،ودع العواطف لنا نحن الذين لم ندرس القانون أو نفهمه كما يفهمه من هو بعلمك ونبوغك وتضلعك بالقوانين.
وختاما أرجو من سيدي الكريم أن يحمل أقوالي على (71)محملا كما يقول الحديث الشريف،فانا لست جمهوريا أو ملكيا،ولكني أريد كما تريد أنت حكما وطنيا مخلصا للعراق ،وليكن حاكمه مسلما أو مسيحيا أو صابئيا أو ايزيديا،عربيا أو كرديا أو تركمانيا،يشترط أن تتوفر به العدالة والنزاهة ،وهذا هو أمل جميع المخلصين، وقد قال الفقهاء الإسلاميين”كافر عادل خير من مسلم جائر” لذلك فليس كل من أدعى الدين متدينا أو مارس العبادات عابدا،وتاريخ خلفاء الإسلام في عصوره المختلفة،باستثناء عصر الراشدين حافل بالكثير من الأمثلة على أن الخلافة الإسلامية كانت ملكا عضوضا لم تأخذ من الإسلام إلا رسمه،ومن الدين إلا أسمه، ولعل الدكتور في خاتمة مقاله يتفق معي في كل الآراء،ولكن دفاعه المجيد عن الملكية وتبريره لأخطائها،جعله يتسبب الأسباب .ويفرض الفروض لتجميل صورتها التي لا تستطيع مساحيق الدنيا أن تعيد لها رونقها الذي أزالته الأيام.