الرئيسية » بيستون » البرلمان الكوردي الفيلي: الواقع والتمنيات

البرلمان الكوردي الفيلي: الواقع والتمنيات

يوم الأحد المصادف العاشر من شباط 2008 وعلى البالتوك في غرفة البرلمان العراقي وبعد اجتماع قارب الثماني ساعات وبحضور كثيف بحوالي مئة وخمسين مشتركاً انبثق عن مؤتمر صرخة المظلومين (الكورد الفيليين) تجمع سمي (البرلمان الكوردي الفيلي العراقي) وبموافقة الأغلبية المتطوعة للعمل في هذا التجمع والتي قاربت 62 متطوعاً . وبعد مناقشات ومداولات وطرح اسماء عديدة.

انطلقت صرخة المظلومين الكورد الفيليين قبل اكثر من شهر عبر موقع صوت العراق على الانترنيت وعبر غرفة البرلمان العراقي على البالتوك. وقد حظيت هذه الصرخة باهتمام وسائل الاعلام العراقية والعربية والكتاب والاعلاميين العراقيين حيث انتبهوا اليها والى مأساة الفيليين بحيث أن قناة الفيحاء خصصت برنامجاً كاملاً لهم ولقضيتهم وكذلك الاعلامي والشاعر بهجت عباس على قناةالعراقية، اضافة الى مجموعة مقالات في هذا الصدد لكل من الكتاب جاسم المطير، عبد المنعم الأعسم، احسان الخياط، عباس النوري، حسن حاتم المذكور، وغيرهم. وكل ذلك لما صاحب الصرخة من اثارة واسعة لقضية الكورد الفيليين في العراق الذين عانوا في ظل النظام الدكتاتوري السابق الساقط من الظلم والاضطهاد وطمس للحقوق والتهجير ومصادرة الاموال والممتلكات ووثائقهم العراقية. والذين لم تعد لهم حقوقهم المسلوبة بعد السقوط، حيث لا يزالون يعانون من نفس القوانين والممارسات القديمة الجائرة في معاملاتهم ومراجعاتهم لدوائر الدولة العراقية، واعتبارهم تبعية ايرانية مع أن الغالبية من الحاكمين الجدد قد اضطهدوا وهجروا الى ايران وبنفس تهمة الكرد الفيليين. فمن باب أولى أن يتفهموا وضع وقضية الفيليين فيساهموا بفعالية في حلها وارجاع حقوقهم كاملة وفي الصدارة منها حق المواطنة العراقية الكاملة.

لقد اتفق المشاركون كما أسلفنا في الاجتماع المذكور على تسمية تجمعهم بـ(البرلمان الكوردي الفيلي العراقي) على أمل أن يدخل تحت مظلته كل التنظيمات الفيليية من أحزاب وجمعيات وأفراد مستقلين لتتكون قوة فيليية كبيرة قوية فاعلة على الساحة السياسية من أجل استرداد الحقوق واسترجاع الأموال المنقولة وغير المنقولة المغتصبة من أيام النظام السابق.

لقد كان دافع القائمين على حملة صرخة المظلومين هو كل ما ذكرنا من حقوق ومطالب ناضل ويناضل الكورد الفيليون العراقيون من أجل تحقيقها دستورياً وقانونياً وواقعياً على الأرض. يحدوهم أمل كبير يعيش في صدورهم منذ زمن طويل لم يستسلم يوماً لأية عاصفة أو عقبات أو مصاعب, ولن يستسلم.

إن أساس تشكيل هذا التجمع هو لغرض محدد مر ذكره. كما أن من أمنيات القائمين عليه هو تجميع الفيليين على بساط واحد مع الحفاظ على الألوان المختلفة لكل حركة ولكل فرد دون أن تتصادم الأفكار أو التجمعات ولا تتحارب من أجل نيل مكاسب على حساب الأطراف الأخرى، أو اسقاطها، أو ازاحتها عن الساحة. فالساحة تسع الجميع وبنفس الأهداف المشتركة الواحدة التي يصبو اليها الجميع من أجل صالح الفيليين ومستقبل أبنائهم وشريحتهم التي ظلمت ولا تزال دون أن يلتفت اليها أحد من ذوي القربى القومية او المذهبية.

إن من أهم عناصر نجاح مثل هذا التجمع المرجو والمصبو الى تحقيقه هي القناعة والعزيمة والتجرد عن المصلحية الذاتية المقيتة والايمان بالعمل على أن يعيش الكورد الفيليون المقيمون في وطنهم العراق في أمن وأمان واطمئنان على مستقبلهم ومستقبل أبائهم حتى لا يحصل لهم ثانية ما وقع عليهم في الانظمة السابقة من ظلم وجور واضطهاد. والوحدة الذاتية لمجتمع الفيليين بعيداً عن التحزب الضيق والمصالح الخاصة الأنانية الزائلة هي الكفيلة بتحقيق الأمنيات والوصول الى الأهداف. فلا أحد غيرهم حريص على مصالحم بقدر حرصهم هم عليها. والآخرون هم مساندون ومتضامنون ومساعدون على تحقيقها، إن كانت لديهم الارادة الصادقة والقناعة المطلوبة. ويبقى الفيليون وعلاقاتهم مع القوى والاحزاب على الساحة السياسية العراقية الطريق الموصل الى تحقيق ذلك. فالآخر يقترب منك بقدر اقترابك منه، ويبتعد ويعادي بقدر ابتعادك ومعاداتك.
وقد قال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بدُ

فالسياسة مصالح دائمة وليست مبادئ دائمة.

إن البرلمان المشكل لا يعني بالضروروة انه برلمان بالمفهوم القانوني الدستوري للدول، فهو تجمع يراد منه تحقيق أمر يعمل أصحابه عليه. كما هو محاولة لتجميع أكبر قدر من القوى الكردية الفيلية أحزاباً وجمعيات وأفراداً تحت مظلته، لأنه لو تشكل على أساس حزب أو جمعية لما أخذ منحى واسعاً شاملاً جامعاً مثل اسم (برلمان)، على اعتبار ان البرلمان بمفهومه الدولي يجمع تحت قبته أحزاباً وشخصيات مختلفة الاتجاهات والايديولوجيات، لكنها تعمل جميعاً من أجل الصالح العام لأبناء وطنها. وعليه فان البرلمان الكوردي الفيلي يحمل نفس المفهوم والتوجه من أجل شريحته المظلومة. ولا يحق لأحد مهما اختلف في رؤيته لهذا التجمع أن يوصمه بما ليس فيه، أو أن يحمله ما ليس عليه تحمله مثل برلمانات الدول. فهو تجمع ليس الا، يعمل من أجل تحقيق أهداف محددة مرسومة في البيان الختامي لمؤتمر صرخة المظلومين. وربما من أمنيات القائمين عليه ومن خططهم هو تجميع الفيليين في العراق من أجل الانتخابات العامة القادمة عسى أن يكون لهم ممثلون باسم كتلة خاصة هي كتلة الكورد الفيليين في مجلس النواب وبقدر نفوسهم يدافعون عنهم ويتحدثون باسمهم. وهذا ليس عيباً أو شيئاً مرفوضاً أو مستحيلاً، بل هو حق من حقوقهم الطبيعية مثل غيرهم من طوائف الشعب العراقي الأخرى.

أما وصف هذا البرلمان بـ(العراقي) فهو تحصيل حاصل، لأن الظلم الذي وقع وبالشكل المعروف والتهجير وقع على الكورد الفيليين في العراق وليس على غيرهم من الفيليين في ايران مثلاً. وبناءاً عليه فان المشكلة تخص العراق، فمن الطبيعي أن يشار الى أنه برلمان كوردي فيلي عراقي. اضافة الى تجنب اثارة حفيظة الدول الأخرى التي لم يتعرض فيها الفيليون الى ما تعرضوا له في العراق. فلو ترك الاسم عائما مثل (البرلمان الكوردي الفيلي) لكان يشمل كل الفيليين في انحاء العالم بغض النظر عن أوطانهم مع أنهم لا يعيشون نفس الظروف ونفس المعاناة ونفس الحقوق المهضومة للفيليين العراقيين. فمن الواقعية والسلامة القانونية والسياسية أن تضاف صفة (العراقي) الى التسمية لتخصيص القضية المعنية التي يعمل البرلمان المشكل عليها.

كما يجب أن لا يغيب عن بالنا الخيط الفاصل بين الواقع والتمنيات. فالواقع شيء والتمني شيء. فالتحرك على أرض واقعية تقتضي فهماً دقيقاً وحساباً واعياً لكل خطوة نخطوها مدروسة وفق الامكانيات والمتاح من وسائل والتحركات المحسوبة بدقة وحكمة واتزان، فلا تكفي الأقوال والتمنيات كبيرة كانت أم صغيرة وتجاوز ما هو موجود على الأرض، وما هو مطلوب فعله وتحركه.
كلنا نملك من التمنيات والاحلام الكثير لكن الواقع شيء آخر. إن ملاءمة التمنيات والأحلام ومواءمتها وانسجامها مع ما موجود فعلياً على الأرض والتحرك على أساسه، ثم جعلها تنسجم مع المعاش المتوفر من امكانيات التحقيق وقدرات العمل هما مفتاح النجاح في مسيرة القوى والتجمعات المختلفة وكذلك الأفراد.

وما نأمله من البرلمان الكوردي الفيلي العراقي (بكفع) هو صياغة الأمنيات والتحركات وفق ما يوفره الواقع المعاش، دون التنازل بالتأكيد عن الثوابت.


عبد الستار نورعلي
الجمعة 22 شباط 2008