الرئيسية » مقالات » مقدمة حكايات أبي زاهد

مقدمة حكايات أبي زاهد

كثيرا ما حاولت تقليد الراحل الكريم شمران الياسري(أبو گاطع) في صراحته المعروفة،التي كانت تنشر على الصفحة الأخيرة من جريدة طرق الشعب الزاهرة في السبعينيات،والتي كان إعجابي الشديد بها يدفعني لقراءة الجريدة من أخرها مبتدئا بعموده المعروف في الصفحة الأخيرة،وعندما أصدرها في كتيبات سارعت لاقتنائها،ومعاودة قراءتها في فترات متباعدات،فأراها كأنها كتبت اليوم،وكنت أتوسم في ولديه، ــ بعد أن قرأت لهماــ ما ينبيء بسيريهما على خطاه،ألا أنهما وقفا في أول الدرب،وانقطعا عن الكتابة.
وكان للأخ الكريم عريان السيد خلف(أبو خلدون)،محاولاته الجادة،للكتابة بذات الأسلوب،والتي نشرت بعنوان (طگ بطگ)ألا أنه توقف أيضا لأسباب لا أعلمها،وأمام ذلك،حاولت الكتابة على غرارها مرات ومرات وفشلت ،فكنت أكتب وأمزق ما أكتب لمعرفتي بعقم تقليدي،وعدم إمكانيتي مسامات الفقيد الراحل في نقداته ولمحاته الوقادة،وحاولت أن أستعير خلفا،وأكتب باسمه على غرار ما يكتب (أبو گاطع)،وكتبت مجموعة لا بأس بها،وأطلعت عليها بعض الأحبة ممن أجد فيهم الأهلية لإبداء الرأي والمشورة،فقالوا أن بعض الأفكار والطروحات الواردة فيها،لا تنسجم وسياسة الجريدة،التي اختطت لنفسها أن تكون بمنأى عن الصراعات الداخلية،التي تحدث بين الأطراف المختلفة،وأن تأخذ جانب الإصلاح،وترسيخ الوحدة الوطنية،وعدم الأنجرار وراء الخلافات الثانوية التي تؤثر على مسيرة العراق في بناء دولته الوطنية الديموقراطية،ومحاولة أعادة اللحمة للنسيج العراقي،بالتزام جانب التهدئة ،وعدم إيصال الأمور إلى طريق مسدود،مما يؤدي إلى زيادة الاحتقان الطائفي،وإثارة النعرات القومية،والأنجرار نحو الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر.لذلك أرسلت مجموعة مما كتبت،وأعطيت لرآسة تحرير الجريدة،تشذيب ما فيها من ألاندفاعات القلمية التي قد تصب في مجرى الصراع الدائر،وتهذيبها من لغة الشارع السياسي المحتقن بالكثير من الإرهاصات،ولغة الصحافة المنفلتة هذه الأيام،،بما ينسجم مع سياسة الجريدة والحزب،فكان أن عمدت الجريدة إلى تقطيع أوصالها،وتهذيب لهجتها،وتخفيف غلوائها،بما يرتئيه قلم الرقيب الأمين على مصالح الشعب العراقي،والذي ينأى بنفسه أن يكون معول هدم يشارك فيما يقوم به آخرون في تهديم ما يحاول بناءه أبناء العراق النجباء،وكان أن خرجت هذه الحكايات،في الصفحة الثالثة من الجريدة أسبوعيا،ولو فسح لي في المجال،لكان لاندفاعاتي اليسارية المتطرفة،غير ما يجده القاريء الكريم،من هدوء ولغة معتدلة ،وأفكار مقبولة،قد لا ترضي من هم أمثالي،من المندفعين وراء عواطفهم،التي تجيش بنبض الشارع العراقي المحتقن بإرهاصات مختلفة نتيجة الإخفاقات والتداعيات التي رافقت العملية السياسية،وعملية بناء العراق الجديد،وما طغى على السطح من تيارات هامشية،حاولت التسلق والاستفادة من تراكمات العهد البائد،في تمرير أيديولوجياتها الغريبة عن طبيعة المجتمع العراقي،بإثارة النعرات القومية والطائفية المقيتة،وتفتيت الوحدة الوطنية ،بإثارة الصراعات الجانبية البعيدة عن مصالح الشعب،لتحقيق مكاسبها الذاتية،على أنقاض الخراب النفسي والاجتماعي الذي أحاق بالبلاد،وجعلها فريسة سهلة لتمرير المخططات الخارجية،وتحويل الساحة العراقية إلى ساحة صراع بين القوى العالمية المختلفة،التي تحاول الهيمنة على مقدرات العراق الاقتصادية،وثرواته الطبيعية الهائلة،التي يسيل لها لعاب القوى الكبرى،في محاولاتها للهيمنة على العالم بسياسة العولمة التي تمثل الصورة الأكثر بشاعة للتطور الرأسمالي في هذا القرن.
ورأيت أن أقدم المامة بسيطة،عن جذور الصحافة الهزلية في العراق،التي اعتمدت على اللغة الشعبية في نقد الأوضاع،ونشر الوعي السياسي بين المواطنين عبر لمحات أنتقادية وقادة،بلغة سهلة يفهمها المواطن البسيط ،وكان لها أثرها في أذكاء الوعي ،وتهيئة الرأي العام للمساهمة في الاحتجاجات والأضرابات ومعارضة السلطات العميلة،و حفز الكثيرين للدخول في صراع مرير ،ومشاركة فاعلة في النشاط السياسي.
ولا أدعي الأحاطة بكل من كتب،ولكنها صورة من آلاف الصور التي ظهرت في العراق،ولعل من أشهر الصحفيين الذين عرفو بالكتابة الهزلية الساخرة،واستعملوا اللغة الشعبية في صحفهم،نوري ثابت،المشهور بأسم (حبزبوز) لإصداره صحيفة بهذا الاسم،صدر عددها الأول في 29/أيلول/1931 تناول فيها بالنقد الكثير من الممارسات والمظاهر الضارة المتفشية تلك الأيام،بأسلوب ساخر،وصور قلمية،كانت لبنات لفن الرسوم الكاريكاتورية في العراق،بأسلوب شعبي،يصل في بعض الأحيان حد الابتذال،والكلام الجارح،وأستوحى من المحيط الشعبي،شخصيات عرفت بالفكاهة لتكون موضوعا لكتاباته،تحت عناوين مختلفة مثل(الملا عبد الفوال)أو(شخصيات بارزة في بغداد)أو(رؤوف أفندي).ونشر معارضات لبدائع الشعر العربي،بلغة شبه عامية،هي مزيج منها ومن الفصحى،إلى نقدات اجتماعية جلبت له الكثير من المتاعب والمشاكل،وخاض غمار دعاوى كثيرة في المحاكم العراقية،بسبب الشكاوى التي قدمت ضده من أشخاص تعرض لهم في كتاباته الكثيرة،وعمدت الحكومة آنذاك ،لحرمان جريدته من الإعلانات الحكومية التي كانت الصحف الأخرى تستفاد منها في ديمومة صدورها،كما هو الحال هذه الأيام باستحواذ صحف معلومة على الإعلانات الحكومية،وحرمان الصحف الوطنية منها،وتعرضت جريدته للإغلاق،لطبيعتها الهجومية،التي لاقت صدى الاستحسان والرضا في الأوساط الشعبية،وكان يوقع مقالاته بأسم(أ .حبزبوز)قيل أنها اختصار(أحمد)وهو أحد ظرفاء بغداد المشهورين،وأصحاب النكتة والسخرية المعروفين.وقد صدر من جريدته،أكثر من ثلاثمائة عددا،حافلة بالكثير من الصور الساخرة،التي كانت تعبير عن النفسية البغدادية الفكهة ،التي تسعى خلف النادرة الجميلة،والطرفة الساخرة، والنكتة اللاذعة،التي تصل حد الإقذاع والفحش.وكان للشاعر البغدادي الساخر(خلف شوقي) مقالاته الساخرة،التي كان ينشرها في هذه الجريدة بعنوان(خواطر هندي)كتبها بلهجة بغدادية،ممزوجة بلكنة أجنبية،مما يجري على لسان جنود الاحتلال من الهند والسيخ،كان لها صداها المؤثر في تلك الأيام.
والى جانب نوري ثابت،أشتهر الشاعر المعروف الملا عبود الكرخي،صاحب المجرشة الخالدة،التي لا زال لها صداها المؤثر في الساحة الشعرية،وقد أصدر صحف عديدة،كان لها موقعها اللامع في الصحافة الشعبية العراقية،وكان صوتا اجتماعيا ثائرا،ضد التخلف والرجعية والجمود،وشاعرا وطنيا ذا قلم حر،وضمير يقظ،خاض معمعان المعارك القلمية الطاحنة،ضد الحكومات المتعاقبة،وطالب بحرية الصحافة،والتنديد بكل من يحاول تكبيل حرية الصحفيين في التعبير عن أرائهم ،وقد أصدر صحف عدة منها(الكرخ)عام 1927 وعند إغلاقها،أصدر(صدى الكرخ)عام1928 ،تلتها صدى التعاون والمزمار و(الكرخي) التي صدرت عام1932،ثم أصدر صحيفة (الملا)عام1933 ،ونشر الكثير من شعره في الصحف العراقية،كما يشير ديوانه،مثل ،الاستقلال،والبلاد،والمفيد،والحقائق المصورة،وغيرها من صحف تلك الفترة،وقد تعرض للاعتقال والمحاكمة،وتعرضت صحفه للإغلاق والتعطيل والمصادرة،ألا أنه ظل على ماهو عليه،صلبا عنيدا ،ومناضلا جريئا،لم تردعه المحاكمات ولم تخيفه التهديدات،ومن الطرائف التي تروى عنه،أنه كان ينشد قصائده من دار الإذاعة العراقية،يوم كانت تذيع على الهواء مباشرة،فكان يقدم نصوص القصائد إلى الرقابة قبل قراءتها،ألا أنه يحذف منها ما يشم منه رائحة التنديد أو التهجم على الحكومة،وأثناء القراءة يقرأ تلك النصوص المجتزئة بسبب الرقابة،فيضطر المسؤولون إلى سحبه من وراء الميكرفون،فيصيح الملا بصوته الجهوري(يا جماعه…تره جروني).
وقد صدرت صحف ومجلات كثيرة في أوقات مختلفة،اعتمدت لغة الشعب في تحبير مقالاتها،منها الفكاهة والمتفرج والبلد وغيرها مما يمكن الرجوع إليه في الكتب المعنية بتاريخ الصحافة العراقية ،وهي كثيرة أشهرها ما كتبه المرحوم روفائيل بطي،ونجله الأستاذ الفاضل فائق بطي،الذين بذلا جهدا كبيرا في توثيق وفهرسة الصحافة العراقية،عبر تاريخها المديد.
وكان للصحفي والمناضل الكبير الأستاذ عبد الجبار وهبي(أبو سعيد)مدير معهد الفنون الجميلة في العهد الجمهوري الزاهر،كتاباته الساخرة،ذات الأسلوب السلس،التي نشرها في جريدة اتحاد الشعب،بعد ثورة الربع عشر من تموز المجيدة،وكانت نقدات بارعة لأوضاع العراق الاجتماعية والسياسية، مثار أعجاب القراء واستحسانهم،وكان لها صداها المؤثر في الأوساط العربية،وأصبحت حديث الشارع العراقي في تلك الفترة بما تناولت من مواضيع عالجت هموم المواطنين،وعبرت عن معاناتهم،بأسلوب ولغة مباشرة بعيدة عن الحذلقة والتعقيد اللفظي،قرأت ما تيسر لي منها،فكانت بحق صادقة في طروحاتها،بسيطة في لغتها،معبرة عن الكثير من الآمال والأماني والتطلعات التي تحتجن في ضمير المواطن،مما جعل لها الصدى الرائع،والإقبال المنقطع النظير،لدى الأوساط العراقية،بمختلف مستوياتهم الفكرية والثقافية،أذكر منها(كبة موصلية وكلام خفيف)و(الشحشطوا ما شحشطونه)وبخسانه..لا موبخسانه)وغيرها من العناوين المثيرة التي يختارها لعموده اليومي في اتحاد الشعب.
أن ما ذكرته أعلاه لمحة موجزة عن الصحافة العراقية الساخرة،التي استعانت بلغة الشعب في طرح الهموم والمشاكل الجماهيرية،بأسلوب ميسر،يقرب الواقع للقاريء البسيط،ويدفعه للتفاعل مع الأحداث،وما يدور في الساحة،على عكس الصحافة السائدة،بلغتها المعقدة،التي لا يتفاعل معها القاريء لجفافها وبعدها عن مداركه الثقافية،وقد أسهمت هذه الصحف،وهؤلاء الكتاب في نشر الثقافة في أوساط واسعة كانت بعيدة عنها،وقد يعيب علينا البعض كتابتنا بلغة الشعب،بحجة الحفاظ على سلامة اللغة العربية،في الوقت الذي نرى أن هذا الأسلوب،ليس لمحاربة اللغة كما يتصور البعض،بل هو محاولة لإيصال الفكرة بلغة سلسة يفهمها الكثيرون،وببلاغة شعبية توضح الغامض من الصور،وتصل إلى أذهانهم، بعكس اللغة الفصحى،التي يجد الكثيرون أنفسهم غير قادرين على فهمها والوصول إلى معانيها،بسبب التعقيد اللفظي وما يرافقها من حذلقات لبعض الكتاب،إضافة لاختلاف طرائق التعبير،بما يختلف عن المألوف لدى المواطن البسيط والعامية وجدت رديفا للفصحى،وهي لغة الحياة اليومية التي لا غنى عنها في حياتنا العامة، لذلك فأن النزول لمستوى الشعب ،أجدى من التعالي عليه،وتركه هائما في فضاآت بعيدة عنه،مما يؤدي إلى حدوث شرخ واسع بين الطبقات المثقفة،والطبقات الشعبية،ولو عدنا إلى الواقع لرأينا أن الأوساط المتعلمة تأنس للشعر الشعبي وتتفاعل معه،بعكس الشعر الفصيح الذي لا يستطيع مجارات الشعر الشعبي في المهرجانات والاحتفالات،مما يدفع الكثير من شعراء الفصحى إلى العزوف عن المشاركة في المهرجانات والاحتفالات التي تجمع شعراء الشعبي والفصيح،لا استكبارا أو استهجانا منهم،وإنما لمعرفتهم مدى التفاعل الوجداني للمتلقي مع الشعر الشعبي،وما تقابل به قصائدهم من السآمة والملل وعدم القبول،لعدم استطاعتها التغلغل في نفوس الحاضرين،والتفاعل مع مشاعرهم،وأقولها أن كتابتي الجزء الأخير من الحكاية بالعامية،هو أصعب بكثير من كتابتي للجزء المكتوب بالفصحى،لأن الفصحى أكثر مطواعية،وأستطيع التعبير من خلالها بالصورة التي أريد،بعكس العامية،التي تحتاج إلى صياغة خاصة في الكتابة،تختلف عن الكلام اليومي العادي،واستحضار المثل الدال والقصة المعبرة،واللغة الشعبية ليست جديدة،ومن مخترعات أيامنا هذه ،بل وجدت مع العربية منذ تكون المجتمعات العربية،وكان لكل قبيلة لهجتها،ولكل بلد لغته،وبعد نزول القرآن بلغة قريش،أصبحت الفصحى لغة الشعر والأدب،وظلت العامية رديفا للفصحى إلى أيامنا هذه،أما ما رافقها من كلمات أجنبية،فهو بفعل الاختلاط مع الشعوب الأخرى، ولم تكن العامية بدعا فيه،فالكثير من الكلمات الأعجمية دخلت الفصحى،وحتى لغة القرآن لم تسلم منها،وهناك الكثير من الكتب التي عنيت بدراسة الدخيل والمعرب في العربية،ولابد من الإشارة إلى أن الكثير من الكلام الشعبي،هو من الفصيح الذي تناساه كتاب الفصحى أو أهملوه،وقد قمت بدراسة هذا الموضوع فوجدت آلاف الكلمات الفصيحة تناساها المثقفون وحفظها العامة إضافة لما رافق بعض الكلمات الأخرى من قلب وإبدال،وهي في أصلها من الفصيح المتداول .
آمل أن يكون لحكاياتي هذه ،مكانها المناسب بين من كتب بهذه الطريقة،وأن أكون عند حسن ظن القاريء الكريم،بأني قدمت شيئا قد ينتفع به القراء.