الرئيسية » مقالات » الجبهة الديمقراطية : 39 عاما من العطاء

الجبهة الديمقراطية : 39 عاما من العطاء

تحتفل جماهير شعبنا في الوطن والشتات اليوم بالذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الثاني والعشرين من شباط / فبراير عام 1969، هذه الانطلاقة المباركة التي دشنت فجرا جديدا في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني المعاصر، وكرست جملة من المفاهيم النضالية الوحدوية والديمقراطية، وتصدت لكثير من المفاهيم الطوباوية، وأعادت الثورة الى واقعيتها الثورية، ما كان له كبير الأثر في دفع القضية الفلسطينية الى واجهة الثورات التحريرية المعاصرة، وجعلتها تكتسب في غضون سنوات قليلة تعاطف الجماهير العربية والأممية، وجعل الجبهة ذاتها تقف في مقدمة فصائل العمل الوطني التي تقود نضال الشعب الفلسطيني من أجل استرجاع كافة حقوقه المغتصبة، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة، بعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها.
فعلى الصعيد الوطني آمنت الجبهة إيمانا راسخا بالوحدة الوطنية كمنطلق لتحرير الأرض عبر تعبئة كافة الطاقات الوطنية الديمقراطية وذلك لإدراكها العميق بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى من دون توحيد وسائل النضال وتحقيق برنامج سياسي وطني واضح تلتف حوله كافة قوى العمل الوطني وفي هذا السبيل انخرطت الجبهة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية كافة وكانت دوما عامل رفع لها والمدافع الأول عنها في كافة مؤسساتها،محطات ومنعطفات النضال الوطني وكانت عامل الجذب والتوحيد لكافة الفرقاء السياسيين، مهما اشتدت الخصومات، ومهما كانت وتعددت مسببات الخلاف، فقد كان الإيمان المطلق للجبهة الديمقراطية بقانون الوحدة والصراع والتعددية السياسية والنضالية للشعب الفلسطيني يقف فوق أي اعتبار للمصلحة الخاصة للجبهة، فلم تسجل الجبهة في يوم من الأيام خروجا عن الإطار الإئتلافي العريض ومؤسساته بل كانت من أشد المدافعين عنه والداعين لتوسيعه ودمقرطته وعملت في أكثر من مناسبة على إعادة توحيده بالجهد المضني المتواصل كي تبقيه رافعة وحاضنة للنضال الوطني والنأي به عن أي تداخلات أو تدخلات إقليمية تسعى الى احتوائه وشل قدراته، فكانت المدافع الدائم عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل. وفي الإطار ذاته كانت الجبهة الديمقراطية هي أول من طرح إقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره من براثن الاحتلال، وهي أول من دعا لإعادة الاعتبار للبرنامج النضالي الوطني وذلك من خلال صياغة البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير على أساس المزاوجة بين الإستراتيجية والتكتيك وفي هذا طرحت ما كان يعرف بالنقاط العشر التي كانت الأساس للبرنامج المرحلي الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 خلال دورة المجلس الوطني التي عقدت بالقاهرة في ذات العام، هذا البرنامج الذي كان المدماك الأساس في التحام وتوحد الشعب الفلسطيني خلف قيادته الوطنية وكسب تعاطف دول العالم مع النضال الوطني الفلسطيني وجعل الدول العربية تسارع للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ما كان له كبير الأثر في تحويل القضية الفلسطينية من قضية لاجئين الى قضية تحرر وطني، باعتراف الأمم المتحدة ذاتها وذلك عبر قبول فلسطين عضوا مراقبا في معظم مؤسسات المؤسسة الأممية، ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا أن هذا البرنامج المرحلي الذي كان للجبهة الديمقراطية شرف طرحه للمرة الأولى هو ما جعل المنظمة الدولية تبادر الى دعوة الرئيس القائد الشهيد ياسر عرفات لإلقاء كلمته الشهرية في الأمم المتحدة، هذا الانفتاح السياسي الواسع للجبهة في برنامجها لم يكن يعني في أي لحظة من اللحظات التخلي عن الحقوق الوطنية الأساسية لشعبنا والتي باتت تعرف الآن بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف على كافة الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم التي شردوا منها عام 1948 على أساس قرارات الأمم المتحدة 181 – 194، ولهذا زاوجت الجبهة بين كافة أشكال النضال الوطني <السياسي والجماهيري والمسلح< فبادرت الى تعزيز أشكال النضال الجماهيري ورد الاعتبار لها وذلك من خلال دعوتها الدائمة لجماهير شعبنا وأعضائها للانخراط في نقاباتهم المهنية وتعزيز دورها الأمر الذي كان له الأثر الكبير خلال الانتفاضة الأولى التي من خلال إنخراط الجماهير الفلسطينية في العمل المقاوم ومقارعة الاحتلال بأشكال جديده وإبتكارات لم يعهدها النضال الفلسطيني من قبل فالجبهة هي أول من بادر لتشكيل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة وأذرعها الميدانية الجماهيرية والإعلامية والعسكرية ولعل الجبهة أيضا هي أول من مبادر الى تبني العمليات العسكرية النوعية ضد الاحتلال في مطلع السبعينيات وذلك من خلال لتبنهيا للعمليات النوعية في ترشيحا وكفار شوبا وتشهد بذلك أيضا عملية خان يونس التي فتحا جديدا خلال انتفاضة الأقصى المباركة حيث لقنت جنود الاحتلال درسا قاسيا في التكتيك العسكري… ولم تقتصر إسهامات الجبهة في المجال الوطني في الدعوة الى ترسيخ الوحدة الوطنية وترشيد أشكال النضال بما يتناسب مع كل مرحلة من المراحل بل ساهمت في طرح المبادرات السياسية لتصويب النضال الوطني وكانت الجبهة سباقة دائما للملمة الشمل الوطني والتصدي الدائم لكافة اتجاهات الانعزال والاستفراد والتصدي للمفاهيم والمشاريع الطوباوية والتصفوية لاتجاهات تقاسم السلطة التي برزت بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير 2005 حيث اعتبرتها وصفة طبيعية للحرب الأهلية، وهو ما كان بالفعل فسارعت بعد الحسم العسكري الأخير لحركة حماس في قطاع غزة لطرح المبادرة تلو المبادرة لإعادة اللحمة الوطنية بين شطري الوطن، وجهودها في هذا السبيل لازالت متواصلة حتى الآن.
وكانت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ممثلة بأمينها العام الرفيق نايف حواتمة ورفاقه السباقة دائما للنقد الذاتي خلال مؤتمراتها المتواترة وكرست النقد مبدأ أساسيا في سلوكها ونهجها ليس في الإطار التنظيمي الجبهوي فحسب وإنما في إطار العمل الوطني.
وفي المجال العربي ـ أدركت الجبهة مبكرا أن كافة المشاريع الوحدوية القومية لا يمكن أن تستقيم وتستمر وتأتي أوكلها إلا إذا استندت الى إطار الشعب المتين فدعت في الى تبني مقاهيم جديده تعتمد على الإطار الواسع للجماهير العربية من خلال توحيد نقاباتها ومؤسساتها الفاعلة وتوحيد برامج التعليم والتكامل الاقتصادي بين الشعوب العربية كأساس للوحدة العربية ولم تغفل الجبهة يوما دور الشعوب العربية في مساندة النضال الوطني ودعت في أكثر من مناسبة الى توحيد نضال الشعوب العربية ضد الاحتلال وحتى تكون حاضنة للثورة الفلسطينية ورافداً لها.
وعلى الصعيد الأممي أدركت الجبهة أهمية العمق العالمي للنضال وضرورة كسب الرأي العام العالمي لمناصرة القضية الفلسطينية فأقامت شبكة من العلاقات الدولية مع الأحزاب والمنظمات التقدمية في العالم ومع كل حركات التحرر الوطني العالمية لإدراكها العميق بأهمية نضال الشعوب المضطهدة في وجه الظلم والاستكبار العالمي وجدلية وتكامل النضال الوطني والقومي والعالمي.
أننا وفي الذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاقة الجبهة ندعو الرفاق في الجبهة الى تعزيز دورهم الوطني لمقارعة الاحتلال وصولا لتحقيق أهدافنا الوطنية كما ندعوهم الى تعزيز دورهم المتفاني في إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية من خلال بذل الجهد الدائم للملمة الشمل الوطني من خلال الإبقاء على م.ت.ف رافعة وقائدة نضالنا الوطني والتحرري.