الرئيسية » مقالات » على هامش الانتخابات الباكستانية

على هامش الانتخابات الباكستانية

الباكستان في أوج الحملة الانتخابية للبرلمان الجديد النتائج التقريبة للانتخابات

ينظر العديد من المحللين السياسيين وبحق إلى نتائج الانتخابات البرلمانية الاخيرة في الباكستان على أنها زلزالاً سياسياً سيترك آثاره على الحياة السياسية اللاحقة في البلاد، إضافة على ما قد يتركه من آثار على عدد من البلدان المجاورة. وليس في هذا التقييم أية مبالغة، لأن هذه الانتخابات المثيرة تحولت إلى استفتاء حول الجنرال مشرّف الذي تسلط على دفة الحكم عبر انقلاب عسكري في عام 1999. كما إن أهمية هذه الانتخابات تتأتى من حقيقة كون باكستان قد تحولت خلال السنوات السابقة إلى قاعدة تأهيل للعنف والارهابيين وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم، يمكن أن تتحول بعد نتائج الانتخابات الأخيرة إلى مصدر استقرار وأمن وسلام في حالة قيام نظام ديمقراطي يعتمد القانون وحماية الحريات واعتماد العلاقات السلمية مع جاراتها والتعامل بحسم مع الارهاب على أنقاض ذلك البلد الذي دمرته سلسلة الانقلابات العسكرية وطغيان الميليشيات الدينية المسلحة و الأرهاب الدولي. إن نتائج هذه الانتخابات هي تعبير رفض الشارع الباكستاني لمشرّف ونهجه الذي لم يستطع توفير الأمن ولا الكهرباء ولا الحد من الارتفاع الفاحش في اسعار المواد الغذائية مما أدى الى المزيد من دائر الفقر المدقع في البلاد. كما إن هذه الانتخابات هي مؤشر على الانتقال من سياسة تعتمد على الفرد-الديكتاتور إلى سياسة تعتمد على إرادة الشعب كله.
ومن الملاحظ أيضاً أن هذه الانتخابات قد جرت في أجواء من الشفافية والنزاهة وباعتراف الجميع، خلافاً لكل الانتخابات السابقة. وجاء ذلك بالاساس نتيجة للضغط الشعبي الهائل ضد سلطة العسكر وانقلاباتهم المتكررة ضد الحكومات الشرعية، وتزييفهم المستمر للانتخابات. كما أن الضغط الدولي المطالب بإجراء انتخابات نزيهة، وخاصة من جانب الولايات المتحدة شكل عنصراً جديداً هاماً أثر إيجابياً في حصيلة هذه الانتخابات. فالولايات المتحدة لم تعد تلك القوة الدولية التي تساند بدون قيد أو شرط أية ديكتاتورية عسكرية في الباكستان ضمن معادلة الحرب الباردة التي تحّكمت في مواقف الادارات الامريكية المتعاقبة. فقد هددت الإدارة الأمريكية قبيل الانتخابات بأنها ستقطع كل مساعداتها العسكرية البالغة 10 مليار دولار إلى الباكستان في حالة أي تلاعب بالعملية الانتخابية أو تدخّل العسكر في العملية السياسية في البلاد، بما يعني حرمان العسكر من تسلطهم على دفة الأمور. كما إبتعدت أوساط إقليمية ودولية عن التدخل في الشأن الباكستاني عبر “منح ومكرمات” من دول الخليج تارة أو حتى مساعدات من الصين الشعبية التي كانت تسعى إلى الاستفادة من العداء المستحكم بين الهند والباكستان لمصلحة الضغط على الهند بسبب علاقاتها المتوترة معها. وهذا مؤشر على تغيير في الاصطفافات الدولية والإقليمية المؤثرة في الشأن الباكستاني الداخلي.
شارك في الانتخابات 42% ممن يحق لهم التصويت، وعددهم 80 مليون ناخب. وهذه المشاركة تقارب نسبة مشاركة الناخبين في انتخابات عام 2002. وكان من الممكن أن تزيد نسبة المشاركين لولا طغيان الارهاب والعنف منذ الشروع بالحملة الانتخابية، والتي رافقها المفخخات التي قام بها ارهابيو القاعدة والتي أودت بحياة بينظير بهوتو. وتدل نتائج الانتخابات على أن كل من حزب الشعب الباكستاني الذي يرأسه ورثة المغدورة بينظير بهوتو، وحزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف قد حصدا أغلبية المقاعد في الجمعية الوطنية الباكستانية؛ أي 88 مقعد لحزب الشعب و65 لحزب الرابطة الإسلامية، من أصل مجموع مقاعد الجمعية الوطنية البالغة 272 مقعداً. وبذلك يمكن لهذين الحزبين أن يشكلا وزارة ائتلافية في حالة توافقهما على برنامج مشترك. وفي المقابل مُني حزب الجنرال مشرّف بهزيمة واضحة حيث لم يحصل إلا على 38 مقعداً بالمقارنة مع 118 مقعداً حصل عليه الحزب في الانتخابات السابقة. وكان من أبرز الخاسرين في الانتخابات تشاودري شجاعت حسين، حليف مشرف، ورئيس الرابطة الإسلامية-القائد الأعظم- الحاكمة، والشيخ راشد أحمد الوزير المقرب من مشرف في الحكومة السابقة. وكان أبرز من خسر في الانتخابات ولم يحصل على أي مقعد في الجمعية الوطنية هو “مجلس العمل المتحد” الذي يضم الأحزاب الإسلامية المتطرفة التي تدعم تنظيم القاعدة وحركة طالبان والتي كانت قد حصلت على 50 مقعداً في الانتخابات السابقة في عام 2002، وحكمت واحدة من الولايات الأربع في البلاد؛ أي الولاية الحدودية الشمالية الغربية التي تحولت إلى معقل وملاذ لمقاتلي طالبان والارهابيين الأجانب في تنظيم القاعدة، في حين حقق حزب عوامي القومي العلماني البشتوني في تلك المناطق فوزاً كبيراً بحصوله على 30 من أصل 99 مقعداً.
إن الشعب الباكستاني يخوض مرحلة جديدة في حياته السياسية، فلم يعد للورقة الدينية ذلك البريق السابق بسبب فشل وافتضاح القوى الدينية وعدم قدرتها على رفع الحرمان والفقر عن هذا الشعب، وهو ما أوضحته الانتخابات والفشل الذريع الذي أصاب هذا التيار المتطرف. كما سيواجه الشعب والبرلمان المنتخب الجديد، إضافة لتشكيل حكومة ائتلافية مستقرة تعالج مشاكل البلاد، مهمة إعادة النظر في الكثير من القوانين التي كرست الاستبداد وحكم الفرد في العهود السابقة. إن الحالة الناتجة عن الانتخابات تضع رئيس الجمهورية في وضع لا يستطيع في ظله التعامل مع وزارة لا يستطيع السيطرة عليها، بل ولا تعترف حتى به مما يستدعي اعادة النظر بالقوانين وصلاحيات رئيس الجمهورية والتي من الممكن أن يؤدي إلى تزايد الضغط لإقالة الرئيس الحالي الجنرال مشرّف. إن ما استجد في الباكستان من أوضاع بعد الانتخابات سيؤدي إلى دفعها نحو مرحلة جديدة لها تأثيرها الكبير داخلياً وإقليمياً، ويعزز المسيرة الديمقراطية ويحد من تدخل العسكر والمؤسسات الدينية في العملية السياسية.
22/2/2008