الرئيسية » مقالات » بمناسبة الذكرى 160 لصدوره – البيان الشيوعي – قراءة إيكولوجية

بمناسبة الذكرى 160 لصدوره – البيان الشيوعي – قراءة إيكولوجية

تحل في شباط الجاري الذكرى 160 لصدور الطبعة الاولى باللغة الالمانية للبيان الشيوعي الذي يمثل واحدا من اهم الوثائق في الفكر الماركسي. وقد صاغه ماركس استنادا الى الوثيقة التي خطها انجلز بعنوان مبادئ الشيوعية. وهو الصيغة النهائية التي دفعها مؤسسا الماركسية للنشر بناءا على طلب عصبة الشيوعيين، وقد طبعت لاول مرة في لندن في شباط عام 1848.

حظي البيان، الى يومنا هذا، باهتمام كل من سعى ويسعى لفهم مطاليب الشيوعيين واهدافهم، واستند الكثير من الباحثين ممن بذلوا الجهد لتطوير الماركسية واخراجها من الصياغات الجامدة، بشكل مباشر او غير مباشر، الى مقدمة انجلز للطبعة الالمانية عام 1872، اي بعد 25 عاما على صدور البيان، و قوله ” رغم ان الظروف تبدلت كثيرا خلال السنوات الخمسة والعشرين الاخيرة، فالمبادئ العامة الواردة في هذا البيان لا تزال بالاجمال محافظة حتى اليوم على صحتها، وان كان يجب ادخال بعض التعديل على عدد من الفقرات” ثم يواصل ليقلل من اهمية الفصل الثاني فيقول ” ونحن لو عمدنا الى انشاء هذا المقطع اليوم، لاختلف في اكثر من نقطة عن الاصل” [1].

بودي اليوم تقديم محاولة لقراءة جديدة لهذه الوثيقة من الناحية الايكولوجية، وقد دفعني الى ذلك كثرة الاتهامات التي وجهت الى ماركس من لدن العديد من الباحثين المشهود بخبرتهم وسعة اطلاعهم في مجال الايكولوجيا مستندين فيها الى البيان الشيوعي تحديدا باعتباره ” خير شاهد” على “بروموثيوسية” ماركس عند معالجته لعلاقة الانسان – الطبيعة. وقبل الدخول في محاولة الرد على هذه الاتهامات لابد من اطلاع القارئ على ملخص لاهمها.

يقول احد رواد الاشتراكية البيئية، تيد بينتون، ان البيان يوضح تبني ماركس لرؤية ” بروموثيوسية” و ” انتاجوية” للتاريخ. اما رينيه غرودمان فيكتب ” ان اساس ما عرضه ماركس هو ” النموذج البروموثيوسي” للهيمنة على الطبيعة. ويؤيده المفكر الليبرالي فيكتور فيركس فيكتب ” لقد كان موقف ماركس ازاء العالم محموما، دائما، بالاندفاع البروموثيوسي، وممجدا غلبة الانسان على الطبيعة. كما نجد عالم الاجتماع انطوني جيدنز يشكو من ان ” الموقف البروموثيوسي” قد وصم معالجة ماركس لعلاقة الانسان – الطبيعة في معظم اعماله، باستثناء اعماله المبكرة” وهذا يعني ان” اهتمام ماركس بتحويل العلاقات الاجتماعية الانسانية، الاستغلالية، المعبر عنها في نظام الطبقات لم يشمل استغلال الطبيعة”. اما الباحث الايكولوجي الاجتماعي جون كلارك فيذهب الى ابعد من هذا فيكتب ” تتمثل بروموثيوسية ماركس في رؤيته … الانسان ككائن لا يرى الطبيعة مأوى له، كائن فقد ارتباطه بالارض. انه الروح الذي لا يقهر والذي يسعى لاخضاع الطبيعة لتحقيق ذاته…. وان قوى الطبيعة، لكائن كهذا، سواء كانت قوى طبيعة داخلية ام خارجية، لابد من ترويضها واخضاعها”. وتستمر قائمة المنتقدين لتشمل المفكر الاشتراكي ميشيل لوي الذي يتهم ماركس بتبني تصور ” متفائل”، ” برموثيوسي” للتطور اللامحدود لقوى الانتاج، وهو تصور” لايمكن الدفاع عنه…لجهة خطورته على التوازن الايكولوجي لكوكبنا”. [2].

لابد من الانتباه اولا الى ان تهمة ” البروموثيوسية” تحمل في طياتها فرضيات سلفية، ترفض فكرة الحداثة تماما، وهو ما يسم النزعة البيئوية البحتة. وبالتالي فان تهمة ” البروموثيوسية” هي طريقة ملتوية، او غير مباشرة، لوسم اعمال ماركس، والماركسية كلها، بانها نسخة متطرفة من الحداثوية مما يسهل ادانتها. من هنا نفهم السبب الذي جعل البيئوي السلفي، ويد سيكورسكي يكتب بان ” ماركس كان واحدا من رجالات عصرنا الذين مجدوا الماكنة. فعلينا ان نغفر للراسمالية ذنوبها .. لانها كانت تقوم بعملية اتمام الماكنة وتطويرها” [3].
ان من النافل حقا اتهام ماركس بالبروموثيوسية، وهي تهمة يعود صداها التاريخي الى ايام الحرب الباردة، قد نشأت بشكل غير مباشر من نقد ماركس، نفسه، لبرودون. حيث نجد ان نقد ماركس للاسس الدينية – الاسطورية لتحليل برودون للماكنة والحداثة، قد انتقل، بعيون اولائك الذين تناسوا التاريخ الحقيقي لهذا النقد، الى نقد ماركس نفسه، كما لو ان اراء برودون هي اراء ماركس. وهي مسألة ليست بالجديدة على منتقدي ماركس، فكثيرا ما جرى الصاق اراء العديد من المفكرين ( برودون، بلانكي، لاسال وغيرهم) بماركس الذي سعى الى انتقادها وتجاوزها.[4]

وبروموثيوس هذا هو احدى الشخصيات الاسطورية في مسرحية اسخيلوس الذي خالف ارادة الاله زيوس وجلب النار (أقرأ الضوء، النور) الى الانسان. وكان ماركس معجبا بشخصيته وكثيرا ما ربط بينه وبين ظهور العلوم والمادية وبالتالي مع شخصية المستنير الاغريقي ابيقور[5]. اما بروموثيوس الميكانيكي فقد كان غائبا عن كتابات ماركس باستثناء ما جاء في سياق نقده للميكانيكية البروموثيوسية لبرودون.

تتمحور تهمة البرموثيوسية الموجهة الى ماركس من قبل المفكرين، بينتون وجيدنز وغيرهم، بشكل مباشر، على البيان الشيوعي وهو موضعنا اليوم. فقد ورد فيه حديث ماركس وانجلز عن ” إخضاع الطبيعة للانسان” و عن ” بلادة الحياة الريفية” وهي تعابير لو جرى معاينتها على طريقة لا تقربوا الصلاة لكانت بلا شك دليلا دامغا على صحة الاتهام. لكن القراءة المتأنية، والكاملة لفقرات البيان ستوضح انه ينطوي ضمنيا على فهم للعلاقة بين المفهوم المادي عن الطبيعة والمفهوم المادي عن التاريخ، اضافة الى العديد من الاراء الايكولوجية – المخالفة للميكانيكية البروموثيوسية البرودونية – التي تشدد على وحدة الوجود الانساني والوجود الطبيعي.[6]

يتضمن القسم الاول من البيان اطراءا واضحا للبرجوازية، واحتفاءا بانجازاتها الثورية التي جعلت ” كل ما كان تقليديا ثابتا يطير ويتبدد كالدخان”، واشارة الى ارأس تناقضاتها التي ولدتها معها، ونعني بذلك الازمات الاقتصادية الدورية، وولادة البروليتاريا الصناعية. وفي سياق هذا الاطراء للبرجوازية كتب ماركس وانجلز:

” واخضعت البرجوازية الريف للمدينة، فأنشأت المدن الكبرى وزادت سكان المدن زيادة هائلة بالنسبة لسكان الارياف، وانتزعت بذلك قسما كبيرا من السكان من بلادة الحياة الريفية ( التشديد لي). وكما جعلت الريف معتمدا على المدينة، كذلك جعلت البلدان الهمجية ونصف الهمجية معتمدة على البلدان المتمدنة، الامم الفلاحية على الامم البرجوازية، الشرق على الغرب”.[7]

هنا شحذ النقاد سكاكينهم للنيل من ماركس وانجلز لوصفهما الحياة الريفية بالبلادة وهو موقف لا ايكولجي!! ولكن دعونا ننظر الى المسألة عن كثب، حسب التعبير الماركسي الشهير.

اولا: من المعروف ان ماركس كان قد تعلم وفق اصول التعليم الكلاسيكية وبالتالي فقد كان واعيا ان تعبير ” البليد” idiot انما هو تعبير يوناني قديم اصله الكلمة الاغريقية Idiotes اي المواطن المنقطع عن الحياة العامة، والذي، بخلاف اولئك الذين شاركوا في الحياة العامة، ينظر اليها من زاوية ضيقة ومحدودة وبالتالي فهو بليد idiotic.

ثانيا: وهو الاكثر اهمية، ان ماركس وانجلز لم يقولا اكثر مما قالاه في مؤلفهما الايديولوجيا الالمانية ضمن مناقشتهما للتقسيم المجحف للعمل بين المدينة والريف. ففي الايديولوجيا الالمانية لاحظ كلاهما ان التقسيم بين المدينة والريف كان ” اهم تقسيم بين العمل المادي والعمل الذهني”: شكل من اشكال ” الاخضاع الذي يجعل من انسان ما حيوان مديني مقيد، ومن الاخر حيوان ريفي مقيد” وهو يخدم بالتالي في انقطاع سكان الريف عن ” ما يجري في العالم، وبالتالي عن كل الحضارة “. [8]

لقد اكد ماركس خلال كامل حياته الفكرية انه في الوقت الذي كان العامل محروما من الهواء النقي ومن النظافة ومن اهم مستلزمات الحياة الطبيعية، كان الفلاح، في ظل الرأسمالية، محروما من العلاقة مع ثقافة العالم ومع العالم الارحب للعلاقات الاجتماعية. فقد كان قسم من السكان قادرا على الاتصال بالعالم بحكم معيشته في المدينة، لكنه يفتقر الى صحته، اما القسم الاخر من السكان فقد كان يتمتع بصحة جيدة بحكم معيشته في الريف حيث الهواء النقي والخضار لكنه يفتقر الى صلاته مع العالم الحضاري. والحق ان ماركس نظر بجدية تامة الى ملاحظة ديفيد اوركهايت من ان المجتمع قد اخذ بالانقسام الى ” فلاحين فظين” والى ” اقزام عاجزين” نتيجة للتقسيم الحاد بين الريف والمدينة.[9] وقد استخدم ماركس كل ذلك، لكي يوضح السبب في تفوق العمال على الفلاحين في ثوريتهم. لقد فقد سكان المدن ، بفعل اضطرارهم للعيش في المدن، ارتباطهم الجوهري بالظروف الطبيعية، لكنهم اكتسبوا اشكالا من التعاون والعمل المشترك مكنتهم من حث الخطى الى واقع اجتماعي ثوري. ويؤكد مؤسسا الماركسية ان من اولى مهام الثورة ضد الرأسمالية هي القضاء على التقسيم بين المدينة والريف. وعليه فان الموضوع لم يكن احتقارا للطبيعة بل احتقار للتقسيم بين المدينة والريف الذي جسد اهم مظاهر الطبيعة المغربة للحضارة البرجوازية.

لقد رأى ماركس وانجلز في اعتماد الريف على المدينة نتيجة منطقية لـ ” تكدس السكان” المفرط داخل المدن خلال المرحلة البرجوازية، وهو ما تطرقا اليه في الفقرة التي تلت حديثهما عن انقاذ البروليتاريا من ” بلادة الحياة الريفية”.
وفي القسم الثاني من البيان الذي خصص لتوضيح المطاليب التاريخية للطبقة العاملة والشيوعيين، شدد مؤسسا الماركسية على الحاجة الى ” إتخاذ التدابير المؤدية الى محو الفرق بين المدينة والريف من خلال التوزيع المتساوي للسكان على جميع انحاء البلاد”.[10] وهي مسألة لا يمكن تحقيقها الا من خلال ” الجمع بين الزراعة والصناعة”. وبالتالي فان ماركس وانجلز سعيا الى اعادة لحمة ما انقطع من صلات، وهو مادعاه ماركس لاحقا بالعلاقة الايضية ( التبادلية) مع الطبيعة. ومع هذه الاجراءات لا بد ايضا من ” نزع الملكية العقارية وتخصيص الريع العقاري لتغطية نفقات الدولة” [11] و ” اصلاح الاراضي البور وتحسين التربة وفق منهاج عام” [12]. ويمكن النظر الى جميع هذه الاجراءات على انها رد على معالجة القس مالثوس لعلاقة السكان بالارض. فبخلاف مالثوس الذي اقترح “كنس” الفلاحين عن الارض لكي يزداد عدد سكان المدن، فان ماركس وانجلز، المتأثرين الى حد ما بمقترحات فوريه واوين، قد اقترحا ” تشتيت” السكان، والتغلب على علاقة العداء بين المدينة والريف، وهي العلاقة الملازمة للنظام البرجوازي [13]. وبدلا من اصرار مالثوس على محدودية التطور في ميدان الزراعة، اصر ماركس وانجلز على امكانية انجاز مثل هذا التطور، خصوصا اذا ما جرى ضمن عمل جماعي ووفق ” منهاج عام”. وعليه فان عماد الرد على مالثوس يتمثل في إلغاء اغتراب البشر عن الطبيعة.

ومن الواضح ان موقفا كهذا لا يدعو الى ترك الطبيعة دون المساس بها من قبل البشر. فقد رفض ماركس وانجلز التصورات ” الوجدانية” المحض حول الطبيعة، المستندة على اوهام وردية ، بان الطبيعة لا تزال تحتفظ بنقائها الاصلي، بعذريتها، وان بالامكان تركها دون مساس. فهما كما باقي ابناء عصرهما،ارتاعا من وجود ” اراض بور” في الوقت الذي كانت الشعوب تعاني فيه من شحة الغذاء. ان موقفهما، الذي زاد وضوحا مع تطور الادب الماركسي، كان يتلخص في تشجيع اقامة علاقة مستديمة بين الانسان والطبيعة عبر تنظيم الانتاج باساليب تأخذ بالحسبان العلاقة الايضية ( التبادلية) بين البشر والارض.

لقد ذكرنا سابقا حملت الانتقادات التي انهالت على البيان الشيوعي باعتباره يمثل موقفا مدافعا عن ” البروموثيوسية” الميكانيكية لبرودون، برغم انتقاد ماركس لبرودون على نفس الموقف. وسبب ذلك يعود الى ما جاء في البيان:

” وخلقت البرجوازية، منذ تسلطها الذي لم يكد يمضي عليه قرن واحد، قوى منتجة تفوق في عددها وعظمتها كل ما صنعته الاجيال السالفة مجتمعة. فان اخضاع قوى الطبيعة للانسان، واستخدام الالات وتطبيق الكيمياء في الصناعة والزراعة، ثم الملاحة البخارية والسكك الحديدية والتلغراف الكهربائي، وهذه القارات الكاملة التي كانت بورا فاخصبت، وهذه الانهار والترع التي اصلحت وراحت البواخر تمخر عبابها، وهذه الشعوب التي كأنما قذفتها من بطن الارض قوة سحرية، – اي عصر سالف واي جيل مضى كان يحلم بان مثل هذه القوى المنتجة العظيمة كامنة في قلب العمل الاجتماعي!”[14]

على اساس هذا المقطع الذي تضمن ” اخضاع قوى الطبيعة للانسان” و ” القارات الكاملة التي كانت بورا فأخصبت” جرى وصف ماركس وانجلز بانهما قصرا في نقدهما، لحظة كتابة البيان الشيوعي، للتناقضات الايكولوجية للانتاج البرجوازي.[15] ومن اليقين ان ماركس، المتأثر بافكار فرانسيس بيكون، كان يرى في اخضاع قوى الطبيعة للانسان، وارتباط ذلك بتطور العلوم والحضارات، مسألة جيدة. ولكن ماذا عن موضوعة الاستدامة التي لم يتطرق اليها اطراء البرجوازية في القسم الاول من البيان؟

هنا، لا بد من التنوية ان تعبير” اخضاع قوى الطبيعة للانسان، هو تعبير حمال اوجه لكنه ينسجم تماما مع قولة فرانسيس بيكون الشهيرة: ” يمكننا التحكم بالطبيعة فقط من خلال طاعتها” [16]. اما في ما يتعلق بتعبير ” القارات الكاملة التي كانت بورا فاخصبت” قد كان امرا مفرحا حسب رأيهما، طالما ان الانتاج البرجوازي قد قضى، الى حد ما، على شبح مالثوس، المجاعة. ولكن ما تقدم لا يقترح بروموثيوسية ميكانيكية، تغدو الماكنة والتصنيع اساسا لها على حساب الزراعة – برغم انها تقول بان المحافظة على اصالة الطبيعة، بشكلها البكوري، لم يكن من ضمن الاهتمامات الاساسية لماركس وانجلز.

ان من يقرأ البيان الشيوعي لابد ان يدرك ان اطراء الحضارة البرجوازية الذي احتل الصفحات الاولى منه لم يكن سوى مدخل لدراسة التناقضات الاجتماعية التي ولدتها الرأسمالية والتي ستؤدي في المآل الاخير الى سقوطها. ولا يمكن لاي منا ان يدعي بان ماركس وهو يعرض شخصية الرأسمالي “البطل”، او عند احتفائه بتطور تقسيم العمل، والمنافسة، والعولمة وغيرها، في القسم الاول من البيان، كان خاليا من موقف نقدي. ففي الفقرات اللاحقة يوضح ماركس وانجلز، باسلوب ديالكتيكي، الجانب الاحادي لمثل هذه التطورات. اذ نجدهما يدركان ارتباط توليد الثروة بزيادة فقر القسم الاعظم من السكان. ويدركان ايضا ان ” اخضاع قوى الطبيعةللانسان” قد ارتبط بالاغتراب عن الطبيعة الذي يجسد نفسه في الانقسام بين المدينة والريف، وهو انقسام ملازم للرأسمالية. ثم يواصل البيان، ولو بايجاز شديد، ليعالج هذه المسألة ضمن الخطة ذات النقاط العشر في القسم الثاني من البيان. وقد توجب على ماركس وانجلز، ان يبذلا اهتماما كبيرا، ضمن كتاباتهما اللاحقة، لمعالجة التناقضات الايكولوجية ضمن نقدهما للحضارة الحديثة للمجتمع الرأسمالي.

وينهي ماركس وانجلز اطراءهما للبرجوازية في القسم الاول بملاحظة ان ” كل هذا المجتمع البرجوازي الحديث الذي خلق وسائل الانتاج والتبادل العظيمة الهائلة اصبح يشبه الساحر الذي لا يدري كيف يقمع ويخضع القوى الجهنمية التي اطلقها من عقالها بتعاويذه” [17]. وهي برغم كونها اشارة الى البروليتاريا الناشئة الا انها ايضا، اشارة الى مجموعة التناقضات التي ولدتها السمة الاحادية الجانب للحضارة البرجوازية.

في بقية القسم الاول يمضي ماركس وانجلز في توضيح التناقضات التي ستلعب دورا اساسيا في التحول الثوري من الرأسمالية الى الاشتراكية. لكننا لا نجد بينها العوامل الايكولوجية ( انقسام المدينة والريف مثلا) لكنهما يعودان ليقدما مجموعة من المقترحات حول كيفية انشاء مجتمع المنتجين المساهمين، في نهاية القسم الثاني من البيان، حيث شددا فيها على ما يمكن تسميته بالعوامل الايكولوجية.

لماذا هذا القفز اذنا؟.ما سبب هذا التقديم والتأخير؟ اعتقد ان سببه واضحا، فالخراب البيئي لم يكن قد وصل، عهدذاك، الى الحالة التي نعيشها اليوم، وبالتالي لم تكن التناقضات الايكولوجية قد نضجت الى درجة يمكن وضعها في مصاف العوامل الاساسية التي ستلعب دورا في عملية التحول الثوري. وقد تركا، ماركس وانجلز، موضوعة اقامة علاقة مستديمة بين الانسان والطبيعة الى مرحلة ما بعد الاشتراكية، اي الى مرحلة البناء الشيوعي. ولهذا السبب شددا على حل التناقض بين المدينة والريف ضمن النقاط العشرة باعتبار ذلك مفتاحا لتجاوز اغتراب الانسانية عن الطبيعة، اما وضع رؤية شاملة للمشكلة الايكولوجية فقد كان خارج نطاق الاهداف الانية للبروليتاريا، وابتعادا عن الوقوع في مطب الشيوعية الطوباوية (فوريه و اوين) التي وضعت خططا لمجتمع مستقبلي هي ابعد في مداها من امكانيات الحركة القائمة آنذاك. لكنهما، مع ذلك، اكدا الحاجة الى معالجة اغتراب الطبيعة، وبهذا المعنى فقد مهدا الطريق لظهور موقف ايكولوجي ناضج طرحه ماركس فيما بعد، ونعني به نظرية التفاعل الايضي ( التبادلي) للطبيعة والمجتمع.

الهوامش:
[1] ماركس وانجلز، بيان الحزب الشيوعي، المختارات في اربعة اجزاء، الجزء الاول ،ص 40. بودي احالة القارئ الى الدكتور صادق البلادي، البيان الشيوعي عربيا، الثقافة الجديدة، العدد 282،أيار-حزيران 1998. وكذلك رضا الظاهر، موضوعات نقدية في الماركسية والثقافة، دار الرواد، بغداد،2007، على سبيل المثال.
[2] تيد بينتون، الماركسية والحدود الطبيعية، ص82. يمكن الحصول عليها من خلال الرابط التالي:
www.newleftrevies.org/?view=145
وايضا رينيه غرودمان، الماركسية والايكولوجيا،جامعة اوكسفورد 1991،ص 52. وايضا فيكتور فيركس، الطبيعة-التكنولوجيا والطبيعة، جامعة نيويورك 1993،ص 108. وايضا انطوني جيدنز، نقد معاصر للمادية التاريخية، جامعة كاليفورنيا 1981، ص 5-60. وايضا جون كلارك، الجسم اللاعضوي عند ماركس، الاخلاق البيئية، المجلد 11، العدد 3، 1989،ص 258. وايضا ميشيل لوي، نحوماركسية نقدية، مجلة ضد التيار، المجلد 12، العدد 5، 1997، ص 33-34. لابد من الاشارة هنا الى ردود عدد من الباحثين على هذه الاتهامات وخصوصا جون بيلامي فوستر، ماركس والبيئة، في دفاع عن التاريخ، نيويورك 1997، ص 149-162.وايضا بول بوركيه، ماركس والطبيعة، نيويورك 1999.
[3] ويد سيكورسكي، الحداثة والتكنولوجيا، جامعة الاباما،1993، ص 138.
[4] حول هذا الموضوع يمكن الاطلاع على مقدمة جون بيلامي فوستر لكتاب ارنست فيشر، كيف نقرأ كارل ماركس، نيويورك 1996، ص 7-30. والكتاب قيد الترجمة من قبل كاتب هذه السطور.
[5] من اروع الشروحات لطبيعة العلاقة بين بروموثيوس وتطور العلوم والمادية هو ما كتبه الباحث بنجامين فارنغتون في مؤلفه العلم والسياسة في العالم القديم، نيويورك 1965، ص 67-86.
[6] انظر جون بيلامي فوستر، البيان الشيوعي والبيئة، في البيان الشيوعي الان، اعداد ليو بانيتك وكولن ليز، ص 169-189.
[7] بيان الحزب الشيوعي، مصدر سابق، ص 53.
[8] ماركس وانجلز، المؤلفات، الجزء 5، الايديولوجيا الالمانية، ص 32-34، 64-65، 401.
[9] ماركس، رأس المال، المجلد 1 ، ص 637-638. مقتبس عن جون بيلامي فوستر، ماركس والبيئة، مصدر سابق.
[10] بيان الحزب الشيوعي، مصدر سابق، ص 73.
[11] المصدر السابق، ص 72.
[12] المصدر السابق، ص 73.
[13] أنجلز، ضد دوهرنغ، الطبعة العربية، دارالتقدم 1984، ص 312-330.
[14] بيان الحزب الشيوعي، مصدر سابق، ص 53.
[15] انظر على سبيل المثال، ميشيل لوي، العولمة و الاممية: البيان الشيوعي،هل يلائم المرحلة الان؟. منثلي ريفيو، العدد 6، نوفمبر 1998،ص 20.
[16] فرانسيس بيكون، الاورغانون الجديد، Novum Organum ، شيكاغو،1994،ص 43.
[17] بيان الحزب الشيوعي، مصدر سابق، ص 54.