الرئيسية » مقالات » الكـورد والابــادة الجماعية (الجينوسايد) – موقف القانون الدولي – الجزء الثالث

الكـورد والابــادة الجماعية (الجينوسايد) – موقف القانون الدولي – الجزء الثالث

امثلة الجينوسايد في التاريخ وتاريخ الكورد
قبل ان تدخل الجينوسايد قاموس القانون الدولي، ويتم تجريمها وتحدد لها العقوبة لمنعها، وقبل ان يحقق حولها المجتمع الدولي ويحاكم مرتكبيها، فانها وكظاهرة بارزة مألوفة لدى الفئات والامم، يرجع تاريخها الى عدة قرون قبل ميلاد سيدنا المسيح (ع)، وهنا سنبين بعض الامثلة على ذلك:
اولاً:-
ظاهرة الجينوسايد في التاريخ
في عام 612 ق.م، قام البابليون باقامة مذبحة جماعية ضد الاشوريين، وابادوا الكثيرين منهم بوحشية، ودمروا مدينة (نينوى) باكملها، بحيث عندما مر بها القائد العسكري اليوناني (كزنفون)(حوالي 427- 335 ق.م)، بعد مئتي عام مع عشرة الاف من جنوده، لم يتاكد لديه بانها كانت مدينة مأهولة وعامرة في يوم من الايام(12) وكذلك في 596 ق.م، قام الملك الكلداني نبوخذ نصر (حوالي 605-562 ق.م) بنهب وسلب مدينة يهودا الاسرائيلية وقمع ثورتين على ارضها بالحديد والنار، وفي 539 ق.م قام، الملك الفارسي كورش الاول بتدمير بابل وتحرير اليهود(13). وفي 10/ 2/ 1258م قام المغول والتتر، بقيادة هولاكو، بالتوجه الى بغداد وعملوا فيها قتلا وتخريبا مدة اربعين يوماً، قتلوا خلالها النساء والاطفال والشيوخ والاسرى ايضا، ولم يميزوا بين من يحاربهم، وبين من يستسلم، بل كانوا يقتلون الجميع، وبذلك الشكل تم خلال تلك المدة القصيرة ابادة ثمانين الف شخص من سكان بغداد فقط(14).
وبعد اكتشاف القارة الامريكية، عام (1492م)، فان الهنود الحمر، السكان الاصليين، الذين كان يبلغ تعدادهم في حينه مليون نسمة، اصبحوا اجانب في وطنهم بعد الهجرة الاوربية لها، واليوم وبعد عدة قرون فان تعدادهم يبلغ عدة مئات من الالوف، والذي كان من المفروض ان يكون اكثر من ذلك بكثير، لولا ان استخدمت اساليب مختلفة لابادتهم(15).
ومن الامثلة على الجينوسايد البطيء، ما قامت به بريطانيا في القرن التاسع عشر، من نشرها للافيون في الصين، والذي كان له تأثير سلبي كبير على المجتمع الصيني، خاصة وان الشباب علاوة على عدم قدرتهم على الدفاع عن وطنهم، اصبحوا عالة بسبب ادمانهم الافيون، وهذا ما كان يهدف اليه الانكليز. وعندما قامت الصين في (1839م) بمنع استيراد الافيون وضربت المصالح البريطانية في بلدها، وقضت على محال بيع الافيون الخاصة بالانكليز، فان بريطانيا وبعد ثلاث سنوات اي في عام (1842م) فرضت معاهدة (نانكين) على الصين، وتمكنت بذلك من ان تكون السواحل الصينية مفتوحة امام التجارة البريطانية، وكان ان تنازلت بعد ذلك عن (هونغ كونغ) لبريطانيا، وهذا ما عرف في التاريخ بـ( حرب الافيون)(16).
في الايام الاولى من شهر آب عام 1914، عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى، ارتكبت عدة عمليات جينوسايد، ضد فئات مختلفة، وراح ضحيتها عدة ملايين من البشر.
وفي يوم 22/ 4/ 1915 خلال الحرب الكونية الاولى استخدم الالمان غاز الكلور السام ضد الفرنسيين، وقام بعدهم الانكليز بشن اول هجوم لهم بالغاز في 25/ 9/ 1915، وفي 24/ 4/ 1915 قام السلطان العثماني عبد الحميد وجمعية تركيا الفتاة، باقامة مجزرة وحشية ضد الارمن، لمنع استقلال ارمينيا الشرقية عن تركيا، وكانت مجزرة لامثيل لها جرت على اثرها انهار من الدم، وقتل ما يقارب (300) الف ضحية على يد السلطان عبد الحميد وجمعية تركيا الفتاة، وتعرض اكثر من مليون ونصف الى عمليات الجينوسايد، وشرد (800) الف آخرون ولذلك قامت جمهورية ارمينيا في الاعوام الاخيرة باعتبار ذلك اليوم ذكرى اكبر كارثة جينوسايد ارتكبت بحق الارمن(17).
وفي عام 1933 قام النظام الحاكم في العراق في ذلك الحين، بابادة اكثر من اربعة الاف اشوري في منطقة (سيميل) التابعة لمحافظة دهوك الحالية.
خلال الحرب الداخلية الاسبانية (1936-1939)، اصبح الدكتاتور فرانكو حاكم البلاد، سببا في ابادة الاف الاشخاص، خاصة في قصبة (جيرنيكا) التي اصبحت مصدر الهام الفنان بابلو بيكاسو في رسم لوحته الرائعة.
وخلال الاعوام (1939-1945) فترة الحرب العالمية الثانية، تعرض (18) مليون مدني الى الابادة، منهم (5.700.000) يهودي، وملايين من الروس والبولونيين، والاف من الفرنسيين والهولنديين واليوغسلاف و….الخ(18).
قامت اسرائيل في عام (1948) بمجزرة في (دير ياسين) راح ضحيتها (252) شخصاً، وفي عام (1979) قام الدكتاتور بوكاسا في جمهورية افريقيا الوسطى، بالاشراف على خنق ما يقارب (100) طفل جماعياً(19).
هنالك امثلة اخرى كثيرة عن الابادة والقتل الجماعي، التي قامت بها الدكتاتوريات العنصرية الحاقدة، ضد الشعوب، مثل الجنرال تروخيلو وشاوشيسكو وصدام ورادوفان كارافيج، الذي قام باسم التطهير العرقي بشن حملة ابادة وقتل جماعي واسعة، ضد الشعب البوسني المحب للسلام في مدينة (سربينيستا) والتي تم فيها ابادة اربعين الف انسان.
ثانياَ:-
امثلة على الجينوسايد تجاه الكورد
لاتبدأ علاقة ومعاناة الكورد مع الجينوسايد منذ 1987 و1988، حيث قام نظام بغداد الدكتاتوري باستخدام الاسلحة الكيماوية ضده بشكل واسع النطاق، بل ان تاريخها يعود الى اقدم من ذلك بكثير، فرغم اشتراك اجدادنا منذ عهد الميديين، بعدة قرون قبل الميلاد، في بناء جزء حيوي من صرح الحضارة الانسانية، وكونهم متعاونين مع الشعوب ومساندين لهم، الا انه وبسبب مطالبتهم بحقوقهم الانسانية والثقافية والقومية العادلة، فانهم تعرضوا لمحاولات وتآمر الاقوام والشعوب لابادتهم وصهرهم.
فقد اشتهر (مصطفى كمال) باتاتورك، على حساب ابادة الكورد ففي الوقت الذي كان ضابطا صغيراً في الجيش العثماني، اعتمد على الجنود والضباط الكورد، كوسيلة ووقود لحرب الاتراك لمعاداة السلطة العثمانية وتأسيس دولة تركيا الحديثة، وذلك بقطع الوعود والشعارات البراقة، على امل حصول الكورد على حقوق كبيرة في ظل الدولة الحديثة، الا انه بعد وصوله الى السلطة، انعكس الامر ورفض اتاتورك معاهدة (سيفر) وقام بتوقيع معاهدة (لوزان- 1923) مع اعداء الامس- الحلفاء- وانتفض الشيخ سعيد بيران ضد تلك الاوضاع عام 1925، لكن حكومة اتاتورك جابهته بالحديد والنار، وبعد القضاء على الثورة وقائدها شنت حملة قتل جماعي ابيد خلالها اربعون الفاً، وشردت مئات الالاف من ارض الاباء والاجداد بين عامي (1925- 1926)، كما حرم استخدام اسم الكورد ايضا، واطلق عليهم اسم (اتراك الجبال!!!)(20). وفي انتفاضة (ديرسيم) التي استمرت حتى عام 1942، ابيد ما يقارب تسعين الف قروي على يد مصطفى كمال (اتاتورك)(21).
التآخي