الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة السابعة

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي)الحلقة السابعة

ويضيف سون انه رأى بين الاكراد كثيراً من الرجال الذين يستطيع احدهم الظهور بمظهر الـ (نورسمن Norsman)، الذي له شعر اصفر يتطاير وشاربان طويلان متهدلان وعينان زرقاوان وجلد لطيف، كل اولئك من البراهين المقنعة فضلاً عن لغتهم التي تجعله أي ادموندز يقتنع ان الـ (انكلوسكسون) والاكراد من ارومة واحدة(191).
اننا نعتقد انه فضلا عن العامل الجغرافي الذي يجعل الاكراد الجنوبيين اميل إلى السمرة وسواد العيون بالمقارنة مع الشماليين فان عاملاً آخر لعب دوراً كبيراً في تغيير السحنة الكردية، اذ نرى ان دخول الكرد الاسلام كان سبباً في فسح المجال لان يسكن عدد غير قليل من العرب في الاراضي السهلية من كردستان، وفي اعتقادنا ان النسبة الاغلب من الشعب الكردي تحديداً وليس – الفارسي – كانوا يمتلكون بشرة بيضاء وعيوناً زرقا، لكن دخول العرب إلى المنطقة والاعتداء الذي حصل واستباحة القرى والسكن القسري في المنطقة كل ذلك ادى إلى تغير السحنة إلى حد ما، ذلك ان من الناحية الوراثية فان اللون الاسود أي سواد العيون مثلاً او البشرة ولا سيما اذا كان سواداً نقياً أي ما يرمز له بـ BB. وحتى اذا كان هجيناً اسود Bb لا بد من ان تلعب الصبغة السوداء دوراً واسعاً سواء في لون العيون ام لون البشرة لان اللون الاسود في المفهوم الجيني هو صفة متغلبة ويحاول كل من اللون الابيض في البشرة واللون الازرق في العينين التعبير عن وجودهما ولكن هذا التعبير يأتي في المجموع العام بنسب اقل من نسبة الصفات المتغلبة وهذه مسألة يعرفها علماء او دارسو علم الوراثة جيداً. لذا نعتقد ان للفتوحات الاسلامية دورها في الامتزاج مع كثير من الاقوام، مثلما حدث في فتح اسبانيا (الاندلس) والمكوث فيها طويلاً (الماء والخضراء والوجه الحسن) مما جعل عدداً غير قليل من الاسبان يمتلكون السحنة العربية على الرغم من عودتهم الى ديانتهم المسيحية ولغتهم وقوميتهم الاسبانية.
اما هنري فيلد ففي دراسته الانثروبولوجية في الشرق الاوسط والتي شملت كردستان فانه يذكر النتائج الجسمية للعينات الثلاث المأخوذة في عام 1926 من زاخو ورواندوز والسليمانية. ان الكردي متوسط القامة ولكن جذعه طويل يقابل ذلك قصر في الساقين، اما الجبهة فعريضة ومحيط الرأس واسع وان نسبة 37-40% منهم يعانون من انطباق في الجمجمة*، اما الجزء العلوي من الوجه وطول الوجه بشكل عام فيتراوح بين الطويل المتوسط والطويل، اما الانف فمتوسط الطول والعرض وينتهي بارنبة الانف عادة (61).
اما هَيْ (1918-1920)، فقد اثرت فيه الملامح الكردية فهو يرى فيهم ملامح النسر الوسيمة، وهنا لابد من ان نذكر ان هي عاش في منطقة اربيل، ووصفه جاء من مشاهدته المباشرة للفلاحين في منطقة من مناطق كردستان وليس كردستان باسرها، وعلى كل فأن هي يصف الفلاح الكردي على العموم بان طوله لا يزيد على 5 اقدام و 6 انجات الا ما ندر(60).
ان هذا الوصف لـ هَيْ يختلف عن المعدل الذي ذكره سون بـ 3 انجات ونعتقد ان السبب هو اختلاف المناطق التي جرى فيها القياس، والحقيقة لم نعثر على دراسة اخذت عينات من كل ارجاء كردستان لاستخراج الاوساط الحسابية للقياسات الجسمية. ربما سيجري احدهم ذلك في قادم الايام.
ونعود إلى هَيْ في وصفه الملامح الكردية، فالكردي على ما يذكر، يرسل اللحية ولكنه في العادة حليق الرأس فيما خلا حافة صغيرة، ان له وجهاً ارياً نمطياً والشعر اسود اللون عادة والبشرة حنطية فاتحة هي على غرار بشرة الايطاليين او الاسبان او افتح منها ويمكن ان ترى في الكرد شعراً احمر فاتحاً وعينين زرقاوين ووجهاً فيه نمش(60).
ويبدو ان المناطق او القبائل التي كان هَيْ قد زارها يرسل الكرد فيها لحاهم، واننا نجد مثل هذه الظاهرة لدى بعض القبائل التي يكون فيها رئيس القبيلة رئيساً روحياً فضلاً عن كونه الرئيس القبلي الدنيوي ايضاً، ولكن لا يمكن ان نعمم ملاحظة هَيْ على كل الكرد، بل العكس هو الصحيح فالنسبة العليا جداً من الكرد يحلقون لحاهم ويحتفظون بالشاربين مرسلة او مهذبة.
اما شميدت (في اوائل الستينيات) فقد وصف الكرد المئة الذين صافحهم ان منظرهم كان مهيباً (52) بينما يذكر ماليبارد ان ملامحهم تشعره بالبشر والسلام(218).
القسوة والقوة
لا شك ان الحياة في كردستان ليست سهلة وتتطلب ان يكون الفرد قوياً قاسياً عندما يتطلب الموقف ذلك. ان القوة الجسدية ترتبط حتماً بالصحة الجيدة، وقد وجدنا كثيراً من المستشرقين والرحالة ممن زاروا كردستان يشيدون بالصحة العامة للاكراد فهذا سافرستيان يذكر ان الكرد يتمتعون بصحة وبنية جسدية جيدتين(49).
اما بايندر، الرحالة الفرنسي، والذي مر ذكره في موضوع (الذكاء)، فقد وصف الكرد بالجمال والقوة والذكاء، مع امنية للكرد ان تصلهم يد الحضارة فيتفوقون على جيرانهم المحيطين بهم(110).
ينظر هاملتون باعجاب إلى الكرد الذين عايشهم وعايشوه في العمل المضني الشاق في فتح طريق راوندوز – اربيل – فعندما دعا عماله إلى مأدبة بمناسبة تثبيت جسر قرب راوندوز يذكر ان مأدبة لالف من الرجال ليست بالامر البسيط على انهم يستأهلونها حقاً لانهم قهروا مضيق علي بك* (215) وهو في موضع آخر من مذكراته يعدد صفات الكرد فيبدأ بالقوة الفردية ثم الانفة.
ويذكر سون اعجابه بالقوة البدنية للحمْالين الكرد الذين حملوا بضائعهم في ديار بكر وكيف كان الحمال المحمل بكثير من البضاعة يسبقهم في مشيه، اذ يقول لقد سبقنا الحمال بالقوة المشهورة لدى ابناء جلدته بسيره الدائب(79).
ولكنه أي سون يصف المزاج الكردي بأنه مزاج مخيف يستثار بسهولة ويعزو ذلك إلى طبيعة الحياة العنيفة التي يحياها الكرد (142) وقد ذهب فريزر ذات المذهب تقريباً فهو يرى ان الكرد يجنحون إلى التهيج والقتال(186).
اما مينورسكي فيعرب عن استغرابه من القسوة الكردية ويرى ان الكرد يشبهون الالبان في حبهم لاظهار القوة بواسطة السلاح والاعجاب بهذه الحركة السريعة الواحدة التي تستطيع فيها الرصاصة ان تقضي على شخص قوي(70).
هنا لا بد من الاشارة إلى ان ما يقرب من ثمانين عاماً قد مرت على انطباعات مينورسكي هذه، فهل بقي الكردي على تلك القسوة، نعتقد ان التطور الحضاري وان كان بطيئاً في كردستان بسبب جملة العوامل والظروف السياسية فان الكردي ما عاد ذلك الهاوي للقسوة التي اشار اليها مينورسكي وغيره، ان الظروف القاسية التي احاطت بالكرد عبر تاريخهم لا بد ان تجعل منهم قساة، وهذا ما يشير اليه باسيل نيكيتين الذي يرى ان المعالم الاولى التي تبرز من شخصية الكرد هي حبهم للقتال، ذلك ان حياة البداوة التي يعيشونها وسعيهم الدائم إلى المراعي الخصبة او إلى الصيد او الغزو، كل ذلك اوجد لديهم حالة نفسية جعلتهم ينفرون من كل التزام ويثورون ضد كل اكراه. وتعليقاً على مفردة الغزو التي وردت عند باسيل نيكيتين نود ان نوضح ان مفهوم الغزو عند الكرد يختلف عن الغزو عند اقوام اخرى التي يكون الغزو عندها غاية في ذاته، أي وجود نية مسبقة ومبيتة لغزو عشيرة ما. هذا ما لا نجده عند الكرد بل يكون الغزو بسبب خلاف ينشط بين قبيلتين او عشيرتين او جماعتين ولا تسبى النساء ولا يؤخذن كغنائم مثلاً وهناك تقاليد اخلاقية اخرى قد لا نجدها عند اقوام عرفت عبر تاريخها باحتراف الغزو.
اما ويكرام فيؤكد قوة وضراوة الكرد ومعدنهم الصلب (157) بينما يقف مينورسكي حائراً امام قسوة الكرد فيعبر عنها انها قسوة غير مفهومة (157) وربما كانت حيرة مينورسكي متأتية من اعجابه بكل ما لاحظه من نبل وطيبة عند الكرد إلى جانب القسوة، ونحن نعتقد ان هذه القسوة فرضتها ظروف الحياة الصعبة والواقع السياسي التاريخي للشعب الكردي الذي جعل من القسوة احد اسرار بقائه وسط الصراع المتكالب عليه .

التآخي