الرئيسية » مقالات » البطل الذي لم يمت !!

البطل الذي لم يمت !!

عند باب أحدى دور السنما وقف شابان دون سابق معرفة أحدهما بالآخر ، وقفا يستعرضان صور الفلم المتوقع عرضه بعد دقائق ، إلتفت أحدهما الى الثاني وسأله :

” شدكول راح يموت البطل ؟! ” قال الآخر مبتساً:” لا طبعا ما يموت ” كرر الأول وقال : ” لا أنا أكول يموت “! وأصر الثاني على رأيه بأنه لن يموت والأول عانده أنه يموت ! فتراهنا ، دخلا العرض ، وإنتهى الفلم دون أن يموت البطل طبعا !! قال المراهن الرابح : ” ترى أنا غشيتك ” قال الخاسر : لماذا “:؟ قال الرابح : ” آني شايفه الفلم ..” قال الخاسر :” لعد آني شايفه مرتين كبل هسه !! ” تفرّس الثاني بوجهه متعجبا مستغربا ” إذن كيف تراهن على موت البطل وأنتَ شايف الفلم مرتين ؟! ” أجابه خاسرالرهان ” المرة السابقة خلصْ البطل بإعجوبة ! كلتْ ها المرة مستحيل يفلتْ “!!

وهنا بطلنا الذي راهن البعض على إختفائه أو إنزوائه هو الدين ، وأقصد التعصب الديني والطائفي وأزلامه المعممين و أشباه المعممين المتحذلقين وحتى أعدائه ! الذين يستخدمونه طمعا بالمال والسلطة ! ونحن لا نريد لبطلنا ، أي الدين ، الموت بل الإختفاء على الأقل عن الساحة السياسية والإنزواء في الجامع والحسنيات ، فهذه المنشآت بنيت له ، لا قبة البرلمان أو مجلس الوزراء أو قيادة الجيوش والمليشيات .

تذكرت هذه القصة التي تحدث عند البعض بفضل شطارة كاتب القصة والسيناريو ، عندما قرأت مذكرات المرحوم الأستاذ روفائيل بطي ، صاحب ومؤسس جريدة ” البلاد ” كانت جريدته جريدة محترمة ومقروءة من معظم القراء الوطنيين والديمقراطيين ، كنا نطالعها في الأربعينات و الخمسينيات ، وإستمرتْ الجريدة الى نهاية الخمسنيات على ما أذكر ، يقول المرحوم في مذكراته ( ج 1 ص167 ) ما يلي ، أنقلها نصا :

[ ” زرت الأستاذ رؤوف بيك الجادرجي المحامي ( هو والد السياسي العراقي كامل الجادرجي ) ورئيس كلية الحقوق ، الآن في 27/شباط/1925 ، فوجدت عنده جماعة منهم الزهاوي ( يقصد الشاعر جميل صدقي الزهاوي ) وشكري الفضلي من أدباء الفترة ، وداوود الحيدري من وجوه الأكراد وإبن إبراهيم الحيدري شيخ الإسلام في تركيا سابقا والأمين (داوود ) الآن الأمين في بلاط الملك فيصل الأول ، وعبد الله ثنيان ،المحامي والأستاذ في مدرسة الحقوق وغيرهم ، ثم جاء حكمت بيك سليمان . المباحث (يقصد الأحاديث ) متنوعة يغلب عليها :[ السخر بالمتحذلقين من العلماء الذين يتخذون الدين ذريعة للإرتزق ] . ثم توجه الكلام نحو السماء والجهنم ، فرأيت الجماعة كلهم كتلة الإلحاد !! وتشنيع بتلك المعتقدات الباطلة ، مما دلني على أن الدين أخذ ظله يتقلص من الوجود وليس في هذا البلد أو هذا القطر بل الدين أصبح شماعة حائط كما يقولون ، وقد أكثر الزهاوي الفيلسوف من الدعابة والمجون …..! “الخ ]

ويضيف الأستاذ بطي فيقول : [” وقد قصدت دار العقراوي بعد ذلك فأطلعني على كتاب من ، أنيس زكريا النصولي ، يحوي الكنز كذلك بقوله ” ما عهدت الله أطرشا ً ” ! يا له من عصر الإلحاد ! وما أقل الأيام الباقية من عمر الدين !! ]

إنتهى كلام الأستاذ بطي .

هذا الكلام قيل وكتب قبل ثمانين سنة أو يزيد قليلا ! كتبه المؤلف وأنقله بدوري الى القارئ الكريم بأمانة ، وعند عرض ذلك الفلم أي تلك الوقائع ! تصور الإستاذ البطي وبقية المتحدثين أن في العرض القادم ما يفلت البطل المعمم وسيفه البتار ! أو ربما يختفي من الفلم ، وتصوروا أنه سيختفي بالضربة القاضية أو ينسحب ، خجلا من العلم والتطور والوعي .

وأعتقدْ إن ما دفع الزهاوي والجادرجي وبقية المذكورين الى هذا الإعتقاد و الى هذه الأقوال في تلك الأيام كان سببه قيام ثورة إكتوبر الإشتراكية في روسيا القيصرية وتأسيس الإتحاد السوفيتي على أنقاض الدكتاتورية القيصرية و تسلط الكنيسة على عقول المغفلين أ!! حيث كان رجال الكنيسة بوقاً لملوك أوروبا الدكتاتوريين وهم ، أي رجال الكنيسة ، ويحتفظون بإقطاعيات كبيرة وأكثرية الشعب معدم و جائع !!

وتبعتها حركة أتاتورك العلمانية في تركيا بقوة وعنف على أنقاض الخلافة الإسلامية بالإضافة الى ذلك أن الحكومة العراقية آنذاك أسست على أسس علمانية ، ومنعتْ رجال الدين من التدخل في السياسة ونفت رجال الدين الشيعة الى إيران لتدخلهم بالسياسة !.

قال هذا أولئك المتحدثون ، دون أن ينتبهوا أن هذا البطل ليس فقط يستعمله أزلامه المعممين لصالحهم / بل إستخدمه ملوك أوروبا من لويسات فرنسا الى قياصرة روسيا الدكتاتوريين القساة الظالمين لفرض الطاعة العمياء لهم بواسطة أزلامه ، أي أزلام البطل ، رجال الدين ولمنتفعين منه ، بالإبتهال الى الله والصوم والصلاة ليحل الله الرحمة بقلوب أولئك الملوك والقياصرة للرحمة والشفقة ، وإن ظلمهم للشعب ليس إلا قصاص الله لهم لأنه خطاة ، والله يسلط القساة على المخطئين ليتوبوا وأن حكم الأرض هو حكم الله متمثلا بالملوك ، وينصحون المؤمنون صوموا وصلوا ليشفق الله عليكم من خلال الملوك والأمراء ، والملوك والأمراء ماضون في إستهتارهم وإحتقارهم لشعوبهم !!! وبهذا كانوا يحافظون على أسيادهم مقابل محافظة أسيادهم على إقطاعيتاتهم الغنية الواسعة .

وإستخدمه الأتراك الطورانيين لأستعباد شعوب الشرق الأوسط بجميع أقوامهم وشعوب جنوب أوروبا ، وأصبح الباب العالي قبلة الشعوب العربية لحل مشاكلهم ولم يكن مشاكل غير إستعبادهم من قبل الخليفة، خليفة المسلمين !! أصبح قبلة لتقديم المظالم والمثول بين يدي خليفة الإسلام والمسلمين الطوراني . إستعمله ملوك العرب بأن إعتبروا أنفسهم حماة للدين فالملك فاروق أوعز للمعممين من أزلام هذا البطل بإعتبار نسبه الألبان أنه من نسب النبي محمد !، ونصح السفير البريطاني في العراق بعد وثبة 1948 العارمة ، نصح الحكومة العراقية بإيقاض البطل من سباته وإستخدامه لمكافحة الطوفان الشيوعي والديمقراطي في تلك الوثبة الجبارة ، فجيئ بالمعمم / محمد الصدر للتهدئة لمدة ثلاثة أشهر الى أن رتبوا أوراقهم وأمورهم وأعلنوا الأحكام العرفية ، وقالوا لسماحة الصدر : شكرا ، الى هنا إنتهت مهمتكم !!

وأستخدمه الأمريكان في جعل أتباع البطل مرتزقة لهم في أفغانستان وكوسوفو وإستخدمة أكثر واحد قتل من أزلامه وهو صدام حين لقب نفسه ب( عبد الله المؤمن) !وقائد الحملة الإيمانية وخط بيده ، عبارة ، الله أكبر ، وتحدى من يأتي بعده من أعدائه المعممين أن يلغوها! ، وقبلها أستعمله البعثيون والقوميون بتمزيق وحرق القرآن وإتهام الشيوعيين بذلك ايام ثورة 14 / تموز 58 وأبشع صورة إستخدم هذا البطل ، هم حكام وملوك العرب ، إستخدموه لإستعباد شعوبهم ولمزيد من الدولارات !!!

والآن تستخدمه عصابات القاعدة لقتل الأبرياء من كل الفئات واللأديان والطوائف وتستعمله المليشيات بالنهب والسلب والإغتصاب والتفجير والتهجير.

ويؤسفني أن اقول : أن الدين بدل أن يكون نعمة للفقراء والكادحين ، جعلوه لاعبو السياسة والإنتهازيين الطامعين بالجاه والمال والحال ، جعلوه نقمة للكادحين وعذرا إذا قلت: إستخدمه الساسة اللاعبون الماهرون كورقة ” جوكر ” للربح الحرام .

وقال الراهن الرابح : لزميله يا هذا إن هذا البطل لم ولن يقتل بالرشاشات ولا بالمدافع والقنابل ، هذا البطل يزيحه من الساحة القلم والفكر والعلم !! قلم وفكر كاتب القصة والسيناريو ، وسوف لن يمت لو شاهدت العرض آلاف المرات !! لأن السيناريو صيغ بطريقة يجعل المتتبع يتوقع موت أو إختفا ء البطل إلا شويا للتشوق ليس إلا !! فلا تتعب وتتعب فكرك وتخسر مالك بمتابعة الفلم طمعا في موت هذا البطل في هذا الفلم !!

وهكذا صيغ فلم وسيناريو العراق بطريقة يبدو للبعض أن المعممين وأشباههم كادوا يطبقون الديمقراطية( هالمّره إلا شويا )!! وفي المرة القادمة أكيد يطبقوها وينسحبون الى مقراتهم ، الجوامع والحسينات مع المتحذلقين !! وهكذا ننتظر من الفلم العراقي أن نصل الى العلمانية والديمقراطية الحقيقة في العرض القادم ، ولكن دون جدوى والواعين يضحكون علينا !! وكل مرة يقول المتفائلون :

بس ها المره ويخرج أزلام البطل برّه !!!!