الرئيسية » مقالات » الساكت عن الحق شيطان أخرس

الساكت عن الحق شيطان أخرس

بعد نشر مقالي السابق(موقع الطريق بين الخصخصة والانهيار)وردتني رسائل عدة،من أخوة ورفاق أعزة،فيها ما فيها من العتاب الكثير،وفي بعضها تأييد وإقرار لما جاء في المقال،وفي واحدة منها أشار صديق عزيز إلى أن المقال موجه لشخص الرفيق الجميلي،بما تضمنه من نقد لاذع لرفيق كبير كان له دوره المؤثر في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي،وكان الأولى أن يكون نقدي موضوعيا،وأن يأخذ طريقه الرسمي بدلا من أذاعته عبر وسائل الأعلام،وإزاء ذلك أود أن أوضح أني لا أكن عداء للرفيق العزيز،ولم يسبق لي التعرف عليه أو اللقاء به،أو العمل معه أو السماع بأسمه،فأنا من شيوعيي الداخل الذين انقطعت بهم السبل،ولم يطلعوا على الكثير من الأمور،إلا ما يصلهم عن طريق إذاعة الحزب أو نشراته التي قد تتسرب بطريق أو آخر،لذلك فأن القيادة الحزبية الجديدة لم تكن معروفة لدينا،إلا أشخاص قلة عملنا معهم أو عرفناهم بحكم المناطقية أو المعرفة الشخصية،أما الدكتور الجميلي فلم اسمع به يوما ما،وكان نجما جديدا أطل علينا بعد انهيار النظام السابق،لذلك فأن ما أشير إليه يمثل تشخيصا لواقع معاش،لا تسجيلا لتاريخ سابق،وليس لي سابق معرفة بالدكتور أو عمل وظيفي معه،ولم أختلف معه في أمر على الإطلاق،وما أكتبه هو حرصي الشديد على ابعاده عن المزالق والمنحدرات التي تؤثر سلبا على الحزب،وأن يبقى الحزب بتلك الصورة الزاهية التي كان عليها عبر تاريخه المجيد.
وإذا كنت قد أشرت إلى الخلل الإعلامي الذي واكب مسيرة الحزب بعد تسلمه لمسؤوليته،فسوف لا أضيف جديدا إذا أشرت إلى مواطن الخلل في عمله الوزاري،منذ أن تسلم منصبه كوكيل أقدم لوزارة الزراعة،ومثل الحزب الشيوعي العراقي فيها،حسب التقسيمات الجديدة التي سادت الدولة العراقية،فقد تبوأ منصبه هذا بعد تشكيل أول حكومة في العراق وظل فيه حتى كتابة هذه السطور،ومهم هنا أن أذكر بفخر واعتزاز أنه كان مثالا للشيوعي الشريف في نزاهته وأمانته وإخلاصه وتفانيه،فلم تؤثر فيه التوجهات الجديدة التي أتبعها المسئولين الجدد في تعيين الأقارب والأصهار ومنتسبي حزبهم،فقد كان بعيدا عن المطاعن والهنات وكان مثلا أعلى للمسئولين الشرفاء في هذه الناحية بما يستحق من الحمد والإكبار،ولكن لنا أن نتساءل ما الذي قدمه ممثل العمال والفلاحين والشغيلة الوطنية إلى شريحة مهمة أنصب نضال الشيوعيين في العالم والعراق بخاصة لأنصافهم وإنقاذهم من واقعهم المزري،وهل أستطاع وهو العصب الحساس في الوزارة أن يحقق ولو جزء ضئيل مما يناضل الشيوعيين من أجله، في رفع مستوى الفلاح العراقي وزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته،وها هي الزراعة العراقية تنحدر الى الحضيض في ظل الدولة الجديدة،فقد عادت الزراعة العراقية الى زمن الإقطاع والملاكين،واستعادوا سيطرتهم وسطوتهم على الكثير من الأراضي التي استولت عليها الدولة،ومارسوا من جديد دورهم السابق في الهيمنة والتسلط في ظل تردي واضح لإنتاجية الأرض التي أهملت إهمالا تاما في الزمن الجديد،وتحولت الى أراضي غير صالحة للزراعة،لعدم اهتمام الوزارة بشؤون الزراعة ومتطلبات الفلاحين،مما جعل الكثيرون يتركون زراعة الأرض ،ويعملون في المجالات الأخرى،لكسب ما يقيم أودهم ويوفر لهم العيش الكريم،وأصبح العراق الذي يملك نهرين كبيرين،يستورد من الدول الأخرى المنتجات الزراعية ابتداء من الحنطة وانتهاء بالخضروات،وأغرقت الأسواق العراقية بالفواكه والخضر الأجنبية وبأسعار مخفضة لا يستطيع الإنتاج العراقي مواجهتها أو مجاراتها،في ظل مخطط مرسوم من دوائر القرار الكبرى لخصخصة الأراضي الزراعية،وإجبار الفلاحين على بيعها أو استثمارها من قبل الحيتان الجديدة الوافدة من وراء الحدود،فما الذي فعله وكيل الوزارة الأقدم،الذي يعتبر في المعايير الوظيفية هو العقل المدبر لشؤون الزراعة،وهل أستطاع إيقاف هذا التدهور والانهيار،أو الحد منه وإنهائه،أم وقف مكتوف الأيدي وهو يرى الحالة المأساوية التي أنحدر إليها الإنتاج الزراعي هذه الأيام،أم أنه وضع في الواجهة أصلا لتمرير هذه المخططات التي ستأخذ طريقها الى النفاذ بفضل وجوده على رأس الوزارة،وهو ما لا نرضى أن يكون الاسم الشيوعي واجهة لبناء الكارتل الزراعي المدمر في العراق الجديد لنسلب بأيدينا ما حققنا من مكاسب الى الفلاح العراقي عند أقرار قانون الإصلاح الزراعي أيام المد المجيد.
وقد يقول قائل أن السيد الوكيل مغلوب على أمره،ولا يستطيع الوقوف بوجه التيار الجارف في ظل الأوضاع الراهنة،وأن التأثيرات الأخرى لعبت دورها في تفاقم الأوضاع واستشراء التردي الزراعي،أقول كان عليه كممثل حقيقي للفلاحين والفقراء أن يقف موقفا صلبا في مواجهة هذه التغيرات ،ويرفض أن يكون واجهة للتدمير المنظم للاقتصاد الوطني،وأن تتحول بلاد الرافدين وأرض السواد ،الى بلد مستورد للمنتجات الزراعية،وأن يركل هذه الوكالة بقدميه،ليظهر أمام الجماهير ،ويشخص الخلل،ويعلن عدم مسؤوليته عما يجري من دمار،ولكن سكوته عما يجري يجعله في مقام الفاعل الأصلي فيستحق اللوم والتنديد.
أما المسايرة والمداهنة،فليست من الصفات الثورية التي عليها الشيوعيين،وعليه أن يبرأ ذمته أمام شعبه ليعلن الحقيقة كاملة،فيحضا باحترام الشعب وتقديره،ويظهر المعدن الحقيقي للسائرين بدرب الشيوعية ،بما يملكون من مبدئية عالية لن تبليها الأيام.