الرئيسية » مقالات » قصتي مع ميخائيل عبد الأحد الذي جسّد الرجولة والشهامة الألقوشية

قصتي مع ميخائيل عبد الأحد الذي جسّد الرجولة والشهامة الألقوشية

غيب الموت الأنسان الشهم ميخائيل ( ميخا ، أبو مازن ) عبد الأحد منصور كوزا ، الصديق الوفي ، وافاه الأجل في القوش مسقط رأسه ، وها هي القوش تحتضن ابنها بعد عودته من مسيرة الحياة الطويلة الحافلة بالعمل والتعب ونكران الذات .

ماذا نعرف عن هذا الأنسان البسيط ؟ ولماذا يكون ميخا ابن استاذ ابلحد مثال حي للرجولة والشهامة الألقوشية ؟
كان هذا الرجل يعمل فنياً كهربائياً في الشركات قبل ان يفتح له محلاً للتأسيسات الكهربائية في بغداد وبالضبط في شارع النضال مقابل بانزينخانة العلوية ولأول مرة التقيت به كان يوم سفرنا من القوش الى دربندخان ، وكان صديقاً للمرحوم عمي كريم الذي كان يعمل ايضاً في دربنديخان .
كل الآلاقشة يعرفون المرحوم ميخا ( ابو مازن ) ، بأنه كهربائي ماهر لا يضاهيه كهربائي آخر في مهنته ، لكن هذا الرجل كان يحمل في جنباته روح رجل عظيم قل مثيله اليوم .

إن ادعائي هذا ليس خالياً من الحقيقة فقد حان الزمن لنكتب عنها وتصبح جزءاً من تاريخ القوش الحافل بمثل هؤلاء الرجال .
من غريب الصدف اننا في اواسط شهر شباط ، والحادث ايضاً يعود الى مثل هذه الأيام من عام 1963 م يوم وقع الأنقلاب الدموي في بغداد في 8 شباط من تلك السنة .
بعد أيام من وقوع الأنقلاب وفي منتصف الليل القي القبض علي من قبل الحرس القومي في منطقة البتاويين . لقد طرق أفراد من الحرس القومي الباب وسألوا أهل الدار، وهي عائلة مسيحية بسيطة من باطنايا . هل يسكن عندكم رجل اسمه حبيب ؟ ومن شدة خوفهم اعترفوا بوجود حبيب وارشدوهم على غرفتي فوق السطوح كما يقال .
فاقتادوني الى احد مراكزهم وبدأوا معي بالتحقيق ، وعلمت من نوعية الأسئلة انهم يقصدون حبيب آخر كان يعمل في عين زالة وكان ساكناً في نفس البيت وهو القوشي ايضاً . المهم بعد تأكدهم بأنني لست الرجل الذي يبحثون عنه أخلوا سبيلي في صباح اليوم التالي .
وعلاقة المرحوم ميخا ( ابو مازن ) بهذا الموضوع هو انني كنت اعمل في محله للكهربائيات وعملي يقتصر على تلقي المكالمات الهاتفية وبيع المواد الكهربائية ، وأتقاضى منه شهرياً 12 دينار ، وأداوم في المساء في الصف الخامس العلمي في ثانوية النجاح في البتاويين . وبعد ان تدهورت الأوضاع في بغداد وبعد اعتقالي وأطلاق سراحي قررت دون إبطاء السفر الى القوش والألتحاق بالثورة الكردية مع العراقي الألقوشي الكلــداني توما توماس .
وهكذا كان علي الذهاب الى المرحوم ميخائيل في محله لأستلم منه راتبي الى يوم 8 شباط يساعدني في الوصول الى القوش ، فذهبت الى المحل وكان لوحده وشرحت له وجهتي ، ونقدني بعض النقود وزيادة على ما استحقه ، فشكرته وقلت له :
إن سألوا عني فأرجو ان تقول لهم إن حبيب سافر الى البصرة ، وأنا بالحقيقة سأسافر الى القوش .
في هذه اللحظة بالذات دخل شاب ، وقال لأبو مازن : هل هذا محلك ؟
فأجاب ابو مازن : نعم ، فقال له الشاب لدينا اخبارية تقول بأن حبيب .. وردد اسمي كاملاً ، يعمل عندك فأين هو الآن ؟
وفي هذه اللحظة دخل أربعة أفراد من الحرس القومي مسلحين بالرشاشات . لم يرتبك ابو مازن ، ولم يحاول النظر نحوي وقان لهم :
نعم حبيب كان يعمل عندي لكنه ترك العمل منذ مده ولا أعرف اين هو الآن ؟
في تلك اللحظة بدأت اقلب المصابيح باعتباري مشتري في المحل ، ولا اريد ان اخرج من المحل لأثير شكوكهم . وتذكرت في تلك اللحظة ان هويتي المدرسية في جيب قميصي الذي البس فوقه السترة ، وبادرت حالاً الى الأنزواء الى داخل غرفة صغيرة ملحقة كمخزن للمحل وفيها مغسلة وسطل ماء نجمع فيه ماء الغسل لعدم وجود مجاري لتصريف المياه ، فمزقت الهوية المدرسية وأدخلتها في السطل الذي فيه الماء القذر وخرجت .
اشتدت لهجتهم مع ابو مازن مع تهديدات صريحة باجباره على الأعتراف. فظل ميخا مسيطراً على اعصابه قائلاً : أن الذي اعرفه ان حبيب يسكن في منطقة البتاويين ، وهنا التفت احدهم نحوي وقال لي من تكون انت ؟ أعطني هويتك ! فقلت :
ليس لي هوية ولا داعي لحمل الهوية حيث جئت لشراء مصباح من الأخ مشيراً الى ابو مازن .
وأردفت قائلاً امامه لأبو مازن : لما لا ترافق الأخوان الى البتاويين وتسألون هناك عن حبيب ؟
ويبدو ان اقتراحي هذا نال استحسانهم ، فخرج ابو مازن مع المسلحين ، ووقفت امام الباب في الشارع العام لأجد سيارة تكسي تبعدني من هذا المكان . وفي هذه الأثناء لمحت ابو مازن عند سيارتهم من الجانب الآخر من الشارع ، ثم رأيته يتركهم ويعود الى المحل . وفي هذه اللحظة توقفت سيارة تاكسي ، وبدون ان التفت اليه ، قال لي بالكلــداني ( أو ديّان أروق ، أن آريلوخ بـ … دينوخ ) . أي أذهب بسرعة وإن القو القبض عليك .. فردد مسبّة القوشية ..
انقذ الرجل الشهم ميخا عبد الأحد أبو مازن حياتي ، وكلما اصادفه في مجلس ما اشير الى ابو مازن وأذكر موقفه الرجولي .
بعد ان رتبت لي هوية للسفر ، وبينما أنا جالس في السيارة ( نيرن ) المتجهة الى القوش ، رأيت أبو مازن يودع بعض اقاربه وتفاجأ لرؤيتي ، فاستفسرت كيف تخلص منهم ؟ فقال :
طلبت منهم أرقام هواتفهم وأعلمتهم بان حبيب يتردد الى المحل ، وحال مجيئة الى المحل سأخبركم عنه ، وحلفت لهم الى ان صدقوني .
بعد اكثر من ثلاثين سنة من هذا الحادث اي في اواسط التسعينات من القرن الماضي . كان لي في الميكانيك مكتب ( القوش ) للمقاولات وتجارة الأراضي ، وفي مساء احد الأيام وقفت سيارة امام المكتب ونزل منها أربعة شباب ودخلوا المكتب ، وقال لي احدهم هل انت حبيب ؟
قلت : نعم ، قال : لقد أرسلني الوالد مع اخواني اليك وقال لنا عندما تصلون الى حبيب سيحل كل مشاكلكم .
فقلت له ومن هو والكم الذي اوصاكم بهذه الوصية ؟
فقال نحن اولاد ميخا أبو مازن ، وهنا نهضت من مكاني وبدأت اقبلهم ، وقلت لهم :
نعم إنكم وصلتم وستنالون كل ما تحتاجونه ، وكل ما قدمته بعد ذلك من خدمة لهذا الرجل ولعائلته الكريمة ولاولاده الشباب النجباء المؤدبين لا يساوي تلك اللحظة الرجولية الشجاعة التي وقفها ابوهم في ذلك الموقف المحرج .
باعتقادي ان الكثير من مواقف البطولة والشهامة والرجولة يسجلها أناس بسطاء دون دعاية ودون ضجيج ، وإن المرحوم ميخائيل ( ابو مازن ) واحد من الرجال الآلاقشة الذي سطروا مواقف شجاعة نبيلة . رحم الله هذا الأنسان الألقوشي الشهم وأسكنه الرب فسيح جناته ، ولعائلته الكريمة ولأخيه عابد ابو عدي ، ولاولاده النجباء المهذبين مازن وماجد ومالك وماهر والبنت المهذبة ميسون ، نتضرع الى الرب ان يمنحهم جميعاً نعمة الصبر والسلوان لفقدان والدهم العزيز .
حبيب تومي / اوسلو