الرئيسية » مقالات » تساؤلات في رحاب عاشوراء

تساؤلات في رحاب عاشوراء

1
في معظم دول العالم تقام احتفاليات و كرنفالات سنوية ،البعض منها بقايا لطقوس عبادية كتلك التي تجري في الصين أو تايوان ،نقلت التقارير الإخبارية إن أكثر من 3200 صيني وسائح قاموا ببناء تنين يبلغ طوله 10000قدم قرب سور الصين العظيم،حيث كانت هذه الكرنفالات في السابق عبارة عن طقس ديني ، ينتهي بتقديم أضحية غالبا ما تكون فتاة عذراء من اجل اتقاء شر التنين،لم يبق من هذه الطقوس العبادية غير هذه الكرنفالات التي أصبحت مدعاة لزيارة السياح وبالتالي إنعاش الوضع الاقتصادي للبلد، وإطفاء مسحة من المرح على طقوس كانت لها طابع مقدس.
لا شك أن حادثة عاشوراء هي حادثة مهمة في التاريخ الإسلامي، ولهذه الحادثة حضور خاص لدى المسلمين بشكل عام و المذهب الشيعي بشكل خاص في كل أرجاء العالم حيث يقوم أبناء هذا المذهب بإحياء ذكرى هذه المأساة ،بإقامة مجالس العزاء ،التي تتمثل بعدة أشكال منها ما هو ايجابي مثل ما يعرف بـ (التشابيه) وهي أعمال مسرحية صامتة على الهواء الطلق يجسد من خلالها الناس العاديون واقعة ألطف بشكل تلقائي وعفوي دون إلحاق أي أذى بالنفس أو بالآخرين. ومنها ما هو سلبي مثل مواكب الضرب على الصدور بقوة(اللطم) ،ومواكب (الزنجيل) ،(عدة حلقات من سلاسل حديدية مجتمعة مع بعضها لها مقبض خشبي) يقوم الناس بضرب منطقة الكتف اليسرى ثم اليمنى على إيقاع حزائني رتيب، مواكب التطيير ضرب هامة الرأس بالساطور (قامة)،وهدر الطاقة الكهربائية إذ تستخدم عشرات الآلاف من المصابيح لإنارة الطرقات، الغاية من وراء هذه الطقوس هو إبداء الأسى على فقدان الإمام الحسين ،وعزاءا للإمام المهدي اذ انهم يؤمنون بوجوده بينهم حيا يرزقا ،كما انهم يؤمنون ان الزهراء تحضر مجالس العزاء ،ولقد سمعت الشيخ المهاجري يهتف في جموع الحاضرين لسماع احدى محاضراته انظروا الى الزهراء انها عند الباب تفضلي سيدتي بأبي أنت وأمي يا سيدتي والغريب ان جموع الحاضرين التفتوا بحثا عن الزهراء ، يجمع كل من يراقب أشكال التعبير هذه على إنها عقدة الشعور بالذنب ،وهو تلذذ بإيذاء النفس.
المشكلة ليس في أن يكون للشيعة طقوس وكرنفالات ولكن المشكلة أن يعيش الإنسان بشكل حقيقي ويعتبر نفسه مسئول عن حادثة لم يرتكبها ،اقرأ معي هذا المقطع الذي كان يردد من قبل احد مواكب التطبير(يا علي جينا منك نعتذر لان ما نصرنا حسين بوقعة كربلاء).على الرغم من الفاصل الزمني الطويل بينهم وبين الحادثة.
سؤالي هو لماذا لم تستطع العقلية الشيعية أن تغادر مساحة العيش في المأساة إلى مساحة التعبير الرمزي عنها؟ ومتى ستفعل ذلك؟
كتب الأستاذ صادق اطيمش مقالا استعرض فيه جميع فتاوى المراجع الكبار من هم بدرجة آية الله العظمى التي تفتي بحرمة التطيير ومواكب الزنجيل كونها تسفيها للمذهب وتلحق الأذى بالنفس البشرية، وعلى سبيل التعزيز لما ذكره الأستاذ الفاضل، نقل لي احد الشيوخ الكبار أنّ وفدا من عشائر الجنوب زار السيد محسن الحكيم قبيل عاشوراء في نهاية الستينات من القرن الماضي، فأشار عليهم السيد بالتبرع بالدم إلى من يحتاجونه خير من التطبير فأجابوه بقولهم مولانا نتبرع بالدم ونطبر أيضا ،فيقول الشيخ: أن السيد الحكيم تبسم حينها وتمتم قائلا(لا أمر لمن لا يطاع) ،وكأنه إقرار منه على ذلك.
سؤالي هو لماذا لا يعقد علماء الشيعة من هم بدرجة مجتهد مؤتمرا عاما يناقشون فيه هذا الموضوع،ويصدرون فتوى مناسبة بهذا الخصوص؟
من المؤكد ان فتوى بهذه القوة من الإجماع ستلعب دورا ايجابيا كبيرا في الحد من الظواهر السلبية ،وتفح الباب أمام الكتاب والمثقفين لنقد هذه الظواهر بغية تشذيبها،وإظهارها بالشكل المناسب،كما وأنها تفتح الباب أمام المشرعين لتشريع قوانين من شأنها أن تحد من الظواهر السلبية التي تسيء للإنسان نفسه ومن ثم إلى مذهبه.
إلا إذا كانت هذه الغيبوبة للعقل الجمعي الشيعي تصب في مصلحة هؤلاء المجتهدين ،وكأن لسان حالهم يقول أيها العامي نم ونم كلما نمت بعمق فان خراجك عائد إلي.
إن احد أهم أسباب هذه الحلقة المغلقة التي يدور بها المجتمع الشيعي هي أن هذه الطقوس ما هي إلا حفلات من التنويم المغناطيسي الجماعي الذاتي ،فمن شروط التنويم المغناطيسي تغييب الوعي ومن ثم تحقيق اتصال مع اللاوعي لتبدأ المرحلة النهائية ألا وهي برمجة اللاوعي بما مطلوب ،فالإيقاعات الرتيبة المستمرة على نفس الوتيرة واللحن الغاية منها هي عزل وعي المراد تنويمه عن العالم الخارجي ،أما المرثيات والمحاضرات الدينية فيتم من خلالها حقن ما مراد من المنومين فعله،لذلك تراهم يستجيبون بشكل عجيب للقارئ حين يناديهم (ارفع أيدك هذا ابا عبدالله الحسين) فيستجيبون له ويبدءون بضرب الصدور بقوة أكثر،أنا للان أعاني من مشكلة أن بدني يقشعر حينما اسمع القارئ وهو يردد هذه العبارات واعيش لحظة من الصراع أظنها من مخلفات السنين الماضية ،لا شك عندي ان سبب القشعريرة الهرمونات التي يفرزها جسدي استعدادا لفعل كنت أمارسه سابقا ،فأصبح صوت القارئ بمثابة منبها غير شرطيا ،لهذه الهرمونات الجسدية. من يراقب مواكب التطبير لن يشك ولو للحظة ان الذين يقومون بهذه العملية هم غائبون عن الوعي وكأن أفعالهم لا إرادية، وهم يدركون على ما يبدو هذه الحقيقة، لذلك يضعون بينهم مجموعة من الرجال(يطلق عليه بالعامية العراقية شكافة) يحملون عصي طويلة وظيفتهم منع المُطبر من إلحاق الأذى بنفسه فيما لو فقد زمام السيطرة عليها تماما،وذلك بوضع العصا بين رأسه والساطور(القامة).
سؤالي هو من نوم هؤلاء ؟ وهل نومهم عن قصد أم أنها دائرة ذاتية انطلقت شرارتها الأولى منذ أزمنة بعيدة ،وان من يقوم بدور المنوم(أئمة المنابر) هم ضحايا ولا يختلفون عن الباقين إلا بالدور؟ ،رأيت ذات مرة عالما مجتهدا يلقي بنفسه من أعلى منبر يرتفع أكثر من مترين عن الأرض لحظة وصوله إلى قراءة المقطع الذي يقطع فيه رأس الإمام الحسين ،من المستحيل ان يفعلها في غير هذا الموقف وكأنه يستجيب لأمر لُقِن إياه مسبقا وأمر التنفيذ هو قراءة هذا المقطع تحديدا ،تماما كقصة الروزخزن(ذكرها الدكتور الوردي) الذي نوّم على أن يذكر الكفر وأهله بخير حالما تدق الساعة التاسعة في قاعة الجامع.
يبدوا لي المشهد مشابها لأحد الأفلام الهوليودية الذي تصور فيه كائنا هبط من الفضاء ابتلع ذاكرة الجميع وسلب عنهم هويتهم ليعيشوا هويته ،انفعالاته ،أحزانه ،حول الجميع الى أدوات من اجل ان يستمر اذ انه يستمد كل شيء منهم وجوده ذاكرته أحزانه وأفراحه.*
2.
الزيارة الأربعينية على الأبواب تمتاز هذه المناسبة بشيئين مهمين (علاوة على مواكب التطبير والزنجبيل واللطم ….)هما:
1. المسيرات الماراثونية إلى كربلاء حيث يقطع مئات الألوف من الناس مئات الكيلومترات سيرا على الأقدام ،ومن كافة شرائح المجتمع محامين وأطباء ومهندسين وعمال وكاسبين ،رجالا ونساء ،ومن مختلف الأعمار من الطفل الرضيع الذي يوضع في عربة ويدفع الى الكهل ،منهم من يمشي على اثنين ومنهم من يمشي على أربع(معاق يسير بمساعدة عكازين) ومنهم من يجر نفسه على كرسي مدولب ،على الرغم من الخسارة الاقتصادية والوقت الذي يهدر من غير إنتاج إلا أن الموضوع غير ذي أهمية في الوقت الحاضر على اعتبار أن الغالبية العظمى من العراقيين هم غير منتجين أصلا، اما عاطلين عن العمل أو موظف حكومي ومعظم الموظفين يصنفون ضمن قوائم البطالة المقنعة .
2. أما الشيء الآخر فهو كثرة المعجزات،فعن اي المعجزات أحدثكم، عن المشلولين يستعيدون قدرتهم على السير،والمكفوفين الذين يستعيدون قدرتهم على الإبصار، أم عن البهائم التي تذبح في سبيل الإمام الحسين وهي تنادي (يا حسين)،و دمها الذي يكتب (يا حسين) ، والطباخات التي بقيت مشتعلة على الرغم من نفاد الغاز عنها كرامة للإمام الحسين ،أم عن الشخص الذي رصد خمسة ملايين لإطعام زوار الحسين وكان يخشى أن المال لا يكفي وإذا به ينفق وينفق ويتفق ويبقى المال كما هو،يروي لي احد الأصدقاء انه استنجد بأحد التجار الأغنياء من اجل يتبرع لإنقاذ حياة طفلة مسكينة بحاجة إلى تداخل جراحي مستعجل في إحدى الدول المجاورة وأهلها من المعدمين فلم يتبرع هذا الغني سوى بخمسة آلاف دينار ،في حين انه تبرع دعما لأحد المواكب الحسينية ب(250000) دينار عراقي،و لا غرابة في ذلك لأن الدافع لتبرع هؤلاء هو مادي خالص إذ أنهم يظنون ان التبرع للمواكب الحسينية يزيد البركات ويدر عليهم بربح أوفر ،والأمر واقعا لا يخلوا من صحة ولكن السبب يكمن في إن الناس في تعاملهم اليومي يفضلون التعامل مع الأشخاص الذين يخدمون الحسين بحسب تعبيرهم ،فالموضوع دعائي خالص وليس بركاتي ،في حين إن التبرع لإعادة البسمة على شفاه طفلة مغامرة غير محمودة العواقب،ففي الحالة الأولى يستطيع ان يضع التاجر يافطة عريضة (خادم الحسين)، ولا يستطيع ان يضع يافطة في حال تبرعه لزرع الابتسامة على شفاه طفلة مسكينة ساقها القدر لتكون ابنة لعائلة فقيرة.
اسمحوا لي أن أقص عليكم هذه القصة الواقعية التي حالت الصدفة وحدها من أن تكون الحمامات الصحية لبيتنا مزارا ،ففي ليلة شتائية باردة بعد سقوط الصنم تماما كان التيار الكهربائي مقطوعا ،والمدينة يلفها ظلام دامس ما خلا بعض البيوتات التي تمتلك مولدا صغيرا ،طرقت جارتنا الباب و أخذت تقبل أمي بين عينيها وتبارك لها المعجزة ،سألتها والدتي أية معجزة فقالت رأس الإمام الحسين مرفوعا على الرمح قد ظهر كصورة على خزان المياه الذي يعلو حمامات بيتكم الصحية،طبعا أجهشت أمي هي الأخرى بالبكاء ما ان رأت الصورة التي تصفها بكونها واضحة للعيان، تجمهر الناس في واحدهم علا سطح الحمام واخذ يجهش بالبكاء ويلعن قاتلي الحسين والمنكرين لفضله ،والبعض الآخر هم بالاتصال بوسائل الإعلام للتوثيق ،في هذه الإثناء طار الخبر إلى أخي الذي يصغرني بسنتين ،يقول :كانت الصورة واضحة للعيان بشكل لا يمكن التشكيك به ارتعدت مفاصلي اتكأت على الجدار المقابل لبيتنا ،لفت انتباهي أن الصورة هي لأحد البوسترات التي تباع في الأسواق، وان احد البيوت لديه مولد أنار المنطقة الخلفية لبيته فسقط الضوء على بوستر لمّاع لرأس الحسين مرفوعا على الرمح وانعكست صورة هذا البوستر على خزان المياه لحمامات منزلنا فهتفت بالجميع وقطعت عليهم نشوة التفكير بماذا سيفعلون وشرحت كيف ظهرت هذه الصورة ،وهكذا انفض الجمع،ولكن أخونا الأوسط ما زال حانقا لأنه كان يخطط ان يكون هو القيم على هذا المزار الجديد،ويبيع الماء الذي سيصبح مقدسا بسعر لا باس به.
أنا لا أريد أن اقلل من مقام الإمام الحسين ولكن سؤالي هو لماذا هذا الارتباط الخرافي برموزنا التاريخية؟
ولماذا هذه المساحة الواسعة في العقلية الإسلامية عموما والعقلية الشيعية خصوصا لتقبل القضايا الغير منطقية؟
أنا أرى أن أهم أسباب ذلك تكمن في:
1. العلاقة مشوهة بين الله و الإنسان ،وهذا التشويه أدى إلى عدم الثقة بالنفس فالشخصية المسلمة غير واثقة من نفسها فهي تعتقد أن الأحداث اليومية ليس من صنع الإنسان وإنما هي من صنع الإله، والله يرسل لمن يرضى عنهم الخير ولمن يعاندونه و لا يرضى عنهم الشر،لذلك فعلاقته بالله وبرموزه الدينية علاقة قوة بعجز ،فهو لا يرتبط بالعاجزين الذين لا ينفعونه ،لذا فهو يمد شركاءه في هذه العلاقة بالمعجزات حتى وان كانت من صنع أوهامه ،وهو يفضل هذه الأوهام (دون أن يعي طبعا) على البقاء دون شريك يغذي وهم العجز المصاب به.ومن أهم أسباب إنتاج هذه العلاقة المشوهة نظامنا التربوي الذي يعتمد على المرأة بشكل شبه كامل، وبما أن المرأة في مجتمعاتنا كائن ضعيف وعاجز غير واثق من نفسه ،تستمد من علاقتها بالرجل إحساسها بالأمان ،انتقلت هذه الصفة إلى المجتمع برمته ،فعلاقتنا مع الله تشابه تماما علاقة المرأة العربية بالرجل ،فهي تخرج من ولاية أبيها إلى ولاية زوجها . وعلى هذا صارت علاقتنا المشوهة مع الله وبالا علينا إذ إنها تحرمنا من أن نقدر أنفسنا حق قدرها .
2. العقلية البدائية ،والتي حال دون تطورها الارتباط المشوه بالخالق(الدين)،الذي سبب كسلا علميا لهذه العقلية حال دون آن تأخذ مسارها الطبيعة في الرقي،حتى بدا الأمر وكأن العقلية العربية تجمدت إلى حد أصابها بالسكون وافقدها قدرتها على الحراك صعودا على سلم التطور الطبيعي.

الحلول
1. تصحيح المفهوم المشوه عن علاقة الإنسان بربه،من خلال المناهج الدراسية ،التي يجب ان تُعد بشكل ينمي قدرات الإنسان على الترجيح بين القضايا،وليس التنويم و حقن العقول بحرمة الشك الذي ينمي العقل ،ويقود الإنسان إلى معارف جديدة ستكون أساسا لمعارف أخرى وهكذا صعودا على جبل المعرفة الإنساني الشاهق الذي لا يستطيع احد أن يتكهن ارتفاع قمته .
2. إعادة تصحيح وضع المرأة لكونها ركن مهم وأساسي في بناء المجتمعات السليمة .
3. إنشاء نظام تربوي مؤسساتي تساهم فيه العائلة والمجتمع بكافة منافذه بشكل تكاملي
أنا لا أسعى من وراء مقالي هذا أن امنع الناس من ان تكون لهم طقوسهم ،وشعائرهم،فهذا حق كفله الدستور ونصت عليه لوائح حقوق الإنسان ،ولكنني أسعى أن تكون طرق التعبير سليمة وصحيحة وتفضي إلى نتائج لأنني وببساطة جزء من هذا النسيج ، أنا أسعى إلى أن اخلق عقلية ، قادرة على تجريد تاريخنا الإسلامي من كونه فعل الهي ،إلى كونه تجربة إنسانية يمكن ان تنقد وتستلهم لتنتج فعلا حاضرا متقدما ،فالأمم التي نصنفها الآن على أنها متقدمة اجتماعيا لم تتقدم إلا بعد أن فهمت التاريخ على النحو الذي أشرت إليه . 


العراق
20/2/2008