الرئيسية » مقالات » الأمني…والسياسي…علاقة وجدل !!!

الأمني…والسياسي…علاقة وجدل !!!

أثارت عندي قضية الخلاف بين مجلس انقاذ محافظة الأنبار والحكومة المحلية فيها قضية مهمة وخطيرة وهي طبيعة العلاقة بين الأمني والسياسي , فالتهديد الذي أطلقه الهايس وبعده مباشرة حاتم السلمان ضد اعضاء الحكومة المحلية في الأنبار قد فتح الباب أمامي لمناقشة قضية العلاقة الشائكة والمعقدة بين الأمني والسياسي , وطبيعة المشتركات التي يلتقي كل من الأمني والسياسي على جسرها بالأضافة الى نقاط الخلاف والأختلاف بينهما. وقد قادني هذا أيضاً الى طرح أسئلة متعددة لعل أهمها:
هل يمكن للأمني الناجح أن يكون رجل سياسة ناجح ؟
وهل يفترض النجاح الأمني بالضرورة نجاح سياسي ؟
وهل الأسس العملية لرجل الأمن يمكن ان تؤهله لكي يكون رجل سياسة وحكم وادارة ؟
المثال الذي أمام اعيننا الأن هو ماحدث في الأنبار حيث كما يعلم القارئ ان عشائرها قد استطاعت ان تفعل مالم تقدر عليه القوات الحكومية ولا القوات الأمريكية حينما سحقت هذه العشائر تنظيم القاعدة في الأنبار بعد حرب شاملة اعلنها المرحوم الشيخ ابو ريشة على هذا التنظيم الذي ارتكب مجازر فظيعة في محافظة الأنبار, كما فعل ذلك في محافظاتنا الأخرى, وقد كان أغلب أن لم اقل جميع هؤلاء من رجال الأمن , لابمعنى رجال أمن النظام السابق كما قد يفهم البعض , بل بمعنى رجال معارك وساحات قتالية , وهم قد واجهوا القاعدة بضراوة وأستخدموا عين القوة التي مورست تجاههم ولم يكونوا أصحاب نظريات أو رؤى أو أفكار دبلوماسية في تعاملهم مع القاعدة , لهذا أنتصروا لعدة أسباب منها موضوعية وأخرى ذاتية معنوية لامجال للأسهاب فيها الأن.
وبعد أن أنتصر هؤلاء على تنظيم القاعدة وطردوهم من أرض الأنبار بدأت تظهر في نفس المحافظة تشكيلات جديدة منشقة او تابعة للصحوة ولكل منها قيادات ومجاميع ورؤساء تصرح هنا وتعقد مؤتمرات وندوات هناك وتطالب الحكومة بكذا وكذا وكل منهم يحاول أن ينسب أنتصار الأنبار على القاعدة لنفسه , وهو أمر معروف تاريخياً أذ يدعي الجميع الأنتصار حينما تضع المعارك أوزارها في حين أن الكل يتنصل من تحمل مسؤولية الهزيمة أن حصلت في نفس المعارك والحروب .
وبدأ بعض من هؤلاء يطالب بالحكم والدخول في الحكومة المحلية في الأنبار وأن يكون لهم قرار سياسي في أدارة شؤون المحافظة, وأن يكون لمقاتليهم حصة في تعيينات قوى الأمن التابعة لوزارة الداخلية والدفاع , وهو حق شرعي واستحقاق وطني أن كان لهؤلاء الرجال دور حقيقي في أنقاذ الأنبار من الفوضى والقاعدة…ولكن لابد أن لانخلط بين المطالب المشروعة والغير مشروعة من جهة فضلاً عن المطالب المشروعة واليات تنفيذها بصورة قانونية أو بصورة غير قانونية من جهة ثانية , حيث يجب تمحيص المطالب بدقة وفرز الموضوعي والواقعي منها من الخيالي والطوباوي والمستند الى أمور شخصية .
أن على من تصدى لحرب القاعدة في محافظة الانبار ان يدرك نقطة مهمة ، ان العمل الوطني ليس له ثمن ولا يجب ان يكون امامه مقابل والا لما يصح اطلاق وصف وطني عليه ، فتحرير العراق من الارهاب والعنف والمليشيات وكل القوى الخارجة عن القانون هو هدف وطني وشرعي يجب ان لاتختلط معه وتشوبه شوائب اخرى براغماتية , نعم المراكز والسلطة والقوة المعنوية والمادية تاتي بعد ذلك لامحالة بالتدريج والخطوة الهادئة بعد الخطوة .
كما لابد للسلطة _ طبقاً لهذه المعطيات والحقائق _ أن تكون بيد الأكفئ سياسياً والأقدر دبلوماسياً على أدارة ألأزمة والسيطرة عليها والأمساك بخيوطها , بينما رجل الأمن والعسكري لايقدر على ذلك في مرحلته الراهنة ، حيث في رأيي الشخصي , أنه لايجب على رجال الأمن ان يعملوا مباشرة في السياسة ويُباشروا تقنياتها والياتها لسببين :
الأول: لانهم رجال تطبيق ومعركة وارض وواقع لا رؤى ونظريات وأطروحات وتنظير, والسياسة تحتاج الى عناصر نظرية وفكرية في مستواها العمودي . لكن هذا الرأي لايعني الأقصاء والأبعاد من عالم السياسة ، وأنما يعني الأبعاد الأرادي عنها لفترة محددة حتى تختمر لديهم عقلية السياسي وتنضج لديهم ملكة السياسة .
الثاني:
لابد لكي ينتقل الأمني الى السياسي أن يكون ذلك وفقاً لأطر القانون والدستور والشرعية التي تحكم البلد , والا لكان حالهم يشبه حال من قاتلوهم بحجة ارتكاب الجرائم والخروج عن القانون والشرعية , فالخروج من بوتقة الأمن الى بوتقة السياسة ، لابد أن يتم , أستناداً للقانون ، واليات اللعبة الأستراتيجية ، وقواعد الطبخ السياسي , وقد قال الاستاذ الهاشمي ذلك بوضوح في زيارته الأخيرة الى الأنبار تعليقاً على مايحدث فيها حيث أشارالى أنه ” من حق المواطن أن يطالب بالإصلاح وتحسين أداء مجلس المحافظة ومن حق المواطن أيضاً المطالبة بالتغيير إذا لم يتحقق الإصلاح, لكن ذلك ينبغي أن يكون من خلال النشاط السلمي في إطار العراق الجديد”. فالعراقي لايقبل أن يعود زمن الأنقلابات والدبابات وبيان رقم واحد وأستلام السلطة بواسطة السلاح والقوة !!! ولعل مافعله الهايس مثال على هذا الأمر المرفوض وذلك حينما يهدد باستخدام القوة بعيداً عن شرعية الحكومة , فهذا أمر مرفوض ولايمكن قبوله أبداً كما اشار الى ذلك الامين العام لحركة صحوة الأنبار الشيخ أحمد ابو ريشة , والأمر لاينطبق على الأنبار فقط بل يشمل كل محافظات العراق من جنوبه الى شماله .
أن السياسي يختلف عن رجل الأمن في الرؤى والأساليب والمناهج والمنطلقات…..فالسياسي _ مثلاً _ يقول للكلب أيها الكلب الجميل الى أن يتمكن من التقاط حجر لكي يضرب بها رأسه …بينما رجل الأمن لايستطيع أن يمارس هكذا تكتيك . والسياسي _ أيضاً _ يقول لك اذهب الى الجحيم بنفس الطريقة التي يقول لك فيها اذهب الى رحلة جميلة بينما يعز على رجل الأمن أن يقولها على هذا النحو الألتوائي .