الرئيسية » مقالات » القاص القروي ! *

القاص القروي ! *

 
الشهيد القاص حميد ناصر الجيلاوي

كيف يمكن الكتابة عن شهيد … ؟ وإذا كان هذا الشهيد كاتبا، وأيضا مناضلا شيوعيا ؟ هل تتم الكتابة أولا عن قضية استشهاده ومواقفه في أيامه الأخيرة؟ أم عن سيرة حياته الإنسانية؟ وعن ماذا يتم البحث وتركيز الضوء؟ وإذا خرجنا بجواب شاف من هذه الحيرة ، فكيف يتم الكتابة عن مناضل، كان علما بين أقرانه في شؤون الثقافة العراقية ؟ باختصار كيف يمكن الكتابة عن الكاتب الإنسان والمناضل حميد ناصر الجيلاوي ؟
يقول الناقد الفرنسي ( روجر غرينير) في مقال نشره في الملحق الأدبي لصحيفة لوفيغارو في عددها الصادر في 22 تموز2004 ، بمناسبة مئوية الكاتب الروسي (انطوان تشيخوف): “يخالجني، دائما وأبدا، إحساس بأني أعرف تشيخوف بصورة أفضل مما أعرف الكثير من هؤلاء البشر الذين يقاسمونني، يوميا، شؤون حياتي”. وسبب هذه المعرفة ، كما يشرح لنا الناقد : “إن تشيخوف نفسه هو الذي يسهل هذا الأمر” لان معرفة أي كاتب، كما يراها الناقد، ” لا تتم عن طريق تتبع حياته اليومية، بقدر ما تتم عبر قراءة أعماله الإبداعية”، وهكذا باعتقادي فان محاولة لسبر أغوار كاتب مثل الجيلاوي، وفهم مواقفه وقضية استشهاده وجوانب من شخصيته لا يمكن أن تنفصل عن عملية إبداعه. ومن اجل فهم الجيلاوي الإنسان الكاتب والمناضل، يتطلب جهدا للبحث في ما ترك لنا من كتابات منشورة، وأخرى غير منشورة تنتظر أن يتم العناية بها ونشرها، حتى يمكن للقارئ ومن خلال كتاباته ترسم خطاه وأفكاره وهواجسه، حيث يمكن تلمس تضاريس همومه وآماله الإنسانية، ليجد فيها محبيه جذور شخصيته ومواقفه التي قادته إلى رسم خاتمة حياته البطولية. وسنحاول التوقف عند مجموعته القصصية (بيت للشمس والشجر)الصادرة عام 1973 في بغداد، حيث وبدءا من عناوين قصصه، يمكن تلمس ما يتحدث به عنه معارفه وأهله، كونه ابن هذه الأرض بمعناها الدقيق، والقروي النبيل، الفلاح المثقف،ابن البيئة الريفية والقرية وناسها الفقراء، فعنها يتحدث ومنها يستمد شخوصه وموضوعاته وتوريته وأمثاله ولأجلها يعمل بتفان وإبداع. فبدءا من عنوان المجموعة القصصية (بيت للشمس والشجر)، وإصراره على مفردات العنوان ثانية في الإهداء ( إلى البيت الكبير الذي ستغمره الشمس ويتفيأ في ظله الشجر) حيث حملت هذه الكلمات المعدودة آماله وأحلامه بوطن يتسع للفرح والحياة، نجد هذا الإنسان مترعا بالآمال لحياة أفضل لأبناء القرية، الفقراء أبناء البيوت الطينية. فالشمس عنده هي أم الزرع والفرح والحقيقة ورمز المستقبل السعيد، وهكذا نجدها أيضا حاضرة دائما في تخطيطاته ورسومه، والشجر عنده علامة الحياة والشموخ والرفعة والديمومة، ودائما تسير هذه الكلمات مع بعض بتواز جميل لترسم صورا عبقة برائحة الزرع وترافة مويجات النهر، ففي كل قصص المجموعة يعبر حميد ناصر الجيلاوي بأكثر من صورة عن التصاقه بحياة الناس الفقراء في القرية، سكان الأكواخ والبيوت الطينية، وهموهم وتطلعاتهم الإنسانية. ولو قام القارئ بجرد الكلمات التي تتكرر باستمرار في قصص مجموعة (بيت للشمس والشجر)، لوجدنا أن المفردات التي تشير إلى القرية والحياة في القرية هي الغالبة، وقد عمدت أثناء مراجعتي للمجموعة بوضع علامة ملونة ـ بالصدفة كانت بقلم اخضر ـ عند تلك الكلمات مثل القرية ،البيوت الطينية، الأكواخ ، أشجار، سواقي، نهر، الجرف ، كلاب، أغنام، أبقار وغيرها، لأجد بعد الانتهاء من قراءة المجموعة أن اللون الأخضر صار يلون كل صفحات الكتاب. بل أن حميد ناصر الجيلاوي في قصص المجموعة قلما نجده يذكر المدينة وبيوت المدينة أو شوارعها المزفتة والحياة فيها، حتى وان وجدت إشارة ما فهي محكومة بضرورة النص الذي يدور أساسا عن هموم إنسان اضطر للابتعاد عن الحياة في القرية ، بل أن الانتماء للقرية يجعل أبطال قصصه، الذين يتماثلون معه في الانتماء إلى القرية ينظرون إلى المدن بريبة شديدة وتوجس، هاهو “شبارة بن صحين”، في قصة(محنة الذئب البري )”المعجون ببول الماعز والأغنام والمتماسك بحليبها وروبها ” ص 29، حين يضطر إلى الهجرة إلى المدينة بحثا عن عمل، ينظر إلى المدينة في تداعياته بوجل عاكسا موقفا رافضا للكاتب ضد هجرة الفلاحين إلى المدن:
ـ لم تقابل وجه الله في هذه المدينة المتراصة، المنازل تسحق المنازل، والأبواب تحتضن الأبواب شزرا تنظر ، تبتلع البشر وتقيؤهم مع الغبش … ص 32
ولم يقدم لنا الجيلاوي، وهو المناضل الشيوعي، قصصا أيدلوجية، ففي قصص المجموعة لا نجد دعاة حزبين ومنشورات ومراسلين حزبيين وأجواء اجتماعات وخلايا سرية، أبطاله ناس عاديون، من أهالي القرية، هامشيون في الحياة، همومهم ذات طابع أنساني، مفعمة بالتطلع إلى حياة أفضل. في قصصه يرسم صور متنوعة لحياة الإنسان الذي يناله الظلم والغبن، سواء لوعة الفلاح الذي يطرد من القرية لإصابته بالجذام في قصة (رضى الرجل الذي طردوه) ، أو تلك العجوز العمياء التي تظل قلقة من اجل أن تكون حياة ابنها وزوجته وأطفالهم تسير على ما يرام، وهي تعاني الإهمال الشديد من زوجة ابنها في قصة (الجدة العمياء)، أو حين يتحدث عن أحلام طفل في قصة (الرغبة) حيث يضطر للعمل حمالا في توصيل ما يتبضعه ميسورو الحال إلى بيوتهم، لكن عوالم الطفولة والرغبات البريئة في داخله تتحرك حين يرى أقرانه يمارسون ألعابهم. لم يتوقف عند سكان القرية نساء أو رجالا ليلتقط منهم نماذج لأبطال قصص المجموعة، هاهو في أكثرمن قصة يتناول حيوانات القرية، ففي واحدة من أجمل قصص المجموعة التي تحمل عنوان ( نحو الجرف) يذكرنا بالشاعر الروسي (سيرغي يسنين) الذي قال عن نفسه ( أنا آخر الشعراء القرويين) مشيرا إلى ارتباط موضوعاته بالقرية الروسية، وفي واحدة من أجمل قصائده يتحدث يسنين عن كلبة رمى صاحبها جراءها إلى النهر لأنه لا يتمكن من إطعامها، ويصف لنا مشاعر الكلبة حين راحت تجري على ضفة النهر، بحيث يقال ان مكسيم غوركي في منفاه بكى حين قرؤا القصيدة أمامه، أما كاتبنا الجيلاوي، ففي قصة (نحو الجرف) ، يتابع محنة كلب وهو يتعرض إلى عبث الأطفال، واضطراره للفرار منهم بإلقاء نفسه إلى النهر، ولكنه وهو يصارع الموج وتيار الماء يغمره والغرين والسرور لقرب لحظة وصوله إلى الجرف الآخر حتى يفاجئه اندفاع أطفال الجرف الثاني لاستقباله بالحجارة. أي لوعة يخلقها الكاتب في نفس القارئ ونحن نرقب الصورة التي يرسمها القاص لعيون الكلب وهي ترنو إلى الجرف والحجارة تنهال عليه من الأطفال العابثين، والكلب يحتمي بالجرف والدم يسيل منه ويتشبث بعنف وإصرار في شق طريقه بين الحجارة ويكافح للنهوض على أطرافه المتعبة للنجاة بنفسه ؟ أما في قصة (العصفور) نقابل عصفورا عاديا وتشبثه بالحياة والطيران وعوالمه، وهو يواجه محنة مطاردة الصقر له، وكوابيس مخالبه. في قصص الجيلاوي نجوس معه وندور في القرية العراقية، تلك القرى الفقيرة بدروبها الموحلة وأكواخها الخفيضة السقوف، والغافية على جرف نهر “الغراف “، الذي يرد ذكره في أكثر من مكان، ونرى بيوت الطين ونسمع خوار الأبقار ونباح الكلاب وزقزقة العصافير. يأخذنا الكاتب في قصصه لندفع أبواب الأكواخ الفقيرة، ونتعرف إلى الناس المسحوقين، مثل العجوزين اللذين فشلا في الإنجاب ويعيشان وحشة أيامهما في قصة ( العجوزان). ومن بيئة القرية ، وحياة أهلها نجده يستل كل التشبيهات والتوريات التي تدفع بالنص ليكون عميقا ومعبرا، والصورة مفعمة بالحركة والإيحاء، فالمراة، في ( مصرع عويد بن أرخيصة) ، والتي فقدت زوجها مبكرا وهي شابة تكون عنده مثل الفرس:
ـ كانت في عنفوانها تصهل رغبة وتتقافز كالمهر الحديثة الركوب … ص 55
أو حين يصف حال بطله، الطفل ، في قصة ( الرغبة):
ــ قدميه الوسختين كقدمي دجاجة سوداء الأرجل … ص 22
وأما شدة ونوع الصداع والدوخة التي يشعر بها بطله مزعل سوادي في (عذاب مزعل سوادي) فهي:
ــ داخ راسك … تحس به ينعصر بين صخرتين لا ترحمان أو كمن يهوي عليك بشفرة فأس … ص 9
والقرية في القصص عند الجيلاوي المعادل للوطن كله، فهو يرى الوطن من خلالها، ويرى حال الوطن من خلال حالها، ويرى مستقبل الوطن وناسه من خلال حياة وهموم ومستقبل أهل القرية. فالقرية عنده لا تزال تعيش حالا مزريا، ناسها يعيشون الوحشة والظلم الاجتماعي والانسحاق. وهكذا نلمس في كل قصص المجموعة، لا توجد هناك محنة فردية ، ثمة شئ مشترك بين الناس، أبطاله يتحدثون عنه، في قصة (المطر الليلي) نجد بطله يحدث نفسه:
ـ قلت في نفسك أنا الساهر الوحيد تحت هذا الليل والمطر .. لا اعتقد ذلك … فالكلاب السائبة تجوس خلال الطرقات الموحشة وتحت شرفات المنازل وأناس يسعلون على أفرشتهم تحت أكواخهم وشيكة الانهيار … ص 65
ورغم كل هذا الحيف الذي يعانيه أبطال قصصه، إلا أنه يظل متمسكا بالأمل، وهو يقدم لنا بكفاءة ومن خلال حيوية لغته وصوره النثرية، التي تنطلق من واقع معاش يحاول أن يمزجه بروح الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل للإنسان، من خلال مساعدة القارئ بامتلاك شعور عال بإمكانية تغيير هذا الواقع نحو الأفضل. فقراءة قصص الكاتب يمكن أن تكون على عدة مستويات، مستوى الواقع المعاش، ومستوى رمزي يتجاوز الحالة القصصية التي توردها القصة، فالعصفورعنده يكف أن يكون عصفورا مهددا بالموت بين مخالب الصقر، يمكن أن يكون أي إنسان مهددة حريته وحياته بقوة غاشمة، تحاول أن تسرق منه بهاء الحرية. وهذا يقودنا إلى محاولة فهم تمسك الكاتب بالشمس وحضورها الدائم في قصصه، فهي ومثلما وجدناها في عنوان المجموعة والإهداء نجد أشعتها تخترق كل صفحات الكاتب، لتقودنا للتفكير إلا أنها تتوقف عن كونها شمسا عادية لتكون معادلا موضوعيا لما يمكن أن يتوارد إلى ذهن القارئ من التفكير بحياة أفضل لإبطال القصص، أبناء القرى الفقيرة، الوطن الفقير، المهدد بالذئاب والصقور والليل، الذين دائما يحلمون ويأملون بحياة أفضل، هاهو احدهم يقول لنا وبوضوح في قصة (الحزن ) :
ـ ليس ثمة حزن دائم … ص 50
وعليه ، فليس عبثا أن آخر قصة في المجموعة تنتهي بحوار عن الشمس، هكذا :
ـ أين هي الشمس يا علاوي
ـ أنها في كبد السماء يا جدتي
ـ حسنا أن الشمس لاشك ساطعة كالذهب وتلوح تحت سمت ازرق شفيف … ص 79

* مساهمة من ملف عن الشهيد القاص حميد ناصر الجيلاوي ، نشر في الثقافة الجديدة العراقية العدد المزدوج 322ـ 323 / كانون الاول 2007