الرئيسية » مقالات » خزين اللآمرئيات للروائي العراقي الكبير فؤآد التكرلي

خزين اللآمرئيات للروائي العراقي الكبير فؤآد التكرلي

استنسختُ لأرشيفي الشخصي ، قبل قرابة عام ، ورقة من مجموعة التكرلي ” خزين اللآمرئيات ” ورقة واحدة مثيرة للاهتمام ، مع اعجابي بكامل المجموعة . انها تعني لدي ّ بشكل خاص قيمة ما ، وقد لا تكون كذلك بالنسبة لسواي . انها عن قصة – وانغمرت بصمتي – المنجزة في تونس – تموز 2002 . نعم انه الصمت انها النهاية المنغمرة بالألم وبصور الماضي الذي ليس لها الاّ ان تـُلتقط او ان يبحث عنها في ظلام الذات .. وكما قال الأديب الكبير توفيق الحكيم ان السعادة تعاش اما الأحزان فتكتب . ! وبذا راحت قصة الحياة تنهمر على آلة الطابعة بتعثر ” بسيط ” من يد التكرلي في مسيرته الحاسمة كما حسم اتونابيشتم مغزى الحياة وأجابت عليها النادلة الحكيمة سيدوري . لكن المحطة الأخيرة للحدث وأي حدث هو الذي يكسب الشاعرية ألما والألم شاعرية .
يُستفاد من بيرنارد شو عندما لايبدأ النوم مسترخيا على الوسادة مباشرة كمحطة يومية لمنجز النهار الاّ بأن يستعيد ” خزين اللآمرئيات ” ليرى كم من الأخيلة والأشباح التي لاينال منها الزمن قد مرت من أمامه مرئية او غير مرئية… كم من التصويبات والأخطاء … كم من النجاحات والخسارات قد حققناها والخيبات حصدناها …
نعم ينتهي الحدث لكن صورته المفرحة او المحزنة هي العالقة والتي يعبر عنها التكرلي : “بمسميات وضرورات لاينال منها الزمن ” .. كل شيء ماض ٍ … كل شيء ينتهي الى الوجع النهائي ، وينتهي الجسد الى فراش السقام ، قد يقوم بنقاهة كسيرة ليكتب آهاته الأخيرة ولوعاته النافلة لكن هذه المرة قد غادر التكرلي ونأى عن فراش بارد في المستشفى والطابعة القديمة والأصوات هنا وهناك … لكن ظل هو اديبا في الذاكرة بمعنى ما ، منارا في الألم والسعادة…
ظلت الأسماء أسيل ورواء وعبد الرحمن وآخرون صورا في سطور يحملها الزمان الى حين . وأروعها أن تكون صورا لماضٍ فاتن ٍ في الذاكرة ، وهنا حكمة بيرناردشو بأن يفرد في كل ليلة وقبل نومه خمس دقائق للتفكير بما مرّ وذلك من أجل ان يصحح او يتجنب ما مارسه اليوم ومن اجل ابتسامة بدلا من دمعة ، رحمة بدلا من ظلم ، أناقة بدلا من فوضى ، وئام بدلا من كسر خاطر او إبكاء وإدماء … يالروعة بيرناردشو ، يالروعة النادلة في ” اسطورة جلجامش ” التي نصحت وأجادت بنصيحتها أن يمضي الانسان الى الاعتناء بروحه وثوبه وولده وزوجه ، فجمالية الحياة تكمن هنا ، أي مع من نعيش ونحب ، وأن نأخذ الصور الرائعة معنا في خاتمة الحياة وأن يكون خزين مرئياتنا مليئا بصورة ” أسيل ” وصوتها : الموسقات ، وصورتها النيرة … أما الذي لانقوى على ان نراه كخزين في العمق ، فماعلينا الاّ التفكر والتوغل به او اعادة الاعتبار له او لنا من خلاله ! .
ان صورة السعادة في الذاكرة هي قمرالهناء على ذرى العمر.. أما الألم الذي نتركه في ثمالة كأس الحياة فهو ابتداءاً جهلنا بأن الجمال هو ليس محاسن الوجه وستائر ليلة حمراء وانهدال ضفيرة ، وغنج حوريات ، وسمر عابر ، انه الدفء الانساني للعلاقات ، انه العدالة كقيمة روحانية صادقة، الصداقة الفاضلة وفق مبدأ اللذة الابيقورية .. السعادة موقف شجاع ازاء قضية الدفاع عن التساوي في الحقوق بين الناس ، محبة المرأة والإعلاء بشأنها وحياتها وكرامتها كما ارتقى بيرناردشو في ” سيدتي الجميلة ” بالبطلة إلآيزا الى أرقى الذرى في المجتمع ، وكان بذلك رافعة المرأة الحضارية التي ابهرت الأرستقراطيا الأنجليزية بإمكانيات امرأة فقيرة بائعة ورد قد تعلمت ونطقت دررا وفق تطبيقات علم اللفظ والصوت ” الفونوتكس ” وحازت على الألمعية وجسدت موضوعة اشتراكية الثقافة .
انه من المهم والبطولي أن تعمل للارتقاء بالانسان في علم العلم لا علم القتل ، في التطوير لا في الاهمال والنبذ والاقصاء .
ان ” أسيل ” الموسيقى والنور هي المرأة الانسان التي نحلم بأن تظل في خزين مرئياتنا حتى اللحظة الأخيرة من الحياة هي البارومتر الحساس لكرامتنا بمعنى عدالتنا وعشقنا .
خزين اللآمرئيات هو الآخر يعلمنا ان كل مايبقى من هذا الصخب ، منظورا او غير منظور ، سوى صورة … مجرد صورة ! فياليتها تظل نقية روحانية – لا اعني دينية أبداً- انما الاحساس بالغيرية ، الشعور بالآخر … المحبة المطلقة، كليّانية الحب لا جزئويته الدينية والمذهبية ، ان تكون الالتفاتة الأخيرة في وداع الحياة ونحن ننظر لأنفسنا باحترام . النظرة الاخيرة ونحن في مسرّة طافحة لم يلوثها اغتصاب حق ولانهب انسان واستلاب صديق او عدو ، ولا جرح مشاعر ولا كسر خواطر ولا اغتياب ولا قتل ولا كذب ولا خديعة ولا …. الى آخره مما يقترفونه كل يوم في الواقع المر المعاش في هذا الزمن الرديء الحاشد بالخيبات.
ان خزين اللآمرئيات سيُداهم كل واحد منا ليرى ويتعظ بنفسه ، فالذات وحدها مدرسة . والحكمة والفلسفة صفها الأخير ودرس آخر العمر ! ومن ياترى يقوى ان يبدأ من حيث يجب أن ينتهي ؟ . وكيف نختطف اللقطة الأخيرة ونحن في جهالة وصبا من وعينا وميعة من أفكارنا ؟ هل يمكن ذلك ؟ نعم ؟ ربما ؟ مستحيل ؟! تلك هي المفارقة التي صمام امانها أن ندنو من الجمال بابتسامة الفراشة كما قال بابلو نيرودا في التـَوْق الأول من الحب .

*******
توق ٌ أخير : اقتباس كوني أثير وبليغ ” ليكن دنوّ َكَ من الناس لـِينا ً ورحمة “.

20/2/2008