الرئيسية » مقالات » ذاكرة من طحالب

ذاكرة من طحالب

كلنا، نحن الذين نعيش هاجس الخروج من دوامة الركود وبراثن الصمت والكبت، متخذين من الادعاءات أهازيجاً لفرح طال انتظاره، ومن المشاريع والمواقف، مستقبلاً لما يكتمل بعد، ترانيمه وطقوسه وركائزه، لم نزل ننشد اللحاق بركب الموجة التي نتخيل أن فيها ملاذنا، وعليها تحقيق لآمالنا وأحلامنا، تلك التي طالما نعيش الحرمان من أجل الوصول إليها، ونتحمل تبعات القهر والحرمان، كوننا نتخيل أننا سوف نشد الرحال إلى حيث فضاءات، نمتلك القدرة على التكيف مع متطلباتها، دون أن نعود بالذاكرة إلى حيث السؤال الذي بقي أسير البحث عن ذاته، وتلكم الإجابات الحائرة ضمن صيرورة الانزلاقات، التي أصبحت جزءاً متمماً ومكملاً لما نحن عليه، من خواء ووهن وفقدان لمشروعية وجودنا، حينما نجد أنفسنا في موقع المواجهة مع الحقيقة، وهي في أسطع تفاصيلها، ونكون مرغمين حينها على لفظ ترانيم العشق وهي تجابه المزيد من الانكسار، في زمن بات التملق والتسلق سمة من سمات الطغاة ومن هم في خندق المواجهة معهم، وكأن بنا نحاول ترميم الإنسان بما يتطلبه الواقع من تكييف مع الخنوع ومجاراة مع الذل والهوان، دون أن نمتلك القدرة كي نجيب على السؤال الذي يبحث عن مبتغاه؛ كيف لنا أن نمهد لبناء الإنسان من الداخل، وننفخ في شرايين الصحوة كي تستعيد ما كنا نسميه بالقيم والمثل النبيلة، تلك التي تأبى لأن يتحول الإنسان إلى مجرد أداة محاكاة أو بوقاً أو ما شابه ذلك ..
إن الآفة الحقيقة التي تجتاح سكوننا وسكوتنا، ونحن ندعي جملة من المشاريع، أقلها حجماً وترجمةً، تتطلب جهوداً جبارة وإرادة حديدية على طريق الوصول إليها، هي آفة شرعنة الموبقات، وتحوير الحقائق بما تتناسب وقاماتنا، بل وأهوائنا، بحيث نكون قادرين معها وبالاستناد عليها، على قلب الصور والمخارج، ونكون معاً مصفقين للقبح والتملق والازدواجية والتلون، وتلك الآفة، هي التي تنخر في سلوكياتنا، وهي التي ترسم وتؤسس لنا أدواتنا ووسائلنا، حتى النضالية منها، كوننا منقادين بفعل ثقافة الأمر الواقع، تلك التي فرخت الكثير من الأصنام على صورة أبطال، والعديد ممن لم يتملكوا ألف باء السياسة في مصاف القادة والزعماء، وهؤلاء؛ وبالاتكال على أدواتهم ومطبليهم، يصنعون لنا مع كل فجر جديد، نسخ ممن سبقوهم على طريق التفنن بالمشاعر والتلاعب بالمصائر، كونهم يستمدون شرعية وجودهم من الجانب المظلم في السياسية، ذاك الذي يحلل كل الوسائل بغية الوصول إلى الغايات، ويحرم كل ما من شأنه الخدش في الأساطير المقدسة، حتى لو قادهم ذلك إلى تخوين الآخر أو تقزيمه أو التشكيك بقيمه ..
ولعل الملفت في الأمر ونحن نناطح ونصارع ونتصارع، لا يغيب عن بالنا الأمجاد والمكتسبات، وكأن لكل منا سجله الحافل بالبطولات، دون أن نعود بالذاكرة مع كل صفحة نطويها ونحن نودع عاماً ولى، وكل شمعة نوقدها ونحن نستقبل الجديد، سجلات الآمال والأماني، كي ننبش في الذي تحقق أو الذي كنا من ركائز تحقيقها، كوننا على شاكلة الطحلب التي لا تركن إلا على برك من المياه الآسنة، والتي لا تحمل سوى ما أفسدته دورة الحياة، اللهم طريقتنا التي نتعامل بها مع الأشياء، والتي هي من صناعة ثقافتنا بامتياز، تلك الطريقة التي تمتلك القدرة لأن تصلح حتى ذاك الذي أفسده العطار، كوننا بغنى عما ذهب إليه تشي غيفارا بأن (( الطرق الملتوية ستقودنا إلى أرض قاحلة )) .
فدعواتنا إلى الحرية والديمقراطية وتغيير النمط والنموذج، هي على شاكلة ما سبقتها، ومشاريعنا نحو التكاتف والتعاضد ورص الصفوف، بغية التأسيس للأطر أو المرجعيات، لم تزل تلقى صداها في الحناجر، فكل ما ندعيه ونبتغيه، هو رهن ذاك المارد الذي يقف في وجه كل ما من شأنه أن يعيد الحقيقة إلى بوابات التعميم، والمصداقية إلى إرادة الفعل، لأن ذاك المارد( هوس الأنا المتضخم ) هو القاسم المشترك في شرقنا بين من يمارس القمع ومن يدعي الخروج عليه، كوننا ككل، ورثة ثقافة تأبى القبول بالآخر إلا عبر فرض الخيارات، تلك التي تحتضن مزيجاً من القمع والإرهاب، وتستند على رقابة تطال حتى القابع ضمن خلجات النفس، والتي فيها هدر للطاقات وتشتيت للآمال ..
وكل عام وأنتم بخير، وإلى عام آخر؛ مع الأمل في أن نغير من ذاكرتنا كي نقلع عن الطحلب إلى ما فيه بناء الإنسان من الداخل ..