الرئيسية » مقالات » الليبرالية في العراق أكذوبة

الليبرالية في العراق أكذوبة

قال نــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، ان مفهوم الليبرالية في العراق لا اساس له من الصحة، وان من يدعي انه ليبرالي بعيد كل البعد عن الواقع، فالليبرالية اكذوبة، والليبراليون اسم ليس له واقع في العراق، وهو مصطلح لا يحمل المعنى الحقيقي الذي يراد منه في عالم السياسة.
واضاف نـــــزار حيدر، الذي كان يتحدث لاذاعة جمهورية العراق ضمن برنامج حواري على الهواء مباشرة:
ان من مميزات الليبرالية، انها لا تنتمي الى الدين او الجنس او الاثنية (القومية) كما انها لا تعادي اي منها، اما في العراق فالليبراليون اما انهم (دينيون) او (طائفيون) او انهم يعادون الدين أو يتبنون القومية كمذهب سياسي وفلسفة فكرية، ولذلك فان الليبرالية في العراق لا تنطبق عليها المواصفات (الدولية) المحددة التي انطلقت منها يوم اريد لها ان تكون فلسفة في الحياة السياسية، ابتداءا من اوروبا ومرورا بالعالم، لتستقر في مفهومها الهجين والمشوه في بلدان العالم العربي والاسلامي، ومنها العراق.
لناخذ مثلا على ذلك، التيار القومي والاخر اليساري:
بالنسبة للاول، فكلنا نعرف كيف انه تبنى القومية العربية كفلسفة لتناهض بقية القوميات في العراق كالكردية والتركمانية وغيرها، كما ان هذا التيار الذي مثله على مدى نصف قرن تقريبا (حزب البعث العربي الاشتراكي) حارب الدين تارة، وتبناه تارة اخرى، فبالرغم من ان حزب البعث يقول بانه حزب علماني، الا انه كان يتوسل بآيات القران الكريم كلما اراد ان يحشد الناس خلف قرارات حروبه العبثية التي شنها ضد جيران العراق، او كلما اراد ان يبرر قرارا من قراراته المدمرة، والتي انتهت بالبلاد الى ما نراه اليوم.
وكلنا نتذكر كيف ان هذا الحزب العلماني، غير حتى الدعاء الذي يتلى عقب كل اذان يرفع في محطة الاذاعة والتلفزيون، ليستبدله بدعاء نسبه الى الطاغية الذليل والمقبور صدام حسين.
وما قرار الطاغية بكتابة القران الكريم بدمه النجس ببعيد عنا.
اما تيار اليسار، والذي مثله على مدى اكثر من نصف قرن، الحزب الشيوعي العراقي، فكلنا نتذكر الى الان كيف انه ناصب الدين العداء المستميت، كما انه عادى كل ما يتعلق به، لدرجة انه حاول في نهاية خمسينيات القرن الماضي ان يغتال عدد من مراجع وفقهاء الاسلام، كالمرجع الحكيم في النجف الاشرف والمرجع الشيرازي في كربلاء المقدسة، بحجة انهم يمثلون الرجعية الدينية وانهم العقبة الكأداء في طريق تحقيق سلطة الطبقة العاملة (هكذا).
ولما فشل الشيوعيون في تحقيق مراميهم ضد الدين واهله، بادروا الى ركوب الموجة الدينية كطريقة لاستعراض العضلات من خلال تسيير مواكب العزاء في ايام محرم الحرام في مدينة كربلاء المقدسة على وجه التحديد، والتي كان الشيوعيون يرددون فيها الاشعار والردات التي تمجد بالاتحاد السوفياتي (معبودهم من دون الله) فاية علمانية هذه التي تركب موجة الدين؟.
وتعود فلول اليسار اليوم من حيث انتهت اليه قبل عقود من الزمن، لتحارب الدين وتقاتل ضد كل ما يتعلق به من قريب او بعيد، وكلنا يقرا ما يكتبه اليوم ديناصورات اليسار (العلماني) في مواقع الانترنيت، للطعن بالدين بعد ان تحولت، هذه الديناصورات، وبقدرة قادر، الى علماء في التفسير والحديث والتاريخ والفقه.
ان هذا التناقض الذي وقع فيه العلمانيون في العراق، افرغ العلمانية والليبرالية من محتواها الحقيقي، ولذلك فانا لا اعتقد بان في العراق ليبرالية او علمانية بالمعنى الصحيح.
اكثر من هذا، فكلنا راينا كيف ان الليبرالي نسي هويته التي يدعيها، ليدخل الانتخابات العامة في قوائم (التيار الديني) وقبل ذلك راينا كيف ان زعيم تيار اليسار (الحزب الشيوعي) يقبل بان يملا مقعدا في مجلس الحكم ليس لكونه يمثل حزبا (علمانيا) او تيارا سياسيا، وانما لانه (شيعيا) يمثل طائفة معينة، طبعا بغض النظر عن صحة هذا التمثيل من خطئه.
انا لا اريد هنا ان انتقد المواقف السياسية لهذا او ذاك، وانما اردت بهذه الامثلة ان اثبت حقيقة في غاية الاهمية، وهي ان العلمانية في العراق اسم على غير مسمى، وانها مصطلح بلا مضمون حقيقي.
عن رايه في موضوعة الحكومة الدينية، قال نــــزار حيدر:
اولا؛ ليس في العراق اليوم من الاطراف السياسية من يدعو الى اقامة حكومة دينية، فالجميع يدعو ويعمل من اجل تثبيت اسس حكومة دستورية يعيش في ظلها كل العراقيين سواسية اما القانون، وان القانون فوق الجميع، من دون تمييز عرقي او ديني او طائفي او فكري او سياسي.
ثانيا؛ نحن في العراق بحاجة الى ان نحمي الدين من السياسة وليس العكس، وان الخطا الشائع، وللاسف الشديد، هو ان البعض يحذر من مخاطر تدخل الدين في السياسة، وهذا امر غير ممكن ومن المستحيل تحقيقه، خاصة في العراق الذي لعب فيه الدين دور محوري منذ تاسيس العراق الحديث ولحد الان، فحركة الجهاد في عام 1917 وثورة التحرر في عام 1920 وحركات المواجهة مع الاحتلالات الاجنبية، كلها دينية الطابع والمنشا والشعارات، انما الصحيح هو التحذير من خطر تدخل السياسة في الدين، والى هذه الحقيقة انتبه ما يسمونهم هنا في الولايات المتحدة الاميركية بـ (الآباء المؤسسين) الذين كتبوا الدستور الاميركي عام (1789) فنص التعديل الاول في دستور الولايات المتحدة الاميركية الذي تم في (28 حزيران 1789) على الآتي:
(لن يصدر الكونغرس اي قانون بصدد ترسيخ الدين او منع ممارسته) وبهذا النص حمى الدستور الاميركي الدين من السياسة، من دون ان يمنع تدخل الدين في السياسة، ولذلك:
ثالثا؛ يخطئ من يتصور بان الدين ليس له دور يذكر في الحياة العامة في بلدان ما يسمونه بالعالم الحر.
حتى الولايات المتحدة الاميركية، التي يتخذها الكثير من (العلمانيين والليبراليين) انموذج للدولة العلمانية التي تفصل الدين عن السياسة او الدولة، فان للدين دور مهم في كل شئ، من خلال تاثير الكنيسة الذي يعم كل مرافق الحياة بما فيها السياسة، وان كان من خلف ستار وبطريقة لا يحس بها المغفلون والواهمون، فالدين في المجتمع الاميركي يمتزج بكل شئ، ومن خلاله يمكن القيام بكل شئ، فالكنسية، مثلا، تسيطر على ابرز واشهر برامج محطات التلفزة، كما انها تدير عدد كبير جدا من اشهر الجامعات، فضلا عن المدارس الخاصة، وان ميزانياتها السنوية تصل في بعض الاحيان الى ميزانيات العشرات من دول العالم مجتمعة، ولم يكتف، مثلا، الرئيس رونالد ريغان ليلة اعادة ترشيحه لرئاسة الجمهورية بالتاكيد على (انه بغير الدين فان الديمقراطية الاميركية لا يمكن ان تستمر وتزدهر) بل حضر صبيحة انتخابه حفل (افطار وصلاة) نظمته المنظمات المسيحية الاصولية، وحضره اكثر من عشرة آلاف رجل دين وسياسة، وخاطب الرئيس الحفل بـ (لهجة السياسي ورجل الكنيسة معا، مؤكدا ان لا فصل بين الكنيسة والدولة) وكل ذلك، لمعرفته التامة بدور الكنيسة في ايصاله، وغيره، الى البيت الابيض.
ان للدين، من خلال الكنيسة، دور محوري ومفصلي في رسم وتسيير الاتجاهات والاستراتيجيات العامة للولايات المتحدة الاميركية، ويتبين ذلك، مثلا، من خلال منع الكنيسة من وصول (امراة) الى البيت الابيض، ليس في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، فحسب، وانما حتى في المستقبل، المنظور على الاقل، ولذلك يعتقد المراقبون هنا بان ترشيح السيدة هيلاري كلنتون نفسها للانتخابات الرئاسية المقبلة، ضرب من الجنون او الانتحار او في احسن الفروض احراج للحزب الذي تنتمي اليه (الحزب الديمقراطي) ولذلك فعندما فكر الرئيس ريغان تعيين اول امراة في تاريخ الولايات المتحدة في المحكمة العليا، والتي تتشكل عادة من ثمانية قضاة كلهم من الذكور، اجتمع اولا مع القس (جيري فولويل) وتداول الفكرة معه، ليحصل على موافقته، قبل ان يقترح اسمها على الكونغرس.
يقول القس برايان هيهر، مدير قسم العدل والسلام في مؤتمر الكاثوليك الاميركي في (30 نيسان 1976) خلال ندوة حول (الكنائس الاميركية والشرق الاوسط) (ليست الكنائس مجرد مؤسسات رئيسية في الولايات المتحدة الاميركية، بل هي مؤسسات اعلامية ايضا…وهي ليست احزابا سياسية، لكن دورها ياتي في تشكيل وتعبئة جمهور من الانصار الملتزمين والمهتمين بالمسائل السياسية الخارجية).
عن رايه في الحكومة التي يحتاجها العراق، قال نــــزار حيدر؛
برايي، فان العراق بحاجة الى حكومة وطنية دستورية، بغض النظر عن الاسماء والمسميات، فالعراق المتعدد في كل شئ، لا يمكن ان تحكمه غير مثل هذه الحكومة، لياخذ كل ذي حق حقه، وليتمتع العراقيون، كل العراقيين، بكامل حقوقهم في اطار الدستور والقانون، الذي يجب ان ينصاع له الجميع من دون تمييز.

18 شباط 2008