الرئيسية » مقالات » محاولة في فهم أبعاد مقتل – مغنية – بدمشق

محاولة في فهم أبعاد مقتل – مغنية – بدمشق

منذ ما قبل حرب تموز 2006 في أقل تقدير فقد حزب الله اللبناني مكانته المعتبرة السابقة من لدن الغالبية الساحقة من الرأي العام والقوى السياسية الوطنية في لبنان والبلدان العربية حيث مارس التضليل الشعاراتي باسم الشعب والوطن لردح من الزمن , وذلك بعد انتقاله من خانة – حركة مقاومة – وجزء من حركة تحرر وطني عام في لبنان كانت تشمل تيارات يسارية وديموقراطية بشكل أساسي في مرحلة التصدي للاحتلال الاسرائيلي ابان الغزو وضرب البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية وانسحابها في ما بعد من كل الأراضي اللبنانية مما أصبح عاريا من دون أية قضية تحررية وبطلان مزايداته – الفلسطينية – خاصة بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية المنتخبة بتقرير موقفه السياسي وخوض الحوار مع اسرائيل على قاعدة القرارات الدولية في قيام دولة فلسطين الى جانب الدولة العبرية ومن ثم تقوقعه – الحزب – في موقع انعزالي محلي ذي لون طائفي محض تبدلت أجندته لتنحسر في الزواريب الضيقة وأحياء الغيتو المذهبي وفي مهام تقديم الخدمات اليومية لنظامي طهران ودمشق المستبدين وترعى مصالحهما كذراع ارهابي في عمليات قتل واغتيال وتهديد خصوم النظامين السياسيين في لبنان حيث تؤكد المصادر العليمة تورطه الى جانب الأجهزة السورية في كل الاغتيالات السياسية منذ المحاولة الفاشلة ضد القيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي السيد مروان حمادة مرورا باغتيال رئيس الحكومة الأسبق الشهيد رفيق الحريري وحتى الآن وفي العراق بالمشاركة في تأهيل وتدريب وتسليح مسلحي التيار الصدري ومجموعات طائفية أخرى مرتبطة بأجهزة النظام الايراني واسناد حلفائهما وأدواتهما في فلسطين والاردن ودول الخليج وخاصة في السعودية بما فيها عملية تفجير – الخبر – والمساهمة في مواجهة وتصفية بعض أطراف المعارضة الوطنية في كل من ايران وسورية وبشكل أخص المعارضة الديموقراطية الكردية مثل قيام عناصره باغتيال الشهيد – شرف كندي – سكرتير عام الحزب الديموقراطي الكردستاني الايراني المكافح من أجل الحرية ورفع الظلم ورفاقه بمطعم – ميكونست – ببرلين حيث أطلقت السلطات الألمانية سراح القاتلين المنتميين الى حزب الله وحركة أمل مؤخرا في صفقة أمنية لها علاقة بالطيار الاسرائيلي – أرون – وكذلك قيام مجموعة من أنصاره ببرلين بالتصدي للمظاهرة السلمية الكردية خلال زيارة رأس النظام السوري الى ألمانيا الاتحادية قبل عدة أعوام التي طالبت برفع الغبن والاضطهاد عن كاهل الشعب الكردي في سورية وازالة قانون الاحصاء الجائر الذي حرم عشرات الآلاف من المواطنين الكرد السوريين من حق المواطنة ,ومن ثم تقديم الدعم التدريبي والتسليحي لجماعة أنصار الاسلام الارهابية في كردستان العراق كل ذلك دفع االناس في لبنان بشكل رئيسي وخصوصا القوى السياسية المختلفة مع نظامي طهران ودمشق المناهضة لوصايتهما ونهجهما الاستبدادي الظلامي ومحاولاتهما في تحويل البلاد الى ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية الى التعامل مع حزب الله بتهيب وحذر كاحدى منظمات القتل على طريقة المافيات العالمية وليس كحزب سياسي وطني يمثل مصالح طبقات اجتماعية وشرائح لها قضايا مطلبية على الأرض مثل سائر الأحزاب اللبنانية صاحبة التقاليد الديموقراطية والأجندة السلمية المعروفة بالتسامح والتصالح والنهج التوافقي والتعايش رغم اختلاف الأديان والثقافات والمذاهب والمدارس السياسية والفكرية التي عرف بها لبنان منذ الاستقلال وأنجب قادة عظام ومناضلين ومفكرين ورجال دولة من الطراز الأول ورواد بناء واعمار في تجربته المميزة وأحضانه الدافئة أمثال نجيب عازوري وشبلي شميل وشكيب أرسلان وفؤاد شهاب وكمال جنبلاط وريمون ادة وحسين مروة ورشيد كرامي وجورج حاوي ورفيق الحريري وغيرهم .
قلة من متابعي الحياة السياسية اللبنانية وتطوراتها كانت على علم بما يجري داخل حزب الله ومنظومته الأمنية – العسكرية وأدوار قادته الميدانيين وآلية علاقاته الايرانية – السورية ليس لأن الحزب بتكوينه الديني – الطائفي – الانعزالي وطبيعته الاستخبارية السرية في اطار المهام الموكولة اليه من العاصمتين قد وضع ستارا من الكتمان على تحركاته بموازاة أدوات اعلامية في غاية التضليل المفتقرة الى الصدقية فحسب بل لمشاركة فاعلة بشرية ومادية وتسليحية وأمنية ودبلوماسية واعلامية محسوسة في بعض الأحيان وغير منظورة في أكثرها من جانب كل من نظامي ايران وسورية وبما يملكان من امكانيات ونفوذ وسلطة في مجهود حماية قيادة وكوادر هذا الحزب والتغطية على نشاطاته ومخططاته حتى مقتل – عماد مغنية – في كفر سوسة والكشف بوضوح عن هويته ومسؤوليته وتاريخه خلال ثلاثة عقود حيث ظهر للعيان موقعه القيادي الأهم ودوره الأخطر ليس في ميليشيا ومنظومة خلايا عسكر وأمن وعمليات الحزب السرية على الساحة اللبنانية فحسب بل في قلب استراتيجية المحور الايراني – السوري وتحديدا في فرق الموت والأذرع الضاربة في كل الساحات المعنية بهذا المحور الذي ينشر الارهاب يمينا وشمالا حيث شوهد المقتول في ايران والعراق وبعض دول الخليج اضافة الى سورية ولبنان وقد دلت الملابسات التي أحاطت بمقتله ” مسؤول عسكري أمني لحزب الله اللبناني ويقتل في سورية وينعيه رئيس جمهورية ايران ” على جملة من المؤشرات والمعاني ومنها :
أولا – للتذكير فان هذا المحور الثنائي الرسمي وتوابعه من المنظمات والحركات غير الحكومية المنتشرة في طول المنطقة وعرضها مثال ساطع على الاصطفاف الجديد – القديم الذي نما منذ توقف الحرب الباردة ويجمع معتنقي الآيديولوجيا الشمولية من الحركات الأصولية بفرعيها الاسلامي – الطائفي – السياسي والقومي ( نظام الفقيه الغارق في الرجعية ونظام البعث المستبد وحركات الشيعية السياسية والاخوان المسلمين ) حيث تلاقت مصالحها في لحظة تاريخية محددة وجمعها الاستبداد والظلامية في مواجهة ارادة التغيير والتنوير والتجديد والاصلاح والتحرر .
ثانيا – هذا المحور بنظاميه ومنظماته عاجز عن حماية نفسه وتحقيق أهدافه بالطرق الشرعية والسياسية وعبر صناديق الاقتراع لذلك يسلك درب الممانعة اللفظية المزايدة بدلا من منطق الاقناع ويمارس أساليب العنف والاكراه حاكما أو محكوما في السلطة أو المعارضة لافرق ففي السلطة يكم الأفواه ويقمع الشعب وينتهك الحريات وحقوق الانسان ويقصي الآخر ويحرمه من الحقوق الانسانية والقومية والوطنية ويرفض التعددية والاختلاف وفي المعارضة لايعترف بالدستور ويخرق القوانين ويشل المؤسسات ويزرع الفوضى ويسعر النعرات المذهبية ويؤجج الشارع ويوقف الحياة الاقتصادية وبالأخير يعمل من أجل انتزاع امتيازات وحقوق الأغلبية المنتخبة من الشعب .
ثالثا – كشف مقتل – مغنية – في قلب دمشق وفي مربع أمني معروف أن أنظمة الاستبداد الشمولية تتعامل مع – أتباعها – بأكثر الأساليب جحودا وتنكرا واستهانة ويذكرنا الحادث وما يثار من حوله من تكهنات تشير باصبع الاتهام للنظام السوري بحوادث أخرى سابقة مثل تسميم وديع حداد ومقتل أبو نضال وطرد وتسليم كارلوس ومقتل ايلي حبيقة ونحر غازي كنعان وطرد وتسليم عبدالله اوجلان وليكن ذلك عبرة مرة أخرى لمن يعتبر من المتعاملين مع مثل هذه الأنظمة التسلطية جماعات وأفراد .
رابعا – كل ادعات نظام دمشق وخاصة منذ تسلم الرئيس الوراثي الشاب لمقاليد الحكم أمام المجتمع الدولي والمحيط الاقليمي بابتعاده عن الارهاب والجماعات الارهابية وتبرؤه من الجرائم المرتكبة بحق اللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين انكشفت عارية بفضيحة مقتل – مغنية – في العاصمة دمشق والتأكد من اقامته الطويلة في احدى الشقق الفاخرة مع صديقته اللبنانية مما سيدفع المجتمع الدولي الى التدقيق مطولا في سجل هذا النظام واعادة النظر في كل مزاعمه السابقة .
خامسا – حادثة مقتل المسؤول العسكري – الأمني لحزب الله المنوط بالأعمال السرية والمنسق مع الماكينة الأمنية وفرق الموت السورية الايرانية في ظروفها المكانية وتوقيتها كشفت بصورة قاطعة عن مخطط كان يجري التحضير له لاشعال الساحة اللبنانية ونسف المبادرة العربية وتمديد الفراغ الدستوري ويتردد أن المخطط كان يحمل عدة بدائل منها استهداف شخصيات وزعامات والسيطرة على بيروت بعملية انقلابية بعد تصفية الحكومة الشرعية وعزل العاصمة عن المناطق وفرض العماد ميشيل عون رئيسا وطرد القوات الدولية أو أسرها كرهائن ودخول الجيش السوري مرة أخرى الى لبنان برفقة قوات ايرانية من الميليشيات والحرس الثوري وفيلق القدس ثم تحويل لبنان الى ورقة مساومة في خدمة الأجندة السورية والايرانية والتفاوض حولها مع المحيطين العربي والدولي .
سادسا – انكشاف التبعية الايرانية لحزب الله بصورة أوضح في سياق الحادث حيث تم استباحة السيادة الوطنية اللبنانية بجلب وزير الخارجية الايراني بمعزل عن الشرعية وأصول البروتوكول السيادي ليؤبن أحد أدواتهم الارهابية الذي يحمل في – رقبته – دماء المئات من الأبرياء من مختلف الأجناس والانتماءات في بلد مستقل عضو في المنظمة الدولية وملتزم بمحاربة الارهاب حسب قرارات مجلس الأمن مع تجاهل تام للحكومة ووزارة الخارجية وهذا يشكل سابقة خطيرة اضافة الى صحة الاتهامات الموجهة لحزب الله بأنه شكل دويلة مسلحة بميزانية تفوق المليار دولار سنويا ومنظومة أمنية داخل الدولة اللبنانية خاصة بعد أن أعلن أمين عامه الحرب على اسرائيل دون علم وموافقة الدولة الشرعية والفرقاء والمكونات الوطنية الممثلة للطيف الوطني ,
لقد كان المشهد معبرا في بيروت في يوم الرابع عشر من شباط المنصرم حيث مليون ونصف المليون من جماهير لبنان وممثلي وقادة طوائفه المختلفة ومكوناته يجتمعون في ساحة الشهداء لاحياء الذكرى السنوية الثالثة للمغدور رفيق الحريري الذي ذهب ضحية الارهاب تلبية لدعوة قوى الرابع عشر من آذار وبضعة آلاف يجتمعون في الضاحية الجنوبية يتصدرهم المسؤولون الايرانييون والسورييون تلبية لدعوة حزب الله ليشيعوا أحد أبرز المتهمين بتنفيذ عملية اغتيال رفيق الحريري أوليس ذلك احدى مفارقات هذا الزمن الصعب ؟ ثم لتكتمل فصول المفارقة بانتظار بعض الأغبياء أو ضعاف النفوس لنتائج تحقيق القوى الأمنية السورية الحاذقة النزيهة الشفافة المحبوبة في قلوب السوريين ؟