الرئيسية » مقالات » حوار مع السيد الدكتور كنعان مكية حول رؤيته للعراق الراهن3-3

حوار مع السيد الدكتور كنعان مكية حول رؤيته للعراق الراهن3-3

الملاحظة الرابعة:حول الوضع الراهن في العراق
استمعت بإصغاء للمقابلة الصحفية التي تحاور بها السيد سام منسى مع الأستاذ كنعان مكية وخاصة في إجاباته عن أسئلة خاصة بالدور الأمريكي والإيراني في العراق , وعن إمكانية الخروج من المحنة الكبيرة التي يعيش فيها العراق وعن إعدام صدام حسين.
يرى السيد مكية أن دور الأمريكيين لم يعد كبيراً في ما عدا إمكانية محدودة في التأثير على رئيس الوزراء وبعض السياسيين من الصف الأول , في حين أن الدور الرئيسي في العراق حالياً أصبح بيد إيران. في هذا الجواب قدر كبير من الصحة , إذ أن الولايات المتحدة بأساليب وأدوات عملها وتخبطها في معالجة مجمل الأوضاع العراقية وسعيها بين تسريع الحل وبين المزيد من جر الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين إلى العراق لتصفية المعركة معهم في العراق وليس في الولايات المتحدة أو أوربا , قد أضعفت من سمعتها ومن الهيبة التي كانت لديها في منطقة الشرق الأوسط , إذ لم يعد هذا الشرطي الدولي يخيف الكثيرين من شعوب المنطقة , رغم أنه لا يزال كدولة أعظم يمتلك القدرة والقوة على عمل الكثير في العراق والمنطقة. في مقابل هذا استطاعت إيران أن تحقق الاختراق الذي يشير إليه السيد مكية وأن تحقق القدر الكبير من الوجود والتأثير باتجاهات أساسية مهمة , وهي:
1. وجود أمني واسع النطاق في جميع أنحاء العراق , وبشكل خاص في مناطق الجنوب وبغداد , ولكنها لم تعدم الوجود في إقليم كُردستان العراق أيضاً.
2. وجود فكري وسياسي مؤثر في أربعة مواقع :
أ. في أوساط كثيرة من المؤسسة الدينية وشيوخ المساجد والحسينيات , بالارتباط مع أولئك الذين تبنوا بوضوح ولاية الفقيه , واعتبر السيد على خامنئي , مرشد الثورة الإسلامية في إيران هو ولي الفقيه لها.
ب. في أوساط الأحزاب السياسية الإسلامية وفي بعض التنظيمات الأخرى والتي تجد تعبيرها في المؤسسات الحكومية المختلفة , ومنها بعض من ميدي سياساتها ومواقفها في مجلس النواب أيضاً.
ج. في منظمات يطلق عليها مجازاً بـ “منظمات المجتمع المدني” المرتبطة بقضايا الدين والمجتمع , وهي كلها ذات تأثير كبير على الحركة والفعل السياسي في الشارع العراقي في هذه المرحلة من تاريخ العراق.
د. في وسط السوق أو البازار العراقي الذي يمكن التأثير فيه بشكل واسع , وخاصة في أوساط التجار الشيعة الذي يهيمنون اليوم على السوق.
3. وجود تأثير إعلامي واسع النطاق من خلال فضائيات إيران العربية والفارسية وصحافتها وأدبياتها وتأثيرها المباشر وخاصة في المآتم الحسينية وفي عمليات الضرب على الصدور والتطبير والضرب بالزنجيل (السلاسل الحديدية) على الظهر والردَّات الحسينية ..الخ.
4. يضاف إلى ذلك دورها في دعم النشاط الإرهابي لقوى القاعدة وبعض المليشيات الطائفية الشيعية والتي تتم بصورة غير رسمية , ولكنها موجهة من الحكومة الإيرانية ذاتها.
5. وهي تستخدم موارد مالية كبيرة جداً لهذا الغرض , إضافة إلى صادرات السلاح والعتاد والأحزمة المفخخة وأسلحة مضادة للدبابات …الخ.
والصراع الإيراني في العراق ليس لغرض التأثير على السلطة السياسية وجعلها دينية شيعية حسب , بل ولخوض الصراع ضد الولايات المتحدة حول الوجود الإيراني المعارض في العراق وبسبب سياسات الإدارة الأمريكية إزاء إيران في مجال الملف النووي وحقوق الإنسان ودور إيران البارز والمعطل للحياة السياسية اللبنانية عبر حزبها , حزب الله , في لبنان , إضافة إلى دورها الجديد المتفاقم في فلسطين …الخ.
إلا أن هذا لا يقلل قطعاً من قدرة الولايات المتحدة في التأثير على وجهة التطور في العراق إن كان ذلك في مصلحتها , ولكنها تدير الأمور بطريقة غير عقلانية , في ما عدا ما أنجز في الأشهر الأخيرة في مجال الأمن الداخلي , الذي لا يزال مهزوزاً ومعرضاً للانتكاس.
غير مقتنع بخروج الأمور من أيدي الإدارة الأمريكية , ولكن تطور الوضع بهذا الشكل نافع نسبياً في الصراعات السياسية داخل الولايات المتحدة , وأن كان يمكن أن يخدم الطرفين المتنازعين على التكتيكات الممارسة وليس على الاستراتيجية المشتركة و بل الواحدة.
أدرك السيد وزير الخارجية العراقية طبيعة المشكلة القائمة في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وكونيهما يسعيان إلى ممارسة معركتهما في العراق , وهو يحاول إبعادها عن العراق , ولكن دون جدوى حتى الآن. لم ينجح وزير الخارجية العراقية حتى الآن لا لنقص في إمكانياته الدبلوماسية , بل لأن المعركة يراد لها أن تكون في العراق قبل أن تنتقل إلى إيران , إذ عندها ستكون معركة حامية الوطيس وعواقبها وخيمة. وإيران تسعى إلى إشعال النار لا في العراق وحده , بل في كل المنطقة , أي الهروب إلى أمام بدلاً من التعقل والتفكير بما يطرحه مجلس الأمن الدولي بشان ملفها النووي , إذ أنها تعتقد بأنه الطريق الوحيد لإخراج الأمريكيين وضرب إسرائيل وتحقيق مصالحها. وهنا يمكن أن ننتبه إلى القوى التي تكمن وراء اغتيال مغنية في دمشق وليس بعيداً من مواقع المخابرات السورية , إنها أقرب أن تكون من حزب الله ذاته , وبتعبير أدق , من جانب إيران وبالتنسيق مع سوريا , لأن قتله يمكن أن يثير صراعاً ونزاعاً دموياً يراد له أن يكون. ولكن بهذه السياسة تقود الحكومة الإيرانية نفسها بنفسها إلى حتفها. لهذا ستستمر إيران بالتأثير على العراق والتدخل في شئونه أكثر فأكثر وستمارس لعبة الفار والقط مع الولايات المتحدة في العراق وفي مواقع أخرى , إلى أن يضيق صدر الولايات المتحدة فتبدأ بالمعركة التي تنتظرها إيران لتشعل الأرض تحت أقدامها في العالم العرب , كما تتوقع!
الملاحظة الخامسة: حول الطائفية السياسية
اتفق مع الأستاذ مكية حول صعوبة التخلص من الهوية الطائفية بعد ولوجها الكثيف والواسع في السياسة العراقية في المرحلة الراهنة , إذ أنها أصبحت الهوية المسيرة للوزارات المختلفة وللعمل العام وللفساد المالي والإداري في آن واحد. ولكن دون التخلص من هذه الهوية الطائفية لصالح الهوية العراقية لن يصل العراق إلى شاطئ السلام والأمان والسير على طريق التطور. والسؤال كيف يمكن تحقيق ذلك؟
ليس هناك من وصفة جاهزة أمام الباحث السياسي والاجتماعي العراقي , ولكن , كما يبدو , لي أن الأمور يمكن أن تنضج تدريجاً ضد السياسات والسلوكيات الطائفية التي قادت إلى موت أكثر من نصف مليون إنسان على الأقل خلال السنوات الخمس المنصرمة. الطريق الذي يضمن التحول صوب المدنية هو إجراء تعديلات جديدة في الدستور لإزالة الجوهر الطائفي في بعض بنوده والغموض في البعض الآخر منه وبعض مواده التي تعتبر حمالة أوجه , كما يفترض رفض المشاريع الطائفية في تقسيم العراق إلى فيدرالية شيعية وأخرى سنية وإلى تعديل نظام الانتخابات والتخلص من التحالفات الطائفية باتجاه تحالفات مدنية واحترام الفيدرالية الكردستانية وحقوق المركز الإقليم …الخ.
لا يمكن للأحزاب الإسلامية القائمة أن تنزع جلدها , ولكن يمكن أن يفرض الناس عليها ذلك , إلا أن هذا لن يحصل بسرعة بسبب طبيعة الوعي الدين المشوه والمتخلف وغير المتنور السائد في العراق. سنواجه مصاعب جمة خلال الفترة القادمة , ولكن ما لم يتغير ذلك سيدخل العراق في نفق مظلم يختنق بالحروب الطائفية الشيعية – الشيعية والشيعية – السنية والعشائرية – العشائرية أيضاً.
إن المهمة التي تواجه العراق اليوم تبرز في سبيل تعزيز التيارات الديمقراطية واللبرالية والعلمانية العقلانية التي تعي المشكلة وتعي سبل التحول إلى أوضاع جديدة دون هزات عميقة في المجتمع وبالطرق السلمية والديمقراطية. ويفترض أن تشارك فيه كل قوى المجتمع التي تعتقد بأن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان هي الطريق الوحيد لوصول العراق إلى شاطئ السلام.
الملاحظة السادسة: حول المحكمة وصدام حسين
أخي الأستاذ مكية
المحاكمات التي جرت لبعض أبرز أقطاب الطغمة الحاكمة السابقة كانت بعيدة كل البعد عن محاكمات جادة ومتماسكة وقادرة على تقديم النظام كله إلى المحاكمة وإبراز ما فعله النظام طيلة العقود التي حكم فيها العراق. لقد فقد الشعب العراقي فرصة ثمينة للدروس التي كان في مقدور المجتمع أن يتعلم منها. لقد بدت وكأنها عملية انتقامية من قبل الشيعة لقتلاهم لا غير في حين أن الجريمة كانت قد شملت الشعب العراقي كله. لقد كانت محاكمات نورينبيرغ نموذجاً حياً ورائعاً لمحاكمة النظام الفاشي كله وقادته الأساسيين. اتفق معكم في هذا الشأن , كما أتفق معكم بالطريقة المخزية التي تم فيها إعدام الطاغية. لقد كانت عملية انتقام سيئة وبعيدة عن أي رؤية حضارية وإنسانية. أنا عضو في منظمة العفو الدولية منذ سنوات طويلة ومؤيداً لموقفها الرافض لحكم الإعدام أياً كان السبب الذي يكمن وراء ذلك الحكم. ولكن ما دام هناك قانونا فرض حكم الموت على صدام حسين , فكان لا بد من تنفيذه بطريقة أخرى قانونية وليس بالأسلوب الذي رأيناها في مسرحية الإعدام البائسة.
أتمنى أيها الأخ الكريم أن تفكروا بملاحظاتي النقدية وأرجو أن لا أكون قد أسأت إليكم , كما أني لا امتلك الحقيقة , بل هي مجرد وجهة نظر شخصية يمكن أن تصيب وأن تخطئ.
18/2/2008 كاظم حبيب