الرئيسية » مقالات » (الحرامية) في المدينة والريف العراقي

(الحرامية) في المدينة والريف العراقي

الحرام في اللغة بمعنى الممنوع فعله وبذلك فان ألحرامي هو الشخص الذي يرتكب أمر ممنوع فعله وجمعه حراميه.
في مختلف مراحل التطور لبشري لاشك ان هناك حرامي اوحراميه يتناسب عددهم تنابا عكسيا مع قوة المنع في العرف والقيم الاجتماعية السائدة في فترة معينة من فترات تطوره وتتناسب عكسيا ايضا مع قوة السلطة القابضة على الحكم وطبيعة القواعد القانونية التي يترتب عليها جزاء قانوني .
لكل وصف من أوصاف الحرمنة ،ولاشك ان هناك اختلاف في طبيعة تغير معنى الحرمنة أو توصيف وتعريف ألحرامي وهل فعله يعتبر شائنا تعاقب عليه الأعراف والقوانين كليهما أو احدهما ، فلكل شعب من شعوب لأرض وفي فترة معينة من فترات التطور الحضاري البشري له أعرافه وقوانينه .
وانه لمن الجدير بالذكر ان يكون هناك تمييز واضح بين الحرمنة وبين عمليات الخطف والسلب والاستيلاء بالقوة على شخص أو مال منقول أو غير منقول حيث لكل موصوف مما سبق خصائصه وطريقة تنفيذه والذي يختلف بالتالي ويتميز عن فعل الحرمنة وسلوك فاعله يختلف عن سلوك ألحرامي وان أدى فعلهما إلى نفس النتيجة
بلاضافة إلى ذلك فان عمل الحرمة غالبا انفرد به الرجال دون النساء عكس النشل والسرقة في المدن حيث يشترك فيه الجنسين ون غلبة نسبة الرجال .
ففي الوقت الذي تجري فيه عمليات السلب والنهب بشكل علني وظاهر للعيان في الليل والنهار وفي بقية الأوقات بفعل القوة القاهرة لعصابة النهب والتسليب وغالبا مايحدث هذا في الأوقات التي تكون فيه اللحمة الاجتماعية مفككة اومربكة على اقل تقدير مما يدفع الناس للسلوك سلوكا غير مباليا في مثل هذه الإعمال التي تحاسب عليها الأعراف الاجتماعية في حالة انسجامها وتماسكها وتلاحمها وقد تظهر هذه السلوكيات العدوانية لتطفو على السطح في حالات الفوضى والفقدان المفاجئ للسلطة أي كان نوعها أو شكلها وغالبا ماينهج هذا النهج العنصر الضعيفة والمنبوذة والذي غالبا مايكون سلوكها هذا يواجه بالقمع والكبت بقوة القيم المهيمنة وقوى السلطة وليست بدافع اورادع داخلي يوجب عليه احترام حقوق الآخرين وخصوصا عندما يسيطر على هؤلاء الإفراد و الجماعات الشعور بالظلم والاضطهاد والحرمان في ظل المجتمعات الطبقية ويتناسب هذا الإحساس طرديا مع نسبة الحرمان ولاستغلال المسلط عليها من قبل الطبقات المالكة والمرفه ؟،تجد هذه الجماعات ضالتها للفرعنة والتنمر بدافع الانتقام واسترداد الحقوق بشكل غير واعي وفوضوي وعلى طريقة(إذا غاب القط العب يافار)وغالبا ماتكون مثل هذه النماذج وبالا وخطرا كبيرا على الحركات الثورية والإصلاحية وكثيرا ماتؤدي إلى إحباط وإفشال الجهود العلمية والعملية الساعية للتغيير حيث تخرج مثل هذه الهوام البائسة المسحوقة لتعيث في حياة الناس ومصالحهم وممتلكاتهم فسادا وتطال حتى الخدمات والمؤسسات العامة كما حصل بعد انهيار الديكتاتورية في 9-4-2008.
ومن الجدير بالذكر ان مثل هذه الأعمال غالبا ماتكون مثار استنكاف واستهجان ورض من قبل الحرامية المحترفين (الأسطوات) كما تأبى الجوارح الحرة أكل الفطائس فتتجمع عليها العقبان والكلاب السائبة حيث اغلب (الأسطوات) لم يزل يحمل قيم البداوة والفروسية وأعراف المهنة وان(الحرمنة) ضرب من ضروب الشجاعة والهيبة كما هي في الغزوات وليست ماهو الحال في الفر هود فان لم تغزو تغزى عليك ان تجعل الآخرين يقرون لك بإمكانية السرقة والسطو والا فستكون موضوعا للسطو ،ولاغرابة ان تسمى مثل هذه الأفعال بالسطو أي فرض القوة والهيمنة على المسطو عليه وحرمانه من ممتلكاته ان لم يستطع الدفاع عنها أو استرجعها ان سرقت وان هذه الممارسات غالبا ماتجري في القرى والأرياف والمناطق البدوية في حين تنتشر عادة النشل والاستغفال والحيلة والنصب في المدن.
من ميزات ألحرامي انه لايواجه الشخص أو صاحب الدار أو المحل الذي يريد سرقته بل ينتهز الفرص المناسبة في حالة نوم أو سهو صاحب الدار وقد يكمن على مبعدة منه متلصصا حتى يأمن مدخله ومخرجه بسلام دون ان يحس به احد وان أحس به صاحب الدار فغالبا مايطلق ساقيه للريح هربا حتى ولو سعل صاحب بالصدفة أو تنحنح بقصد الإشعار باليقظة .حيث لايلجأ لاستخدام القوة والسلاح رغم تمكنه من ذلك الالغرض الإفلات من الملاحقة خشية القبض عليه وافتضاح أمره لان دمه في هذا الحال مهدورا ولايحق لقبيلته المطالبة بدمه ان قتل ولا تتحمل وزره ان قتل حاله حال من يرتكب مفسدة أخلاقية حيث ان العشيرة لاتتحمل (من يسرق بعبه و….) حيث لايلجأ لاستخدام القوة والسلاح رغم تمكنه من ذلك إلا لغرض إعاقة ملاحقته والقبض عليه ،عادة مايرافق (ألحرامي) عنصرا ثانيا يسمى(الكعيده) ودوره ينحصر في حماية ظهر ألحرامي وإشعاره بأي خطر طارئ وليس بالحسبان قد يظهر قبل تمام عملية السرقة وغالبا مايكمن في مكان بعيد عن الهدف المطلوب سرقته وله كامل الحق بخلاص جلده ان وقع رفيقه في يد صاحب الدار ولا يعاب عليه هربه في عرف الحرامية.
ان اشد ما يعاب على القروي ان يكونا(مكمنا) يقر عنده السراق اللذين يقدمون بالطبع من خارج القرية حتى حلول الظلام للقيام بالسرقة حيث ن الصعوبة بمكان ان يدخل شخص غريب للقرية دون ان يثير شكوك سكانها ويكون محل مراقبة وتساؤل فالقروي معروف ان كان لديه ضيف غريب يسكنه في المضيف ويدق القهوة بصوت عالي ليتقاطر عليه أهل القرية احتفاءا بالضيف وإشباعا للفضول للاطلاع على هوية ومقاصده من الضيفة لذلك يأتي السراق إلى المكمن سالكين طريقا غير مألوفا وفي كنف الليل حيث غالبا مايكون بيت المكمن في أطراف القرية وبعيدا عن المراقبة،فحينما يكشف أمر هذا الشخص الخائن لأمن وسلامة القرية ..فسيكون محل ازدراء وموضوع عقاب قد يصل للنفي أو القتل ويلحقه العار وعائلته وذريته من بعده . في الوقت الذي لايلتزم (حرامية) المدينة به الأعراف
الحرامية ينقسمون ايضا إلى اختصاصات فمنهم من يختص بسرقة الأموال والذهب والمجوهرات ومنهم من يختص بسرقة الحيوانات كالأبقار والأغنام والجاموس وماشاكل ومن ذلك فان أفراد الاختصاص الواحد يعرف بعضهم بعض حيث يقال لأي متشابهين في فعل مشين (حرامي الهوش يعرف حرامي الدواب)أي أنهم من صنف واحد.
يختص البعض الأخر بسرقة السلاح الذي هو محل فخر واعتزاز لدى القروي يحافظ عليه كما يحافظ على شرفه ومهابته مما يجعله يبذل المستحيل للحصول على أحسن أنواع الأسلحة واكثرها شهرة في وقتها مما يجعل الرجل يغامر بحياته ليمتلك .والأسلحة من حيث النوع والشكل والمنشأ تسود نوعيات منها كما تسود المودة للباس ثم تنقرض لتحل محلها نوعية احدث وارقي ومن أسمائها الشائعة أيام زمان( ام طيارة وأم إصبع والنهاية والمطموسة والبرنو وأم خبر وأم عبية والبرنو والسمينة(السمنوف) وأخرها الكلاشنكوف والجيسي والاربيكي وغيرها) وأنواع عديدة من المسدسات وهي طبعا من منا شيء مختلفة.
ومن عادة القرويين التباري في دقة التصويب حيث يتدربون على الرماية منذ الصغر وصل بعضهم من دقة التصويب بحيث يستطيع ان يصيب إبرة الخياطة عندما توضع له على مدى بصره وأحيانا توضع سيكاره لتكون الهدف . وعن براعتهم بالتصويب وخصوصا في بعض فواتحهم واستقبال المعزين عند موت احد ( شباب العشيرة ) تستقبلهم مجموعة من الرماة المجربين ليطلقوا عليهم النيران التي لا تمس منهم سوى حافة العقال العليا فقط !!! . كذلك فان تقاليدهم ان ينصب ( وحاش ) أي متعهد حماية القرية احد رجالها المعروفين بجسارته ( زلمة ليل ) وحرامي من الدرجة الأولى بحيث يهابه ( الحرامية ) من القرى الأخرى ويهابون طرفة ويحسبون ألف حساب قبل ان يجرؤ على السطو على ضمانه من ( الوحاشة ) وهو غالبا ما يقوم باسترداد الحلال المسروق أو بديله عندما يشم عن طريق مصادره الخاصة مصدر ( الحرامية ) اللذين سطو على قريته . من الطريف ان من تثبت عليه السرقة من القرى الأخرى يثبت بها ولا يعطيها إلا بعد ان يعطى ( حلاوة ) أي بدل مثل يتناسب مقداره مع قيمة المسروقات المراد استرجاعها قبل ان يسلم مسروقاته لأصحابها ولا يعاب ذلك عليه عرفا كعلامة اعتراف بجرأته ورجولته وحنكته في ( الحرمنة ) .يروي احد القادة الشيوعيون في مذكراته انه افتقد احد الرفاق الشباب الذي كان احد الرفاق النشطين والمتحمسين في الخلية الحزبية في قضاء الحي أيام العمل السري فتم إخباره بان فلان قد قتل أثناء محاولته (حيافة) أي السطو على احد البيوت!!!! هذا الشاب الذي يضع روحه على كفه من اجل سعادة وامن الناس يقوم بالحيافة إثباتا لرجولته وحسب العرف الجاري رم كونه منمي لحركة ثورية سرية،احد أهم أهدافها نشر العدل بين الناس والقضاء على مثل هذه الظواهر؟؟؟!!!

ويوجد بين ظهراني القرويين خبراء في الأثر أي طبعة القدم والتي غالبا ما تكون حافية طبعا في اغلب الأرياف ولخبرتهم في أسماء وأوصاف ( الحرامية ) يستطيعون ان يشخصوا اسم ووصف السارق من معاينة اثر قدميه على الأرض .

قيم وأعراف (حرامية) الريف
*******************
ومن أعرافهم ان السارق تحرم عليه سرقة أية دار تذوق فيه ( الزاد والملح ) ومن يرتكب مثل هذا الفعل سيظل محتقرا بين أقرانه وإمام نفسه بالدرجة الأولى لأنه ارتكب محرما عرفيا وكان فعل السرقة والسطو غير محرم ولكن خيانة العشرة والزاد والملح حرام . وتروى في مثل هذا الأمر قصصا عديدة عن امتناع العديد من هؤلاء الحرامية عن فعل السرقة مهما يلفت قيمتها وثمنها إذا تذوق بطريقة الصدفة كمادة من الدار وظهر أنها خبزا أو ملحا هذا الأمر يحدث رغم ان ( ألحرامي ) من ثوانيه لا يخرج من الدار خالي الوفاض وكما تقول إحدى مقولاتهم ( من يعرض جاون جيبه ) والجاون أداة هرس الرز وهو رخيص الثمن ثقيل الحمل ولكن لا باس فهو شاهد تحدي ودخول الدار والخروج منها بغنيمة مهما كانت قيمتها . يروى ان امرأة ريفية لم تكن بصحبتها في دارها سوى طفلها الصغير فشاهدت ( ألحرامي ) يجمع غراض الدار ويضعها في عباءته مزويته ( شكبان ) ويستعد لحملها فقادتها فطنتها على منعه من إتمام سرقته بان أوعزت لصغيرها بصوت مسموع للحرامي :- كوم يمه شيل خالك , أي انهض يا ولدي لمساعدة خالك لحمل مسروقاته وعندها استفزت كلمة ( الخال ) ( ألحرامي ) فألقى بحمله من مزويته مسرعا بالخروج من الدار خجلا …. حيث ان من المحرمات ان يسرق القريب قريبه فكيف يسرق الأخ أخته !!! . ومن طريف ما يروى ان ( محمد حرامي ) وهو شخصية لحرامي أسطوري بالحنكة والجرأة والقدرة على سرقة أي قادر وأي شاطر مهما بلغ به الحذر واليقظة والتحرز. يروي الحكماء ان ( محمد ألحرامي ) دخل الجنة لأنه أثناء جولاته في الحرمنة والسطو عثر على فتاة غاية في الجمال والشباب تنام بجانب رجل كبير بالسن يضاهي سنه جدها أو أبيها في حين وجد في مكان أخر شاب ينام بجانب عجوز بلغت من العمر عتيا. فحكم ( محمد ) على هذا الأمر بكونه غير عادل وغير منصف فقرر ان يعيد الحال إلى نصابه الصحيح , فحمل الشابة ووضعها بجانب الشاب بينما حمل العجوز ووضعها بجانب الشيخ الكبير وبذلك فقد رفع الظلم والحيف الذي لحق بالشاب والشابة فاستحق عن عمله هذا دخول الجنة كما ظهر في المنام لأحد رجال الدين الصالحين, وهذا حديث طالما يرويه الشباب والشابات من العشاق . الخ.

حرامية الريف وسراق ونشالة المدينة
*************************
من خلال ماسبق عرضه نتمكن ان نضع أيدينا على الفروق الكبيرة التي تميز حرامية ونشالة وسراق المدينة عن حرامية الريف إذ لامكان للنشالة في الريف نظرا لمعرفة واحدهم الأخر مما يؤدي إلى كشف النشال وافتضاح أمره عدى كون عادة النشل يتنافى مع قيم البداوة والعشيرة حيث ان الصنف الأول حتى وان كان من أصل ريفي يبدو يتخلى عن قيمه البدوية شيئا فشيئا بقدر اختلاطه بسكان المدن حيث الثعلبة والحيلة وخفة حركة اليد وطراوة اللسان وقلة المواقع وكثرة الدوافع التي تتبخر أمامها أكثر القيم والاعتبارات الأخلاقية صلابة نظرا للمغريات الكثيرة التي تسيطر على مخيلة من حيث المغريات الجنسية والمغريات الشهية والمساكن العلية والسيارات الفارهة … الخ . فلا حرمة للجار أو قرابة أو محلة أو حتى صديق لضعيف أو قوي إلا لبعض النماذج التي انقرضت مع موجة العولمة الحديثة فأنتجت ( لصوص العولمة ) متوازية ومتناغمة مع سلوك وأخلاقية البرجوازية والبرجوازية الطفيلية التي لاهم لها غير الربح وحوزة المال والثروة والشهرة بأية وسيلة مهما كانت رذيلة ومنحطة ويكمن الخطر الكبير إذ تخلقت أعدادا كبيرة من حثالة البرولتاريا والجياع والجهلة بهذه الأخلاقية الخسيسة وخصوصا في البلدان المتخلفة حيث الفقر والجهل والمرض وضعف ان لم يكن انعدام القوى المنتجة بين مختلف الطبقات الاجتماعية السائبة المائعة المتداخلة الحدود والقاتمة والضبابية الوجود بسبب تهالك وهشاشة البنية التحتية في هذه المجتمعات وطغيان النزعة الاستهلاكية اللاعقلانية بعد الغزو الحضاري والثقافي للعولمة الرأسمالية . ومن يتابع أخبار الجريمة في عالمنا اليوم يلمس مدى صحة ما تقول فقد نشرت مثلا جريدة الزمان الخبر التالي ( بريطانية تتعلم من غوغل تسميم زوجها ) من اجل الاستحواذ على ثروته ومن أمثال هذه القصص الكثير وأكثرها غرابة ما يحدث داخل نفس العائلة أو نفس المحلة أو المدينة في مجتمعنا العراقي الحاضر إذ كانت مثل هذه السلوكيات وهذه الأفعال تصيب الإنسان العراقي في الريف والمدينة بالذهول والصعقة وتلقى اشد أنواع الاستنكار والاحتقار والاحتجاج.
بينما نرى الآن دخول أساليب جديدة غير معهودة من الحرمنة والسرقة اللصوصية لم تكن تمر على بال مثل سرقة البترول ل والآثار وخطف النساء والأطفال والرجال من اجل كسب المال والإثراء غير المشروع دون ان يمنعه أي وازع أخلاقي أو ديني فحين يقف المجتمع شبه مشلول ومذهول لما يجري من تجاوز لكل أعرافه ومبادئه على أيدي عصابات داخلية وخارجية منظمة تتضخم وتتنوع أساليبها يوم بعد يوم لاشك أنها احد هدايا الرأسمالية المتوحشة بقيادة الولايات الأمريكية للشعوب لترسيخ بنانها الديمقراطي على طريقة الكابوي الامريكي.
. ان ما تعاني منه البنية الاجتماعية العراقية من التشويه والتخريب والفوضى التي أظهرت إلى السطح كل القيم السلبية للحقب السابقة والتي كانت مختبئة ومخبأة في كهوف الذاكرة الجمعية والفردية مثل قيم الغزو وحز الرؤوس والتغالب والثار والاستحواذ والاستعباد التي قد تظل لقرون مثل بكتريا ( الكزاز والغانغرينا ) محتفظة بقدرة عجيبة على مقاومة الظروف الغير مناسبة وتتميز بأنها تنتعش وتنمو في ظروف انعدام الهواء والأوكسجين وهو ما يشبه عهود الظلام والجهل والفوضى التي تمر بها المجتمعات البشرية , فتعمل على تفكيك وتفسخ وتأكل النسيج السليم السابق وموته لتحل محله كتله من الصديد والعفن وهذا ما حدث وما يحدث في مجتمعنا العراقي أثناء وبعد الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية في العراق .

الدوافع والأسباب
************
ان من أهم أسباب الحرمنة والسرقة والنشل هي حالة العوز وشظف العيش والتفاوت الطبقي الشديد في المجتمع مما يشعر الإنسان بالاضطهاد والظلم فيرد على ذلك بأسلوب فوري غير واعي تماما لأسباب هذا الظلم ليقوم كافة المظلومين والمضطهدين بالعمل على التغيير الجذري لللاسس التي بني عليها الظلم وبناء مجتمع العدالة والمساواة، لذلك نرى ان الفلاح الجائع يلجا إلى سرقة حاجته من حاصل المنتج ليسد به رمقه دون ان يتكاتف الفلاحون للخلاص من الإقطاع وظلمهم .
ومن الملاحظ مثلا ان سرقة السيارات في العراق استشرت بعد ان اخذ صدام حسين يوزع السيارات الحديثة دون وجه استحقاق وبمزاجية من المال العام على أعوانه وأنصاره مما دفع من يشعر بالغبن إلى ترصد هؤلاء المالكين ظلما وتجريدهم من سياراتهم دون أي تأنيب لضمير لشعوره بأنه يسترد حق مغتصب دون ان يعمل على مقاومة أصل ومصدر الفعل الظالم المتجسد بالديكتاتورية وعدم احترام القانون.وهناك الكثير مما يذكر في هذا المجال.

ظاهرة الفساد والحرمنة في الطبقات السياسية الحاكمة
**********************************

هناك مايلفت النظر حقا ان تأخذ الطبقة السياسية الحاكمة وبطانتها في العراق حيزا كبيرا من حصة النهب والسلب والحرمنة والسرقة بطريقة الاختلاس والتزوير والتدوير المنظم للمال العام حيث ان العراق والمقصود السلطة السياسية الحاكمة في العراق تأتي بالمراتب المتقدمة الثانية بعد الصومال كما ورد في بعض تقارير دولية مختصة بهذا الأمر.
لازال الكثير منا يتذكر تماما ما اشبع وما دبج وألف النكات والطرائف على ( طاهر يحيى ) في زمانه ولقب بابو فرهود وقد كان وراء ذلك تختبئ نوايا ودوافع سياسية بالدرجة الاولى فكم عدد البو فرهود الموثقة سرقتهم وحر منتهم الآن بالمليارات والدولارات ؟ فهل يصعب بعد ذلك على الباحث الاجتماعي بلاجابة على مايحدث من حرمنة وسلب ونهب وسرقة في عموم الشرائح الدنيا من المجتمع إذا اعترف بصحة مقولة ( الناس على أخلاق حكامهم)
وما يثير التساؤل والعجب ايضا ان نلمس حالة اللامبالاة من قبل عموم الشعب مالك الثروة على ثل هذه الفضائح والسرقات والفساد . وهل يشكك المرء والباحث بدور فولتير الكلف والأديب والخطيب الفرنسي الشهير في إشعال قتيل الثورة الفرنسية بكشفه القناع عن فساد وبذخ الطبقة الحاكمة الفرنسية انذاك ؟
وماهو السبب الكامن وراء (دوغمائية ) ولا جذرية الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية في أكثر ن منطقة في العراق وبقائها تدور في نفس حلقة التخلف وعدم خروجها من رحم القوى الغيبية المتعفن لاينجب غير مسوخ مشوهة لاتعمل الامن اجل المزيد من الفساد والإفساد وتكريس وسائل القهر والاستبداد موظفة بؤس وألم وجهل الجماهير الشعبية بما تخدم مصالحها ومساعيها لاعتلاء كرسي السلطة لتضع مزيدا من القيود وترسم المزيد من الحدود والثقالات بأيدي ورقاب من أوصلها لسدة الحكم ؟
ان تلاقي الجهل والمرض وكابوس البطالة والضياع في مستنقع العمل الطفيلي الغير منتج هو الستار الحاجب للرؤية السليمة لهذه الجماهير لخلاصها الحقيقي بعيدا عن إبدال واستبدال رموز التضليل والاستغلال والاستبداد بعضها ببعض لتديم بذلك دورانها في هذا النفق الخانق المظلم ، فما دامت طبقتنا البرجوازية لاتعد ان تكون سمسارة دلالة (وطنية) لشركات الرأسمال العالمي فلن تكون هناك طبقة عاملة منتجة قوية بل جيش من حثالة البرجوازية الرثة التي تخوض في وحل الاستهلاك والبطالة المقنعة والجريمة ،
من ذلك تستبح كيف تتمثل الفئات الدنيا سلوكية الفئات العليا من حيث ( شرعته) السرقة والنهب والاختلاس على القوى الاجتماعي الوطني العام ليدخل البلاد في فوضى الخراب والتدمير وتحكم القوى الخارجية بمصير الشعب والوطن ، ولو ظل الحال على ماهو عليه الآن لكان تحذير الأستاذ قاسم حسين صالح في محلة تماما وربما كما هو أكثر سودا وقتامه .
وبذلك فان المجتمع سيتعرض للتشظي والموت والاندثار وهو يولد ويحتضن المزيد من مثل هذه النماذج من ( الحرامية، والمجرمين، والمحتالين، والسراق) كحال حشرة العقرب التي لاترى فراضها الحياة إلا على جثة والدتها الممزقة وهكذا تتجدد مورثات التحطيم الذاتي من السلف إلى الخلف بسبب مقاومة العقرب لأية محاولة حيوية لأحداث طفرة وراثية تعدل من مسار دورة الحياة. لا يشفع لنا هنا إلا كون الإنسان ليس حيوانا أعجم ودليلنا ما نكتب وما كتب غيرنا ومن قدرة الإنسان المفكر على وضع يده على حيويته وقدرته على وضع الحلول للتحكم في مسارات تطوره وتقدمه.


أساليب العلاج
*********
ان هذا الحال يتطلب تضافر جهود علماء الاجتماع وعلماء النفس وبالتعاون والتضامن والتكاثف مع ذوي الحل والعقد في السياسة والثقافة والاقتصاد والتعليم والتربية من اجل وضع الخطط والبرامج الكفيلة بوضع الحلول ذات الأثر القريب والبعيد لانتشال مجتمعنا ومكافحة إمراضه وأدرانه التي تضخمت واستفحلت لأسباب ومسببات داخلية وخارجية موروثة مصنعة متوطنة ووافدة والعمل على نشر قيم العدل والمساواة بين أفراد المجتمع وتضييق الهوة بين الطبقات العليا والدنيا قدر الإمكان . ومن العوامل المشجعة وتجعل المرء متفائلا من إمكانية نجاح هذه الجهود والخطط هو امتلاك الشعب العراقي لمخزون ضخم من القيم الايجابية التي بحاجة إلى إعادة الترميم والتحفيز والتنمية لتعود مزدهرة نظرة نامية منحية كل الإعشاب والطحالب والاشنات الضارة والمضرة لينمو كل ما هو منتج ومفيد ويضمر ويموت كل ما هو ضار . بالإضافة إلى وجود العقول والكفاءات والقدرات العراقية المتخصصة والمتحمسة لمثل هذه المهمة الوطنية والإنسانية النبيلة لخلاص الشعب والوطن من كابوس الظلم والظلام والجريمة .