الرئيسية » مقالات » الإستراتيجية الأمريكية … وتقاطع الأهداف مع الكولونيالية التوسعية الصهيونية

الإستراتيجية الأمريكية … وتقاطع الأهداف مع الكولونيالية التوسعية الصهيونية


القضية الفلسطينية هي نتاج مشاريع وأهداف الكولونيالية والاحتلال العسكري، وأهداف تقاطع مصالح الإدارة الأمريكية والتوسعية الإسرائيلية وإستراتيجيتها في المنطقة الإقليمية، ذاتها المنطقة التي تشهد حروباً منذ عقود مديدة، وتهدد بحروب “استباقية” جديدة، بدلاً من تحويلها إلى منطقة أمن جماعي يؤكد بها على حقوق الإنسان والتعددية الثقافية، والديمقراطية التعددية والحريات الأساسية والحقوق المدنية. لهذه الأسباب تعارض الولايات المتحدة العودة بالقضية الفلسطينية إلى مرجعية قرارات المجتمع الدولي، الأمم المتحدة والشرعية الدولية والقانون الدولي، لتحقيق السلام المتوازن. لقد أعلن بوش في “إسرائيل” أن الأمم المتحدة “عجزت” عن حل القضية الفلسطينية، “متجاهلاً عمداً” دور الولايات المتحدة في تعطيل كل القرارات الدولية بشأن الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، ودوره طيلة سبع سنوات عجاف في الانحياز الأعمى لحكومات شارون ـ أولمرت، ومساندتها في حروبها على الشعبين الفلسطيني واللبناني.
اللاءات الصهيونية و “رؤية بوش”
بذات السياق يمكن تفحص زيارة بوش، التي تواكبت مع “نصيحة” البيت الأبيض بـ “عدم توقع اختراقات”، على الرغم من ترديد بوش في كلمته بأن ثمة “فرصة تاريخية للتوصل إلى سلام هذا العام وقبل انتهاء الولاية”، مشدداً على أن “يتفهموا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تفرض إملاءاتها، إلا أننا سنساعد ونحن راغبون في المساعدة”. وفرض الإملاءات يقصد بها عدم مواجهة اللاءات الصهيونية في منظورها للتسوية، قوى اليمين الصهيوني العنصري والديني السلفي الأصولي المتطرف في الائتلاف الحاكم، ممثلاً في حزب “إسرائيل بيتنا” العلماني العنصري، وحزب “شاس” المتدين والمتطرف، اللذان يفرضان أجندتهما على الائتلاف الحكومي الإسرائيلي في جهود الاستيطان والسيطرة على الأرض الفلسطينية. والآن حزب ليبرمان يستقيل من حكومة أولمرت، لمجرد أن بدأت المفاوضات على قضايا الصراع الأساسية، وغداً يستقيل حزب شاس بمجرد طرح قضية القدس على طاولة المفاوضات، وهكذا تدور الدائرة بأقصى اليمين التقليدي والأصولي على جانبي خط الصراع في منطقة الشرق الأوسط، يغذي كل منهما الآخر في ادعاءاته وأطروحاته.
بين اليمين ويمين قوى الوسط (كاديما وحزب العمل)، فإن رئيس الحكومة أولمرت يؤكد أنه لن يفرط في إيديولوجية التوسع الصهيونية، ويؤكد ذلك دخوله في السباق الدموي الاستيطاني مع “ليكود” باتهامه زعيم هذا الحزب المتطرف نتنياهو بأنه قد “خضع لإرادة الولايات المتحدة، وفرط في التراث التوسعي (المسمى زوراً في أدبيات اليمين الصهيوني) أرض إسرائيل التوراتية”.
لقد فرضت اللاءات الصهيونية نفسها على خطاب بوش في زيارته، الذي لم يعلن التزام الولايات المتحدة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لتأسيس دولة فلسطينية ذات سيادة على أراضي عام 1967 المحتلة، ومدينة القدس الشرقية عاصمة لها، وعودة اللاجئين وفق القرار الأممي 194، بل طالب بتعديلات على خط الهدنة، وتأكيده “دولة إسرائيل اليهودية” بالمعنى الإثني الإيديولوجي العنصري ومخاطره على حق العودة، وعلى عرب 1948. وأنتجت زيارته مخاطر جديدة على القضية الفلسطينية، على المجموعة السياسية المتنفذة المعبر عنها “بفريق أوسلو” و “المرتدين عن وثيقة الوفاق الوطني التوحيدية” أن تفحصها جيداً، لاستخلاص العبر والاستحقاقات الوطنية الإستراتيجية والوطنية الوحدوية المطلوبة، ففي مخاطر الزيارة موقف الإدارة الأمريكية الراهنة، رغم وعود بوش؛ فهو ينطلق من الرؤية الصهيونية للحل التي أكد عليها عام 2004 بوعوده لشارون بـ “عدم الانسحاب إلى حدود العام 4 حزيران/ يونيو 1967، والموافقة على ضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى “إسرائيل”، وعدم الإقرار والقبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وديارهم وفق القرار الأممي 194، في سياق “ورقة الضمانات الأمريكية” التي منحها لشارون (14/4/2004)، لقد ورد هذا كله في بيانه “إدخال تعديلات على خط الهدنة عام 1949″، والتفريق بين “المستوطنات الإسرائيلية المرخصة وغير المرخصة” والقفز عن القرارات الدولية والشرعية الدولية، بما قاله بالأخذ بعين الاعتبار “الحقائق الجديدة” أي المستوطنات، وبالذات الكتل الكبرى. كما حمل إعلانه مخاطر على مدينة القدس الشرقية المحتلة عام 1967، بعد هذا لا يكفي أن يردد على مسامعنا كلمات “دولة فلسطينية مستقلة ومستمرة”.
لقد سعى بوش لإرضاء “إسرائيل” في تأكيده سياساته حول قضايا التفاوض، متحيزاً لها فيما يتعلق بكل ما هو جوهري، حق العودة والقدس، فضلاً عن “تمليكها سلطة القرار” في كل ما يعتبر حقاً من حقوق الشعب الفلسطيني، بدلاً من مرجعية القانون الدولي والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، ودفعه بالتسوية انطلاقاً من الرؤية الإسرائيلية لتنفيذها، ومسبقاً نقول لن يكتب لها النجاح، وأمامنا تجربة أوسلو حيث لم يكتب لها تقدم ونجاح ووصلت إلى الجدار، بسبب من استبعاد المرجعية للشرعية الدولية والقانون الدولي، ومجمل القرارات الصادرة ذات الصلة، وكان من الممكن تحديدها كمرجعية للمفاوضات، وتم استبعادها لعدم صدق النية للتوسعية الصهيونية لإقامة السلام الحقيقي والشامل في المنطقة بأسرها، إن السير الفلسطيني في هذه المتاهة، سيعمق الانقسام الداخلي الفلسطيني بدلاً من تجاوزه بما أُجمع عليها وطنياً ممثلاً إعلان القاهرة (آذار/ مارس 2005) ووثيقة الوفاق الوطني (26 حزيران/ يونيو 2006) (راجع كتاب حواتمة “الانتفاضة ـ الاستعصاء ـ فلسطين إلى أين … ؟!”، وكتاب “أوسلو والسلام الآخر المتوازن”).
وستعمل الإدارة الأمريكية على تنفيذ هذه الرؤية الإسرائيلية ـ الأمريكية للحل، فالتدخل الأمريكي لصالح “إسرائيل” سافر ومنحاز، وما زال يواصل المفاوض الفلسطيني ـ فريق أوسلو ـ والمرتدين عن وثيقة الوفاق الوطني بعثرة أوراق القوة الفلسطينية الوحدوية، وسيجدون أنفسهم في نهاية الأمر أمام الورقة الأمريكية الوحيدة التي لا يمكن للشعب الفلسطيني القبول بها، فلن يوافق على ابتلاع حقوقه بالأرض والعودة والقدس مقابل ما يمكن تسميته دولة ـ كيان ـ مجرد من السيادة وإن سُمّي دولة، منزوع السلاح، لا يسمح له بالسيطرة على أجوائه ومعابره وموارده.
ويمكن أيضاً الملاحظة بسهولة أن من بين أهداف زيارة بوش يبرز هدف دعم أولمرت عشية تقرير “فينوغراد”، الدعم الكبير في الكلمات الحميمية الشخصية، لتعزيز فرص البقاء في الحكم بعد صدور تقرير “فينوفراد”، وهو الآن لم يعد بعد إعلانه يهدد الحكومة بالسقوط، وبدون نتائج “فينوغراد” وبحسب استطلاع نتائج “مؤشر السلام الأكاديمي” الذي تجريه كل شهر جامعة تل أبيب، ونشرته صحيفة “هآرتس” مطلع الشهر الماضي (كانون الثاني/يناير)، فإن الزيارة وحفاوة الكلمات المتبادلة، تحمل في معنى من معانيها الضغط الأمريكي لدعم أولمرت، الذي يطالبه الرأي العام “الإسرائيلي” بالاستقالة، بنسبة 66 % من إجمالي “الإسرائيليين”، و55 % من المصوتين لحزب كاديما الحاكم، ولجنة “فينوغراد” نشرت تقريرها الثاني والنهائي في 30 كانون الثاني/ يناير، عن نتائج تحقيقها في إخفاقات القيادة الإسرائيلية خلال حرب العدوان على لبنان صيف 2006، وفشلها في تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية “لإسرائيل”. كما يمكن الملاحظة أن ائتلاف اليمين ويمين الوسط الصهيوني الحاكم راهناً يعمل تحت إملاءات اليمين الصهيوني العنصري والآخر السلفي الأصولي المتطرف (إسرائيل بيتنا وحزب شاس)، اللذان يفرضان أجندتهما على هذا الائتلاف الصهيوني حتى بعد خروج حزب ليبرمان من الائتلاف الحكومي. أما اليمين ويمين الوسط (كاديما وحزب العمل)؛ وكلاً منهما له أسبابه؛ فقد دخلا (أولمرت وباراك) في سباق على باروميتر إيديولوجية التوسع الصهيونية، يدلل على ذلك موقف أولمرت في السباق الدموي للاستيطان ودخوله السباق مع اليمين الإصلاحي الصهيوني التقليدي “ليكود” باتهامه زعيم هذا الحزب المتطرف نتنياهو بأنه قد خضع لإرادة الولايات المتحدة، وفرط في التراث التوسعي (المسمى زوراً في أدبيات اليمين الصهيوني) “أرض إسرائيل التوراتية”.
الرؤية الفلسطينية … وإنجاز أهدافها
مرة أخرى؛ فلسطينياً المطلوب هو تحقيق الرؤية الفلسطينية، لا رؤية بوش، رؤية إنجاز أهداف العودة والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، والرؤية الوطنية الديمقراطية في الوحدة الوطنية وتنفيذ مستلزماتها وبناء مؤسساتها، بديلاً عن الاحتكارية الأحادية والثنائية باتفاقات المحاصصة والحروب الأهلية المدمرة كما وقع منذ 8 شباط/ فبراير 2007 حتى يوم الناس هذا. إن تشكيل لجان مفاوضات “الحل النهائي” بعيداً عن مرجعية قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، وغياب المرجعية الوطنية العليا المشتركة لإدارة كل العمليات السياسية التفاوضية، ستراوح مجدداً في سقف الرؤية الأمريكية ـ الإسرائيلية الصهيونية للتسوية، ثم تصل إلى الجدار أسوةً بحلول أوسلو وكامب ديفيد2، وفي ظل استصدار قوانين في الكنيست تقوض أي انسحاب إسرائيلي من القدس المحتلة عام 1967، القدس الشرقية بالكامل، ومن غور الأردن، ودون أن نغفل دور الحراك والسيولة الحزبية في “إسرائيل”، وقد بدأت عشية نشر تقرير لجنة “فينوغراد” بانسحاب الحزب اليميني العنصري “إسرائيل بيتنا” من الائتلاف الحكومي الصهيوني الحاكم، مع تواصل محموم لما يسمى “خلق حقائق على الأرض”، والموجود الراهن وحده يعرض حلول الدولة والعودة إلى طريق مسدود، حين لا تكون دولة فلسطينية قابلة للحياة و”مستمرة” بحسب تعبير بوش، في ظل الكتل الاستيطانية الكبرى وتقطيع الأوصال.
على الصعيد الإقليمي والعربي، يمكن تلمس الخطوط الرئيسية في خطاب الرئيس بوش الاتحادي السابع والأخير أمام الكونغرس الأمريكي، وهو خطاب “وداعي”، تضمن العديد من الموضوعات، على رأسها مكاسب الولايات المتحدة في العراق، وتحذيره من الانسحاب العسكري المتسرع، وتكرار تهديداته لإيران، ودعوته إلى إعلان الدولة الفلسطينية في عام 2008 دون تحديد حدود 4 حزيران/ يونيو 1967، فضلاً عن القضايا الأمريكية الداخلية وعلى رأسها الاقتصاد و “تباطؤه على المدى القصير” كما أسماه، وتحذير مجلس الاحتياط المركزي (البنك المركزي الأمريكي) من حدوث تباطؤ للنمو الاقتصادي عام 2008.
الرسالة الأساسية هي داخلية، والخطاب يفتقر إلى “الطموح” البلاغي الخطابي المعتاد، والذي طبع خطاباته السابقة، بسببٍ من أمرين داهمين وضاغطين على البيت الأبيض وهما الوقت، والانتخابات الأمريكية، الناخبون وتطلعهم إلى ما بعد ولايته، المطالبات الداخلية الضاغطة لإصلاح “الضمان الاجتماعي”، وموضوعة الهجرة غير القانونية، وقد أشار لها الخطاب دون اتخاذ قرار بحلها.
وفي القضية العراقية، وهي القضية التي سيورثها لمن بعده، الإدارة التي ستلي إدارته، لم يقدم أي وعود جديدة بسحب القوات أو تخفيضها، مماطلاً في أنه “ينتظر التوصيات التي يعمل على إعدادها الجنرال بتريوس”، مركزاً بالقول: “علينا أن نقوم بالعمل الصعب اليوم، وذلك حتى ينظر الناس بعد سنوات من اليوم، إلى الماضي ويقولون إن هذا الجيل كان في مستوى اللحظة، وانتصر في قتال صعب تاركاً وراءه منطقة مفعمة بالأمل، وأمريكا أكثر أمناً”، ويمكن من بين هذه السطور إدراك المقصد. كذلك على صعيد دعوته إلى الإعلان عن الدولة الفلسطينية عام 2008، وربطها بـ “أمن إسرائيل” المصطلح الفضفاض غير المحدد والمعرّف صهيونياً، والمفتوح على العدوان والاغتصاب، وقد وردت في قول بوش “دولة فلسطينية مسالمة وديمقراطية ستكون مصدر أمن دائم” … أي لـِ “إسرائيل”. أما الخلاصة عربياً؛ يمكن العودة إلى الخطوط الرئيسية للإستراتيجية الأمريكية، لما بعد بوش وموقع العرب و “إسرائيل” بها، الوثيقة المكونة من مئة صفحة، واستغرقت صياغتها ثلاث سنوات، شارك فيها 400 من كبار خبراء السياسة الأمريكية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في الجانب المخصص بها لما أسمته “إدارة الأزمات من جانب القوة الأمريكية” ومصالح أمنها القومي، وتهميشها لمصالح الأمن القومي العربي واستقرار المنطقة، واستبعاد الاستقرار الإقليمي من أولوياتها.
الوحدة الوطنية … ومرجعية المفاوضات
لا يعلق الشعب الفلسطيني آماله على بوش، ونحن والشعب نعقد آمالنا على إعادة بناء الوحدة الوطنية شرط النصر ولا نصر بدونها، وعلى الشعب الفلسطيني ذاته. لقد أدركنا ومن البداية أن زيارة بوش ستعطي دفعة تكتيكية مؤقتة لعملية المفاوضات، واتفق الجانب الفلسطيني والإسرائيلي على تشكيل اللجان التي بدأت إثر مغادرة بوش للمنطقة، وتبدد تفاؤل البعض لأن ما يجري من انقسام وأزمات داخلية على الأرض الفلسطينية يتعارض مع هذا التفاؤل. وعلى الجانب الآخر السباق الصهيوني المحموم مع الزمن في أعمال البناء الاستعماري الاستيطاني، والاستيلاء على الأرض الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات وإقامة الجديد منها. التصعيد الاستيطاني المتزامن مع المفاوضات وأعمال القتل الوحشية للفلسطينيين، والاجتياحات والتدمير والخراب في كلٍ من الضفة الفلسطينية وقطاع غزة.
لم نعلق آمالاً على الزيارة لأن بوش نفسه، كان قد أعلن أن الهدف من زيارته العمل على “الاحتواء الإقليمي في الخليج”، وفقط تشجيع الأطراف على التقدم في عملية السلام. لقد أدركنا منذ البداية أن النوايا غير صادقة لإقامة السلام الشامل في المنطقة بأسرها، واستبعاده السلام المتوازن على صعيد القضية الفلسطينية. بل أيد بوش الدعوة العنصرية باعتبار الكيان الصهيوني “دولة يهودية” بما يعني المصطلح من تطهير عرقي، واعتبر المستوطنات في الضفة حدوداً لما سماه “الوطن القومي” للشعب اليهودي، متجاهلاً أن 92% من الأرض القائم عليها هذا الكيان هي أملاك عربية بوثائق وأسانيد، فضلاً عن تجاوزه الصفة الدولية لمنطقة القدس التي حالت دون نقل السفارة الأمريكية إليها، وفي سياق النضال التاريخي الفلسطيني. فإن وصفه في الزيارة الأخيرة بأنها “الصفحة الأخيرة”، نفسره بأن جولته هي جولة “وداعية” له للشرق الأوسط وهي “الصفحة الأخيرة” له وللإدارة الأمريكية الراهنة.
الآن؛ ما أنجزناه فلسطينياً ممثلاً بإعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني التوحيدية، ونشهد اليوم الخلاف بين المحاصصة الثنائية فتح وحماس، على من تؤول إليه “الولاية” على معبر رفح، بدلاً من الاتفاق الوطني وصيغته في فتح أبواب القطاع المحاصر ليس على مدينتين شمال سيناء للتبضع، بل على العالم بأسره، والاتفاق الوطني على فتح أبواب الضفة على قطاع غزة، والخروج من الحالة الخطرة والشاذة على قضيتنا، بفصل الضفة عن القطاع، والقطاع عن العالم، مخطط تطويع القطاع البطل نحو عناوين “إسرائيلية” تعيد عقارب الزمن إلى ما قبل عام 1967 وإلى ما قبل 1974 الإجماع الفلسطيني على البرنامج الوطني المرحلي بتقرير المصير والدولة والعودة، والإجماع العربي على قرارات قمة الرباط، والإقرار الدولي بالحقوق الفلسطينية والاعتراف بمنظمة التحرير في كل مؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى. أي الارتداد إلى حلول 242 ـ 338 “أراضي عربية مقابل السلام مع إسرائيل” حيث لا حقوق وطنية لشعب فلسطين ولا حتى الاعتراف بوجوده. من هنا مبادراتنا للحوار الوطني، وكل من ينشد الخلاص الوطني لا خيار أمامه سوى هذا الخيار.
أزمة المعابر … وكسر الحصار
لا حل لأزمة معبر رفح وحصار قطاع غزة بتقاسم النفوذ على المعابر بين السلطة الفلسطينية وحماس، في سياسة المحاصصة الثنائية على مؤسسات السلطة، ورياح الانقسام المدمر والنفوذ الفئوي الاحتكاري، يقابله دعوتنا إلى الحل الوطني الفلسطيني، عملاً بوثائق برنامج الوحدة الوطنية (إعلان القاهرة، برنامج الوفاق الوطني) والمبادرات الوحدوية التي أطلقناها: الجبهة الديمقراطية (4/7/2007) والجبهتين الديمقراطية والشعبية (27/10/2007)، والتعاون الثلاثي (الديمقراطية، الشعبية، الجهاد الإسلامي)، ومبادرة جميع الفصائل الوطنية التي أجمعت على مبادرة الجبهتين الديمقراطية والشعبية (16/1/2008) المطروحة على فتح وحماس، والمتوقع إعلانها بمؤتمر صحفي في غزة خلال الأيام القريبة القادمة.
إن الحل الوطني الفلسطيني هو الطريق الوحيد لإعادة بناء الوحدة الوطنية، وحل أزمة المعابر وكسر حصار قطاع غزة، كما لا بد للحكومة المصرية أن تدرك استحالة الإبقاء على الأوضاع المرتبطة بعزل غزة، وفرض الحصار التام عليها دون أن يقع انفجار شعبي كبير يستحيل مقاومته، بما يعني في المنطقة عودة الشعوب لاستلام زمام قضاياها، إن الجماهير المحاصرة هي التي قامت بهذا العمل، بما ترمز إلى إخراج القضية الفلسطينية من الطريق المسدود والجدران، الأمر الذي يتوقف على ما سيحصل في فلسطين ونقصد داخل الصف الفلسطيني نفسه بالذهاب إلى الوحدة الوطنية، إعلان القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني، لإسقاط كل الجدران بما فيها جدار العزل الصهيوني العنصري، بعد الخروج من الانقسام والاحتكار والتشرذم فلسطينياً، وهذا يستدعي تجاوز السياسات الحزبية الفئوية الأنانية الضيقة، وإعادة بناء الوحدة الوطنية مقدمة لإعادة توحيد الشعب والأرض، ورفض المفاوضات التي يديرها العدو بشروطه، والشروط التي تحدد مسبقاً نتائج متعاكسة مع الحقوق الفلسطينية الوطنية، مع تواصل الاستيطان والمجازر الدموية.
الآن؛ نؤكد أن حكومة أولمرت تعمل على الزج بقطاع غزة إلى أكتاف مصر مدخلاً للارتداد إلى الحلول الإقليمية بعيون إسرائيلية (غزة تحت الإدارة المصرية، الضفة تحت الإدارة الأردنية) إلى ما قبل البرنامج الوطني المرحلي وقرارات قمة الرباط العربية عام 1974، ومصادرة وطمس حقوق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والدولة المستقلة وعودة اللاجئين. الآن نحذر من استثمار “إسرائيل” للانقسام المدمر في قطاع غزة والارتداد إلى الحل الإقليمي، بديلاً عن حق الشعب الفلسطيني بالوجود والاستقلال والعودة.
إن هذا كله وما تمخض عنه، يستلزم فلسطينياً أولاً وقف المفاوضات حتى يتوقف الاستيطان بالكامل، وتشكيل مرجعية وطنية عليا للإشراف على كل العمليات السياسية والتفاوضية، بديلاً عن احتكار فريق أوسلو للقرار السياسي والمفاوضات العبثية المدمرة، لأن “إسرائيل” ترفض الدخول في برنامج واضح محدد المرجعيات والصفات للحل النهائي، والالتزام بسقف زمني للوصول إلى تسوية شاملة، والأولوية إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية وفق إعلان القاهرة، ووثيقة الوفاق الوطني النهائي.
إن استئناف المفاوضات بلا مرجعية ملزمة تستند إلى الشرعية الدولية، وبلا ضمانات دولية وآلية ملزمة، وبلا جداول زمنية محددة وملزمة، وحصرها في مفاوضات ثنائية بعيداً عن أي تدخل دولي باستثناء واشنطن المنحازة بالكامل لـ “إسرائيل”، وفي ظل الانقسام الفلسطيني، واستمرار العدوان الصهيوني الدموي والتوسع الاستيطاني واستكمال بناء الجدار العنصري والحصار، يدخل السلطة الفلسطينية في مأزق ومتاهة جديدين. مترافقاً بهزال وتفكك الموقف العربي، فإننا نطالب عربياً بالتمسك بالمبادرة العربية للسلام نصاً وروحاً، بموقف عربي موحد، ومرجعية عربية والانتقال لدور فاعل لإقرار السلام المتوازن في المنطقة، وعودة الجولان السوري للوطن الأم، ومزارع شبعا اللبنانية، بما يتطلب من توجه دولي لإقامة مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية.
إن الوصول إلى هذا الحل يتطلب تفكيك المستوطنات الصهيونية في الضفة الفلسطينية، وهدم الجدار العنصري غير القانوني وفق القرارات الدولية (محكمة العدل الدولية)، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وشجب خرق حقوق الإنسان المنهجي اليومي في فلسطين، ممثلاً بالعقاب الجماعي، وحصار قطاع غزة، وإزالة حواجز تقطيع الأوصال والتفتيش، ومجازر القتل اليومية التي لا تنتهي أمام بصر كل العالم.
وعلى ذات السياق نحذّر عربياً من الأوهام التي يروج لها عديد من الأنظمة العربية، في التعويل على موقف الولايات المتحدة، بدون ممارسة الضغوط المطلوبة على المصالح الأمريكية الاقتصادية والتجارية والنفطية والمالية على مساحة البلاد العربية، ونحو الموقف السياسي المطلوب، ولذلك أيضاً نتوجه إلى حملة القيم الإنسانية والرأي العام الدولي لممارسة الضغوط على “إسرائيل”، وفضح إجراءاتها العنصرية، وإلى الاتحاد الأوروبي للقيام بدور مستقل وفعال في حل الصراع في الشرق الأوسط، يبدأ بتحرير سياسته في هذه المنطقة من هيمنة الولايات المتحدة، والخروج من نقده الصامت للأوضاع القائمة إلى النقد العلني العملي، في صياغته للتضامن مع الشعب الفلسطيني ونضاله العادل، والانتقال لدور فاعل لإقرار السلام المتوازن في المنطقة نحو المؤتمر الدولي الذي سبق لروسيا أن طالبت به، فالأولوية هي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ضحية السيطرة الكولونيالية الإسرائيلية والاحتلال العسكري، بالتعبئة المؤسساتية للرأي العام، لوقف أية حروب جديدة في المنطقة (تهديد بوش لإيران)، وحصر الملف النووي الإيراني بالمؤسسة الدولية للطاقة الذرية، على قاعدة اتفاقية الحد من الأسلحة النووية، والاتفاقات والقوانين الدولية المعمول بها، وبالخروج من ازدواج المعايير والكيل بمكيالين بما يشمل “إسرائيل”.
الآن رئيس السلطة محمود عباس مدعو أولاً: إعادة بناء الوحدة الوطنية بانتخابات جديدة على أساس التمثيل النسبي الكامل لمؤسسات السلطة ومنظمة التحرير الجامع الموحد للشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة والشتات، وثانياً: تشكيل مرجعية وطنية عليا موحدة للمفاوضات من كل القوى التي تدعو لحل سياسي شامل متوازن عملاً بقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية. هذه الخطوات الرئيسية لتجاوز الانقسام، واستعادة الغائب الأكبر “المشروع الوطني الفلسطيني الموحد ـ مشروع تقرير المصير والدولة والعودة” وبالوحدة الوطنية تحت سقف المشروع الوطني الموحد نحاصر ونحبط مشروع أولمرت بترك المفاوضات تدور في الفراغ والطريق المسدود، والاندفاع نحو “الحلول الإقليمية ـ غزة على أكتاف مصر، وما يتبقى من الضفة على أكتاف الأردن”، والقفز عن حقوق شعبنا بالدولة والعودة وتقرير المصير.
وبكلمة واحدة “الارتداد إلى ما قبل قمة الرباط العربية عام 1974، والاعترافات الدولية الشاملة بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، وحقه في الوجود المستقل على أرض فلسطين المحتلة.
حذار من “مطر المشاريع الإسرائيلية” بفصل غزة بالكامل عن الضفة.
الآن حذار من مشروع شارون ـ أولمرت ـ جنرال غيورا أيلاند، المشروع الإسرائيلي الحل الإقليمي العربي مع أقطار الجوار العربية، لنراجع معاً بعد الانفجار الشعبي على معبر رفح المشروع بالأرقام والأسماء وتبادل الأراضي في كتاب “الانتفاضة ـ الاستعصاء ـ فلسطين إلى أين ؟! ـ الفصل الخامس: غياب المشروع الوطني الفلسطيني الموحد … مطر المشاريع الإسرائيلية”.