الرئيسية » مقالات » في ذكرى تأسيس «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» … أيديولوجيا يسارية تصون دوراً وحدوياً بارزاً وفاعلاً

في ذكرى تأسيس «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» … أيديولوجيا يسارية تصون دوراً وحدوياً بارزاً وفاعلاً

حمل تأسيس «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» في الثاني والعشرين من شباط (فبراير) 1969 منذ البداية إعلانا تبشيريا مختلفا، والذي أثار وجوده صخبا واسعا في الساحة الفلسطينية والعربية بسبب كونه الفصيل الفلسطيني المقاوم الأول الذي يعلن تبنّيه صراحة للماركسية – اللينينية كمرشد ودليل عمل.
اليوم وبعد مرور تسعة وثلاثين عاما طويلة على ذلك الإعلان السياسي الصاخب يمكن رؤية ما حقّقته الجبهة الديموقراطية خلال مسيرتها السياسية والمقاومة بكثير من التروي والموضوعية وهي الفصيل الذي شكّل منذ البداية وحتى اليوم أحد الفصائل الرئيسة في منظمة التحرير الفلسطينية وشارك بفاعلية في الحياة السياسية الفلسطينية التي شهدت بدورها محطات بالغة التعقيد حملت كلّ مرة مخاطرها وأهوالها على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية العادلة.
أول ما يسجّله القارئ لتجربة الجبهة الديموقراطية هو بالتأكيد وطنيتها الفلسطينية، الصافية والعالية الفاعلية، فهذا التنظيم صاحب اللغة الأيديولوجية حادة النبرة –خصوصا في البدايات – حافظ في الوقت ذاته على التزام صارم بالوحدة الوطنية الفلسطينية ومعها بالأهداف الوطنية الفلسطينية التي يلاحظ المراقب أن «الديموقراطية» عالجت شؤونها وقضاياها بكثير من سعة الصدر ومن المبادرات الوحدوية الفاعلة والنشيطة وبالذات في المنعطفات الحادة وخلال الحالات الانقسامية التي كانت ولا تزال تنفجر في الساحة الفلسطينية.
هنا نسجّل للجبهة حرصها الدائم على المشاركة الجادة والمتواصلة في منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها المنظمة إطار العمل الوطني الفلسطيني العام و«الوطن السياسي والمعنوي للشعب الفلسطيني» بلغة أدبيات الجبهة وهو موقف استدعى بالضرورة تكريس ثقافة وحدوية طبعت سلوك وممارسات أعضاء الجبهة وكوادرها.
في السياق ذاته نجد من الأهمية الإشارة إلى الجرأة السياسية البالغة التي اتصفت بها الجبهة والتي عبّرت عنها في محطات بارزة سجّلت لها دور الريادة، ففي حوار مطوّل أجراه المفكر اليساري المصري الراحل لطفي الخولي ونشره في «الطليعة» المصرية مع أمين عام الجبهة السيد نايف حواتمة أعلن حواتمة للمرّة الأولى قراءة سياسية مختلفة للمجتمع الإسرائيلي تحدّثت عن وجود فوارق وتمايزات تسمح بإقامة علاقات سياسية بين الجبهة الديموقراطية وبعض القوى السياسية اليسارية الإسرائيلية، وهو الإعلان الذي أثار في حينه صخبا وجدالات عنيفة في الساحة وبين صفوف المثقفين الذين انقسموا بشأنه ين مؤيد ومعارض، إلى أن أصبحت النظرة للمجتمع الداخلي الإسرائيلي مرنة فلسطينيا، بل تعمل وفق مبدأ الحكم على القوى السياسية الإسرائيلية وفق برامجها السياسية ومواقفها من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
في السياق ذاته يمكن الإشارة إلى «القنبلة» السياسة الكبرى التي فجّرتها الجبهة في الساحة الفلسطينية أواسط العام 1973 حين راحت مجلة «الحرية» الناطقة بلسانها تنشر حلقات من قراءة سياسية عميقة انتهت إلى تقديم برنامج سياسي جديد يقوم على المرحلية ويدعو إلى إقامة «سلطة وطنية فلسطينية» في الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذا البرنامج أثار في تلك الأيام خلافات فلسطينية حادّة وصل بعضها درجة لجوء بعض الفصائل الفلسطينية إلى استخدام السلاح في محاولة لحسم الجدل ومنع البرنامج الجديد من شقّ طريقه في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية التي تبنّته بعد ذلك خلال دورة مجلسها الوطني التي انعقدت في العاصمة المصرية أواخر عام 1974 تحت إسم «برنامج النقاط العشر» والذي أصبح بعد ذلك البرنامج السياسي المعلن والرّسمي للمنظمة والذي كسبت على أساسه المنظمة أوسع اعتراف عربي توّج بتكريسها الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، كما كسبت إعترافا دوليا واسعا توّج بدعوة رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى إلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة ومن ثمّ تم الاعتراف بالمنظمة كعضو مراقب في المنظمة الدولية. هذه السياسة الواقعية طبعت سلوك الجبهة ووضعتها باستمرار في حالة ديناميكيّة خصوصا وقد نشطت الجبهة انطلاقا من سنوات السبعينات على صعيد بناء وجود تنظيمي وسياسي فاعل وحيوي في الأرض الفلسطينية المحتلّة أهّلها بعد ذلك لأن تكون إحدى الفصائل الرئيسة في انتفاضة الشعب الفلسطيني الكبرى في التاسع من كانون أول (ديسمبر) 1987 .
اليوم تقف الجبهة الديموقراطية في فلسطين وخارجها على أعتاب العام الأربعين من حياتها في ظل حالة انقسام فلسطيني غير مسبوق تجاوز الصورة التقليدية للانقسامات السابقة بين الفصائل إلى انقسام فصل الجغرافيا في قطاع غزة عن الضفة الغربية بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الحالة الفلسطينية وبالذات على برنامج الاستقلال الذي بشّرت به الجبهة ودعت إليه منذ أواسط سبعينات القرن الفائت. هو انقسام دفع الجبهة ولا يزال إلى ممارسة جهود كبرى لرأب الصدع وإعادة اللّحمة من خلال العودة عن انقلاب حماس ومعاودة الحوار الوطني الشامل ين الفصائل والأحزاب الفلسطينية المختلفة. هو دور تقوم به الجبهة هذه الأيام بالتعاون مع الجبهة الشعبية وحركة الجهاد الإسلامي وتأمل أن تتوّجه باستعادة الوحدة وصولا إلى تصحيح البوصلة السياسية من أجل استعادة زمام المبادرة فلسطينيا في الساحة الدولية.
نتفق مع الجبهة الديموقراطية أو نختلف، ذلك من بديهيات الحياة ولكننا في الاتفاق والاختلاف نسجّل لها دورها الوطني الكبير في كفاح الشعب الفلسطيني المشرد من أجل حقّه في تأسيس دولته الوطنية المستقلة والعودة إلى مدنه وقراه التي أخرج منها بقوّة الإرهاب المسلّح عام 1948 وهو دور ملك الناس يقولون بشأنه كلمتهم ورأيهم دون أن يفسد قولهم للودّ قضية.
* كاتب فلسطيني