الرئيسية » مقالات » عندما تحاول الأقزام وقف عجلة التاريخ!

عندما تحاول الأقزام وقف عجلة التاريخ!

المجتمع البشري، منذ ان وجد على وجه الأرض في حركة سرمدية دائمة لا يعرف الهدوء والسكون،انه يتحول،يتغير وفق قوانين وسنن ذات طابع موضوعي،أي غير خاضعة لإرادة الإنسان ومستقلة عنه.وهذه الحركة المستديمة الناتجة عن تفاعل عاملي: الموضوعية والذاتية نطلق عليها التطور،الذي يأخذ شكل حلزوني،تصاعدي،أي من الأدنى إلى الأرقى،من البسيط إلى المعقد.يمكن تمييز عدة أشكال من التطور في مسيرة المجتمع البشري نحو الرقي والحضارة:
1- تطور يسمى ب extensiv أي بمعنى النشوء والإرتقاء[ تظهير وتضخيم ماهو موجود]
2- تطور يسمى ب intensiv وهو مرتبط بظهور أشكال نوعية جديدة.
3- تطور ذات طابع exogen أي غير حقيقي، مفروض من الخارج،محدد بالظواهر الخارجية.
4- تطور ذات طابع endogen أي حقيقي،الذي يحمل في داخله عامل أو مصدر تطوره.
إذا التطور الحقيقي والملموس هو الذي يضمن أو ينقل المجتمع من وضع أدنى إلى حالة أعلى وأرقى كما وكيفا.يمكننا تلمس ذلك من خلال دراستنا ومتابعتنا للعمليات التاريخية وصيرورتها،فلو انطلقنا من مفهوم التاريخ بصفته تعاقب زمني للأحداث العالمية،التي تخلق واقع محدد قائم بذاته وكذلك تأريخ هذه الأحداث وتدوينها،سوف نجد أن المجتمعات البشرية مرت خلال تطورها ب خمسة تشكيلات اجتماعية-اقتصادية:
1- المشاعية البدائية2- العبودية التي الغيت رسميا وحظرت وفق المعاهدة الدولية لعام 1926[ كان اليمن والسعودية من آخر الدول التي منعت تجارة الرق في الستينات ،بينما في السودان مازال معمول بها إلى يومنا هذا]3- الإقطاعية4- الإشتراكية 5- الرأسمالية أو إقتصاد السوق الحر وإفرازاته الإيديولوجية-المؤسساتية: الليبرالية،الديمقراطية،الحريات الدستورية،التعددية،دولة القانون وحقوق الإنسان المجتمع المدني وإلخ..
ونظرا لأن التشكيلة الإشتراكية ونظامها الإقتصادي- الإجتماعي كان من نوع التطور غير الحقيقي،وبتعبير آخر انه لم يحمل في طياته بذرة تطوره[كيف يمكن جعل كافة شرائح المجتمع متساوية وعن طريق استخدام القوة،بينما التطور الطبيعي يفرض الاختلاف والتفاوت وبالتالي الصراع[ غير تناحري] والتناقض الذي هو محرك التطور؟].بل رأينا في نمط الإنتاج الإشتراكي عائق كبير أمام تطور القوى المنتجة وبالتالي أصبح في تضاد مع قوانين التطور الإجتماعي الموضوعية ونتيجة لذلك تحول إلى نقيض لإحتياجات المجتمع ومتطلباته،مما أدى به إلى الإنهيار ومغادرة مسرح التاريخ. وماانقلاب العسكر والإستخبارات ضد غورباتشوف آنذاك سوى محاولة يائسة للإمساك بتلابيب عجلة التطور وكبحه.والتطور الذي نحن بصدده كعملية تاريخية ذات طابع دياليكتيكي،لم يجر على نسق واحد أوبشكل مستقيم،بل اكتسب طابع الصعود والهبوط وخضع لقانون وحدة وصراع الأضداد.فعالمنا هو كيان واحد،لكنه يحتوي على متضادات،أي الشيء ونقيضه:Antipode وهنا يكمن مصدر حيويته وتطوره بالذات.واكتشف زردشت نبي الشعب الميدي الخالد هذه الحقيقة منذ القدم بحسه السليم وذكاءه الحاد،حيث قال في كتابه المقدس أفيستا:” عليكم الإختيار قبل حلول يوم القيامة بين قانونين: قانون الحقيقة والكذب،على كل إنسان إختيار ديانته بنفسه”وهذا يعني بكلمات أخرى إما الوقوف إلى جانب قوى التقدم والتغيير الحقيقي في المجتمع البشري أو قوى الرجعية والتخلف والقمع،ويعد موضوعة اختيار الانسان لدينه بنفسه من أقوى جوانب الديانة الزردشتية ودليل على الجوانب الديمقراطية فيه،سيما إذا أخذنا بالحسبان ان الانسان ذي الإرادة الحرة وغير المكبل بقيود مرئية وغير مرئية قادر على صنع المعجزات ودفع عجلة التطور إلى الأمام.ومن الجدير بالذكر تأكيد فلاسفة اليونان الكلاسيكيين على حقيقة خضوع تطور البشرية لقوانين الديالكتيك مثل هيراقليط وآخرين وفي العصر الحديث هيجل،فضلا عن ماركس وغيره.ومن نافلة القول أن الأسس المادية للحضارة الأوربية والأمريكية المعاصرة قد وضعت من قبل أحفاد زيوس أي الأغريق في سنة 630 ق.م ليس في أثينا،حيث شهدت البشرية مولد الديمقراطية الأولى،بل في مدينة ميليت[جنوب مدينة إزمير الحالية]،عندما تحولت تلك المدينة و80 من حواضرها إلى مخبر حقيقي لإنتاج وتخريج الفلاسفة[ هيراقليط،بيرمانيديس]،علماء الرياضيات وعلم الأحياء[ فيثاغور،أناكسيمينيس]،فن العمارة[هيبوداموس]،الطب[ الكمايون، إيمبيدوكليس]،علم الذرة[طاليس ولويكيب]،علم الجغرافيا[ هيكاتايوس].وبما أن تلك الإنجازات الحضارية المتطورة جدا بمقاييس ومعايير ذلك الزمان،جاءت كإستجابة موضوعية لحاجات ومتطلبات المجتمع البشري آنذاك ونقلته إلى درجة أعلى في سلم الرقي،صمدت بوجه الغزو الفارسي المتفوق عسكريا ولاسيما في معارك ماراثون 490 ق.م وسالاميس 480 ق.م. بالرغم من تدمير الفرس لمدينة ميليت في سنة 494 ق.م،بيد أن إنجازات ذلك الرعيل الأول من العلماء مازالت حاضرة في كافة جوانب حياتنا اليومية.
أمثلة وعبر من ذاكرة التاريخ:
ومن المفيد جدا الإستشهاد ببعض الأمثلة الشهيرة من ذاكرة التاريخ،للبرهان أن أعداء التقدم وتطور المجتمع البشري حاولوا دائما وفي مختلف الأزمنة وقف عجلة التاريخ الهادرة والصاعدة،فهم ماعدا بعض الإنتصارات المؤقتة فشلوا دائما في مهمتهم غير المقدسة.
أ‌- يعد اختطاف وقتل المحامي،الكاتب وخطيب البلاغة الشهير في التاريخ تسيتسيرون [ 103-43 قبل الميلاد] خير مثال على ذلك: قرر عضوا مجلس الشيوخ الروماني أنطونيوس وأوكتافيان في العام 43 ق.م اختطاف وقتل الكاتب الجريء،لإنحيازه إلى جانب خصوم القيصرومعارضيه،الذي اغتيل بصورة غادرة ووحشية في مبنى مجلس الشيوخ على يد هؤلاء في سنة 44 ق.م.تؤكد مختلف الوثائق والمصادر التاريخية على لجوء القتلة،الذين أخذوا أوامرهم من أنطونيوس شخصيا إلى قطع رأس تسيتسيرون ويديه وأخذها إلى سيدهم وهي ماتزال تنبض بالدفء.شعر أنطونيوس بالغبطة والسعادة من جراء ذلك وكانت زوجته فولفيا واقفة بجانبه،التي أخذت سكينا حادا وقطعت لسان الخطيب البارع.وبعد الإنتهاء من تلك المراسيم والطقوس البربرية وضع رأس تسيتسيرون المقطوع اللسان ويديه على منصة الخطابة في مجلس الشيوخ.تحمل الحادثة المذكورة في طياتها معنى عميق للغاية ودليل ذات مغزى لا يخفى على أحد.فعندما كان تسيتسيرون عضوا في مجلس الشيوخ وقف مرارا على تلك المنصة، يلقي خطبه المدعومة بالحجج والدلائل القانونية والمنطقية والبراهين القاطعة وبرباطة جأش وبلسان فصيح منتقداأنطونيوس و القيصر وأنصارهما.فهذا الحقوقي والكاتب الشهير هو الذي قام ولأول مرة في التاريخ بتعريف الإيطاليين ومن ثم الأوربيين الآخرين بإنجازات الفلسفة اليونانية من مدينة العلماء ميليت ومناطق أخرى وليس العرب كما يشاع من قبيل الإفتراء على التاريخ.أن قطع لسان تسيتسيرون لم يوقف عجلة التاريخ أبدا،لا بل أن نتاجاته وأعماله القانونية والفلسفية وخطاب البلاغة وروح النقد الجريء والبناء، قد أصبحت من كنوز الثقافة البشرية،ساهمت وما تزال في دفع عجلة التطور نحو الامام.
ب‌- اعتقد نيرون الذي حكم روما مابين سنوات 54-68 للميلاد،انه بإحراق تلك المدينة الأبدية من جراء اشتداد المعارضة الداخلية لحكمه التسلطي،قادر على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وإدامة سلطته الدموية.ولكن التاريخ تابع مسيرته وانتحر نيرون خوفا من العاصفة القادمة.
ت‌- عندما قام المستعمرون الأتراك قي القرن الماضي بتعميد المدن والحواضر الكوردستانية بعد كل انتفاضة بالدماء وإحراق الأخضر واليابس،اعتقلوا أكثر من مئة شخصية كوردية بين شاعر وكاتب وأديب وربطوا أرجلهم بالحجارة الثقيلة،ثم ألقوا بهم في غياهب بحيرة وان! هل أن تلك الأعمال البربرية أوقفت مسيرة الشعب الكوردستاني في شمال كوردستان وكفاحه العنيد للظفر بالحرية والحقوق الانسانية؟ قطعا لا، فهاهم البيشمركة يقارعون جيش الإستعمار التركي ببطولة لا مثيل لها والنضال مستمر،كونه جزء من مسيرة البشرية الشاقة نحو الحضارة وفي جو أفسح من الديمقراطية والحرية الحقيقية.
ث‌- بالرغم من كافة حملات البطش والإبادة الجماعية والأنفالات والأسلحة الكيماوية والغازات السامة،وإغلاق منابع المياه العذبة في جبال كردستان الجميلة بالأسمنت وزرع محيطها بالألغام وقطع الغابات من قبل سلطة الاجرام الصدامية-الفاشية في محاولة لقتل روح الحرية وإرادة الانعتاق لدى أحفادالميديين ،بهدف إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، لم يتوقف زحف تقدم البشرية الظافر في كوردستان وهاهو كوردستان الفيدرالي ينتصب بقامته الشامخة ومؤسساته الديمقراطية وقومياته المتآخية. وهذا الكيان الناشيء دليل على عراقة وتحضر سكانه، فلم يحدث أي اعتداء على المكونات الأخرى سواء على أساس ديني أو عرقي ولم يستشهد أحد من الجنود المحررين من قوى التحالف الدولية ولو في حادثة سيارة.بينما يتم في مناطق أخرى من المناطق المستقطعة من جسد كوردستان ولاسيما في جبال شنكال إبادة الكرد الأيزيديين بصورة بربرية وعلى أيدي الإستخبارات السورية وأعوانها المرتزقة.
ج‌- جاءاختفاء صدام العوجة وحامي البوابة الشرقية في جحر الجرزان،على أمل ان يتوقف رحى الزمان ويعود بعدها إلى السلطة كسابق عهده في القتل والتدمير،دليل على عدم معرفة أبسط قوانين وسنن التطور الإجتماعي وعدم الإستفادة من دروس وعبر التاريخ.فأسطورة أهل الكهف مع كل رونقها وجمالها الأدبي تبين لنا بجلاء أنه في الوقت الذي كان أهل الكهف يغطون في نومهم العميق،كانت البشرية تواصل سيرها وتطورها إلى الأمام، ولدى استيقاظهم وذهابهم إلى المدينة تفاجئوا وانبهرت أعينهم لما رأوه من تغيير وتبدل في كل شيئ وكأن لسان حالهم يقول:هيا نعود إلى الكهف.
ح‌- عمليات الاحصاء والحزام العربي العنصرية،حرق أطفالنا وهم أحياء في عاموده،حرق مناضلينا في سجن الحسكة،قتل شبابنا وأطفالنا في ساحات قامشلو البطلة، قتل جنودنا في الجيش السوري،حشر 3 ملايين كوردستاني في أحزمة الفقر والجوع،اختطاف شيخنا الجليل معشوق الخزنوي من قبل سلطة البغي والعدوان،سلطة أقزام البعث الشوفينية، لم تستطع أبدا وقف مسيرة الشعب الكردي في غربي كوردستان وبلوغها مستوى أعلى من النضال والكفاح الإنساني من أجل غد أفضل.بل على العكس نجد أن هذه السلطة الغاشمة التي تحكم بقوة الحديد والنار وبحكم تلك القوانين الآنفة الذكر قد حزمت عدتها وعقدت العزم على الرحيل مكرهة وليس برضاها، لأن وجودها أصبح يتناقض ليس فقط مع قوانين العدالة والعقل والحكمة،بل مع وجود الإنسان ذاته.فهي محكومة بالموت من قبل التاريخ لأنها تعرقل سيره الطبيعي نحو آفاق جديدة ورحبة.
خ‌- سلطة الملالي القروسطية وجرائمها القذرة في طهران ضد الكورد في شرقي كوردستان،القتل غدرا منذ كورش الأول وتصفية قادتنا في فيينا وبرلين وبمساعدة إرهابيي حزب الله اللبناني وسياسة تجويع الكورد وتهميشهم ،كانت عاجزة تماما عن كبح المسيرة النضالية لأحفاد اسماعيل آغا سيمكو وقاضي محمد وعبد الرحمن قاسملو وشرف صادق كندي وغيرهم من كواكب الشهداء نحو الحرية والكرامة الإنسانية وهاهي الفصائل المسلحة للبيشمركة تقاتل وحدات الحرس الثوري للإستعمار الفارسي من أجل حرية واستقلال الميديين.
الخاتمة.
لقد سعى الانسان منذ الأزل،في كل زمان ومكان،في الاسطورة وفي الواقع ،ولازال يسعى ليس للعيش مع الجماعة والتعايش معها فقط، بل تغيير هذا الواقع إذا كان مكبلا بقيود الإضطهاد والظلم والجور في مسيرة نحو الأفضل والأكمل.
وعلى هذا النحو نجد أن حركة التحرر الوطني الكوردستانية في الأجزاء الأربعة من كوردستان هي الأخرى تعيش مع الجماعة وفي مجتمع بشري محكوم بقوانين جائرة،ظالمة معادية لإنسانية الانسان وجوهره بصفته هدف وغاية الوجود على الاطلاق، أصبحت مركز استقطاب للحركات الديمقراطية-التحررية للشعوب العربية والتركية والفارسية من أجل حقوق الإنسان،الديمقراطية،التعددية وإقامة دولة القانون قولا وعملا وليس نفاقا.والدماء الغزيرة التي أريقت في حلبجة،كركوك،ساحات الأنفال،قامشلو وعامودا،ديار بكر،مهاباد ونغدة من قبل الكورد كان مهرا غاليا ليس من أجل حرية وكرامة الكوردستانيين فقط وحقهم في مواكبة مسيرة التطور البشري ودروبها الوعرة المملوءة بالأشواك والحجارة،بل كان بنفس القدر من أجل حرية وكرامة هذه الشعوب أيضا التي تستحق حياة انسانية لائقة وبحسب كافة الشرائع الموضوعية والسماوية.وهذا النضال البطولي والعادل للكورد ضد آلة القمع الإستعمارية في الأجزاء الأربعة ينسجم تماما مع المشروع الحضاري للبشرية وطموحه نحو عالم أفضل، خال من العنف والإضطهاد والحروب.
—————————————————————
*د.آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني،عضو اللجنة القيادية في حركة التغيير الديمقراطي الكردستاني-سوريا

ملاحظة:قبل فترة نشر أحد هؤلاء الأقزام المتطفلين على حركة شعبنا الديمقراطية،من كتبة العرضحالات “بيان ودعوة” على صفحات الانترنيت،وكانت موجهة لنا يدعي فيها انه سجين رأي سابق، مملؤة بالأكاذيب والإفتراءات ويتقطر منها سموم الحقد على الكورد،وهي أيضا تعبير عن الإغتراب عن الواقع الموضوعي ومحاولة عرقلة نضال الكوردستانيين بوسائل خبيثة ولكنها مكشوفة،و دليل على بؤس هذا الشخص وضحالته الفكرية والروحية وهو زائل لا محالة لأنه يسبح ضد تيار التاريخ.ونعاهده أن نضالنا سوف يزداد ويتصاعد،سيما أن الكوردايتي،هي عقيدتنا ونهجنا في الحياة وهي الطاقة المحركة لكافة أعمالنا وخطواتنا وبالتالي تاج على رأس كل كوردستاني وطني ومخلص.