الرئيسية » مقالات » تقرير فينوغراد وأولمرت …الإفلات المقصود للقيادة السياسية

تقرير فينوغراد وأولمرت …الإفلات المقصود للقيادة السياسية

حسم تقرير <<فينوغراد>> النهائي، في جزئه الثاني الجدل المفتعل في لبنان والمنطقة، حول نتيجة الحرب والعدوان على لبنان صيف عام 2006، بإقراره بجلاء ووضوح انتصار المقاومة اللبنانية، في الفقرة الأولى التي تقول: <<إن تنظيماً شبه عسكري يضم بضعة آلاف من رجال (حزب الله)، قد صمدت في وجه أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، تتمتع بتفوق جوي كامل ووسائل تقنية متطورة >>. ويمكن فهم الجدل المفتعل حول نتيجة الحرب، بتصريح وزيرة الخارجية الأميركية مع الأيام الأولى للحرب: << بتغيير قواعد اللعبة وإقامة شرق أوسط جديد>>، أي وضع لبنان في النقاط العلام في <<ملف اعادة تشكيل الشرق الأدنى>> الأميركي، بمنح إسرائيل والولايات المتحدة دوراً أمنياً في لبنان، وفي إستراتيجية <<الفوضى الخلاقة>>، القائمة على إشعال الفتن وتأجيج العصبيات، المنهج الرئيسي للمشروع الأميركي الفدرالي في لبنان.
ولعل الجزء السري من التقرير تحت دعوى<< المصلحة العليا للدولة>> وحماية علاقاتها، قد أشار إلى أطراف لبنانية محلية وعربية وإلى اتصالات ومواقف بشأن الحرب في لبنان وأهدافها، الأمر الذي سبق وتعرض له حينها مندوب <<إسرائيل>> في الأمم المتحدة، بتشجيع الكيان الصهيوني على تصعيد العدوان، نحو الوصول إلى << حل جذري يمنع العودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل بدء الحرب>>، وتردد أصداء هذه الجملة في غير مكان إبان الحرب والعدوان على لبنان.
لم يتطرق التقرير العلني إلى دور الإدارة الأميركية في قرار الحرب، التي وقفت عثرة أمام المحاولات الدولية المختلفة لوقفها على مدى شهر كامل، وضغطت لتصعيدها وتبريرها بكل همجيتها، وضربها بعرض الحائط لمسألة القوانين الدولية بشأن الجرائم الحربية، فالحرب قراراً أميركياً بتنفيذ صهيوني. ويمكن أدراك ذلك في نص خطاب رجال الاحتياط من قادة ومقاتلي اللواء 55 الصهيوني، خطاب الاحتجاج الذي أرسلوه موقعاً إلى وزير الدفاع ورئيس
الأركان حينها، وهذا اللواء شارك في الأيام الأخيرة من الحرب على لبنان، وعاد في حال من الصدمة بسبب الخسائر التي تكبدها، بعد ارتطامه بصخرة المقاومة. لقد اغفل التقرير العلني الإجابة على الأسئلة الصهيونية، التي ارتفعت مباشرة منذ أن وضعت الحرب العدوانية أوزارها، وعلى وهج النزيف البشري في عديد الجيش، التي ضربت منظومة قيم صهيونية، زرعها روادها المؤسسون، ربطاً بالعقيدة الصهيونية ومستقبلها، ومنها نظرية<< التفوق على العرب مجتمعين، والجيش الذي لا يقهر>>، فثمة من يرى أن الحرب قد كشفت عن ضرورة إعادة تجهيز الجيش الأسرائيلي على النحو الذي يمكنه من <<مواجهة الأخطار الجديدة>>، وكان الأكثر تعبيراً عن ذلك وزير الدفاع السابق، الليكودي موشيه أرينز، فقد تناوله في مقال تحت عنوان <<مرثية للهزيمة>> في صحيفة <<هآرتس>> 13(أغسطس)2006، حول المخاطر المتنوعة التي ستواجهها <<إسرائيل>> في المستقبل، آخرون طالبوا بانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي بحيث تصبح دولة تتمتع بكل مزايا العضوية، وجعل أمنها جزءاً من أمن الدول الأعضاء فيه.
كما تولدت لحظة أن وضعت الحرب أوزارها، أسئلة مأزق الوجود وعدم الجدوى، تعميقاً لشعوراً المأزق التاريخي لإسرائيل، بما يتجاوز كثيراً الحرب ذاتها، لكنها ترتبط بتداعياتها بالكشف عن شعور عارم بأن أزمة الحرب تمسها في الصميم، وتلقي ظلالاً قائمة حول مستقبلها وقدرتها على البقاء، بعد أن فتحت الأعين على إمكانية هزيمتها. في هذا النموذج عبر العالم الإسرائيلي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد إسرائيل أومان، عن شكوكه باستمرار وجود الدولة العبرية على المدى البعيد، مشيراً إلى أن <<عدداً كبيراً مما ينبغي من اليهود لا يدركون لماذا هم موجودون هنا>>، متسائلاً: << إذا لم ندرك لماذا نحن موجودون هنا، وأن إسرائيل ليست مجرد مكان للسكن فيه، فإننا لن نبقى>>، ورأى أن <<الإرهاق الوطني>> شكل أحد الأسباب الرئيسية لنتائج حرب لبنان، مؤكداً أن <<الإرهاق في وضع دولة إسرائيل سيؤدي إلى الموت، كما يحدث خلال تسلق الجبال، فإذا ما علق متسلق الجبال على جانب الحبل، وبدأ الثلج بالتساقط، يجب أن يبقى حذراً وإلا سيموت>>.
على ذات الرؤية يبين روبين بدهستور في مقالته <<الهزيمة المؤلمة>> في <<هآرتس>> 16 آب (أغسطس) 2006، الإخفاق في الحرب السادسة، متناولاً موازنة <<إسرائيل المخصصة للدفاع>>، والمقدرة بـ11 بليون دولار سنوياً، فضلاً عن <<15 بالمئة من الناتج القومي الخام>> للأمن سنوياً، وأن هذه الموازنة ليست ثابتة ونهائية، بل هي في تزايد مستمر، ويقارنها بالنسبة لعدد السكان مع موازنة الدفاع اليابانية، فتصل إلى 15 ضعفاً عنها، وثلاثة أضعاف موازنة دفاع الولايات المتحدة ودوماً بالنسبة لعدد السكان. لقد جسدت هذه المراجعات الساخنة على جمر نتائج الحرب وبعد توقفها، بأن الحرب بالأسلوب الذي اتبعته المقاومة، وبما أفضت من نتائج، قد أسقطت هيبة المؤسسة العسكرية الصهيونية في الصميم، وعبر عنها ران بيرتس في صحيفة <<معاريف>> 14 آب (أغسطس) 2008، في معرض وصفه الأزمة الكبرى في <<إسرائيل>>، بأنها <<الضربة الشديدة التي تلقاها الردع الإسرائيلي، ومن يدعي غير ذلك وأن الأمر لم يكن كذلك، يواصل ثقافة الكذب على الذات>>، معدداً فقدان المصداقية والتعمية على الحقيقة حتى في التقارير العسكرية عن الخسائر. أما جدعون سامت في صحيفة هآرتس 16 آب (أغسطس)، فقد طالب بتعزيز العلاقة مع أوروبا <<بدلاً من تلقي التعليمات من البيت الأبيض ووزيرة خارجيته رايس>>، ملمحاً بأن حرب إسرائيل على لبنان، هي بالنيابة عن الولايات المتحدة. مع مطلع العام الحالي جاء أيضاً تقرير <<الخارجية والأمن>> الإسرائيلية، الذي أكد بالعبرية الفصحى أن الجيش الصهيوني <<أصيب بالعمى في لبنان>>، موجهاً له انتقادات عنيفة حول إدارته العدوان، والتي سماها <<حرب لبنان الثانية>>، وجاء في 151 صفحة أن الجيش الإسرائيلي <<تماهى مع حزب الله، وأصيب بالعمى ما أدى إلى تعاظم منطق العدو>>، دون أن يحمل ٍأولمرت مسؤولية خاصة، لكنه تضمن انتقادات شديدة للقرارات التي أصدرتها الحكومة، مضيفاً <<إن الجيش فشل في تحقيق الهدف المركزي من الحرب (…) وكان فشلاً مادياً خطيراً>>. وكانت لجنة الأمن والخارجية الإسرائيلية قد بدأت التحقيق في حرب <<لبنان الثانية>> منذ أيلول (سبتمبر)2006.
لقد خلص تقرير <<فينوغراد>> إلى أن <<الجيش فشل وفوت فرصة ولم يحقق النصر، وهو خصوصاً يتحمل الثغرات وحالات الخلل الأخرى>>، لقد تمكن رئيس الحكومة الإسرائيلية من الإفلات، لأن التقرير جاء أخف في انتقاداته له عن التقرير الأول، ويمكن في هذا الجانب تلمس الدور الأميركي، والذي برز في زيارة بوش الأخيرة وامتداحه المتواصل لأولمرت، بل يمكن أيضاً إدراك ذات المنحى على إيهود باراك زعيم حزب العمل باتخاذه قرار البقاء في الحكومة، خلافاً للوعد الذي قطعه على نفسه بالانسحاب من الحكومة بعد صدور التقرير، فإذا ما انسحب حزب العمل من الحكومة ستسقط فوراً، وتتجه <<إسرائيل>> إلى الانتخابات المبكرة.
كما قفز التقرير في جزئيه الأول والثاني، عن السؤال الأول الجوهري والأهم وهو قرار الحرب، ومن زاوية بطلان حروب العدوان، حين انطلق من تسليم مسبق بحق <<إسرائيل>> بشن العدوان والحروب كيفما ترى ومتى شاءت، كما قفز عن جرائمها ضد الإنسانية وضرب البنية التحتية المدنية والمؤسسات العامة، وعدم التزامها بالقانون الدولي، كدولة <<فوق>> القانون الدولي والقرارات الدولية، وبالذات اتفاقية جنيف الرابعة التي تضمن حماية وحقوق المدنيين إبان الحرب.
مع <<فينوغراد>> وبدونه، و بالشهادات المقتضبة التي عرضناها، فإن <<إسرائيل>> جريحة يغمرها إحساس مرير بالفشل والهزيمة، وأمام قوة من طبيعة شعبية ذات إرادة، وأخذت تحسب حساباً عميقاً على المناحي المشابهة، حين تفكر في استعادة هيبة ردعها، دون إغفال استهدافها العدوان على لبنان في المستقبل، فهذا الهدف لم يتغير، رغم الإحساس بالفشل.
لقد أقرت<<إسرائيل>> بالحقيقة الكبرى التي خرجت بها من عدوانها وحربها، وهي أن المقاومة اللبنانية الباسلة قد حققت انتصاراً نوعياً، ستتواصل تداعياته وانعكاساته على مستقبل الصراع في المنطقة بين إرادة الاستقلال والتحرر والمخططات المعادية، كما قطع الإقرار والاعتراف الصهيوني بالفشل على البعض العربي الذي شكك لأسباب معروفة بانتصار المقاومة، لارتباطه بسقف السياسات الأميركية، وعليهم الآن قراءة الاستخلاصات الصهيونية بتفحص وبعيون مفتوحة على الحقيقة.
يحق للبنان وشهدائه الأبطال وحزب الله ومقاومته الباسلة، أن يفخروا، بما ينطوي عليه التقرير من إقرار واعتراف بالفشل، ولم يكن ذلك يقع لولا الشهامة والشجاعة والحكمة للمقاومة اللبنانية، قيادةً ومقاتلين وعموم مؤسساتها الأمنية والعسكرية والإعلامية والاجتماعية، وبما امتازت به من تضحيات دفاعاً عن الوطن.
*كاتب فلسطيني