الرئيسية » مقالات » مسير الجمال والنضال.. مذكرات نصير

مسير الجمال والنضال.. مذكرات نصير

لعل أروع ما مرّ به الحزب الشيوعي العراقي خلال الأربعين عاماً الماضية، هي تجربة الكفاح المسلح التي خاضها خلال عقد الثمانينات ضد الفاشية التي كانت تحكم العراق. ولعل هذه التجربة هي أكثر ما يفخر به العراقيون منذ مسيرة عام 1979 الشاقة التي انتقل فيها الحزب برفاقه وقيادته وجزء كبير من مناصريه وأصدقائه إلى الخارج. كان حلم النظام الفاشي يتكرس في لا عودة للحزب مرة أخرى إلى بلاده وشعبه، وأنه قد صفّى الحزب تماماً، وكان مسئولوه الكبار الذين هم في نفس الوقت خدم صغار لأسرة صدام وقبيلته الريفية الصغيرة، غالباً ما يصرخون ويعلون بخفة وغطرسة أنهم استأصلوا شأفة الشيوعيين من العراق، في وقت كان أنصار الحزب ونصيراته يجوبون ميدان الكفاح الأنصاري المسلح مع أخوتهم البيشمركه الكرد. يقومون بعمليات بطولية تصل في أحيان كثيرة إلى مخادع أتباع النظام وعملائه وخدمه. كان الأروع في هذه التجربة أنها كانت تحدياً لنظام متغطرس أوصله وهمه وجهله بأنه سيخرق السماء ويبلغ الأرض طولا بأسلحته الهائلة وجيوشه الجرارة وأجهزته الحديدية الخاصة وإمكانياته المالية غير المحدودة، لكنّ فتياناً وفتيات من الحزب الشيوعي العراقي جاءوا من مختلف أنحاء العراق من البصرة حتى زاخو، ومن عواصم الدنيا تاركين أسرهم وأعمالهم ومقاعدهم الدراسية في الجامعات والمعاهد ليحملوا السلاح ويرتدوا الثوب الكردي بادئين بالعصا كسلاح أول، حتى وصلوا إلى قاذفة السيتريلا التي كانت سلاحاً متطوراً حينها، ضاربين مراكز السلطة التي كانت تقتل بالجملة وتخرّب في كل مكان لمجرد الشبهة ولمجرد رفع صورة جنرال مزيف ببزة عسكرية لا تليق على جسده المترهل.
كنا نسمع أخبار رفاقنا الأنصار وهم يجوبون القرى، تحضنهم البيوت الكردية، ويستقبلهم الأطفال الكرد، وتقدم لهم ربات البيوت شيئاً من طعام الأسرة، يشاركونها فيه خبزاً وملحاً ووجداناً. كانوا عرباً من البصرة والموصل والعمارة وبغداد وباقي المدن الأخرى، وكرداً وتركماناً وكلداناً وآشوريين ويزيديين ومندائيين في لُحمة شيوعية واحدة، يجمعهم السلاح الوفي المدافع عن قضية شعب كريم يسعى لخلاصه من طغمة فاشية مصابة بلوثة النزوع إلى التخريب، ومريضة بوهم العظمة تسعى لتدمير كل شيء في العراق.
كنا كإعلاميين موزعين في بعض عواصم العرب، وفي مقدمتها دمشق التي كانت حضن المعارضة، نسمع أخبار أنصارنا، نقرأ عنهم، تصلنا بوادر إبداعهم الفني صورةً وقصة وقصيدة وفصلاً مسرحياً، وتصلنا معها أخبار عملياتهم العسكرية واقتحاماتهم لأوكار الفاشية، نحاول أن نمرر خبراً أو كلمة (أنصار) عن رقابة خبيرة شديدة، لكي يرى ويقرأ الآخرون ماذا يفعل أولئك الشباب في مواجهة ذلك الصرح الإجرامي الجبار، صرح الفاشية الباغية في العراق، ونفهمهم لماذا يفعلون ذلك وكيف وسط تيار إعلامي متحفظ يفكر بالمستقبل قبل أن يفكر بالحدث وبالحقيقة، ويوازن بين غنى النظام وفقر المعارضة العراقية، بين اليد الممدودة دائماً لتقديم ثروة العراق المسروقة لكل مَن يمتدح ويتغزل ويتغنّى، حتى لو كان ذلك المديح والتغزل والغناء محرماً وضد الطبيعة والجمال ويلمح بأكثر من شذوذ.
مؤلف كتاب الأنصار (مسيرة الجمال والنضال) ليس بالصائغ المتمرس أو التشكيلي المحترف الذي يحوّل المادة الخام إلى قطعة فنية نادرة تسرق الالتفات، بل هو المناضل المحترف والعامل الذي تشققت يداه من أجل إعالة أسرته ومواصلة حياته، ولم تكن أظفاره ناعمة، بل هو مقاتل ونصير شيوعي، رغم أنه سرق بعض الوقت من حياته الأولى ليتخرج من كلية الآداب، جامعة بغداد.
حاول وسأل وطرق الأبواب، جمع القصص والأخبار والأسماء والصور، وأضافها إلى ما لديه من تجربته في الميدان الأنصاري، ليقدم كتاباً، فاجأنا به.
لم يكن كتاباً عسكرياً يتنقل من موضوع إلى آخر ومن حصن إلى ربيئة فقط، وإنما كان حياة متكاملة تسجل علاقات إنسانية بين بشر عراقيين يحملون فكراً إنسانياً وحضارياً وحلماً كبيراً في خلاص الوطن، وحباً أكبر لشعبهم.
شرّفني هذا الطالب العامل النصير، والكاتب أخيراً أن ألقي نظرة على مشروعه وأبدي بعض الرأي في لغتته، وطلب أن أكتب مقدمة له. وهو أمر أدهشني كثيراً، بالنسبة لي أنا الذي كنت أعمل في مؤسسات إعلامية كبرى، أناقش مع المتناقشين وأتحذلق مع المتحذلقين، في وقت كان هذا الصديق يكتب وحيداً دون استعراض وتحت نور فانوس خافت داخل مشجب السلاح بعض التفاصيل اليومية عن حياته وحياة رفاقه الأنصار، ومياه أمطار كردستان الغزيرة تخترق السقف فوق رأسه وتبلل أوراقه، ليضطر مع رفاقه إلى الخروج ليلاً وتحت سطوة الزمهرير لإصلاح السقف، ليس خشية على نفسه، بل على سلاح الحزب والرفاق من التلف والصدأ. وفي الوقت الذي كنت أنتظر سيارة المؤسسة لنقلي من وإلى موقع عملي، كان يجتاز السفوح والأنهار الهادرة وحقول الألغام وهو يحمل السلاح والمؤن الثقيلة بواسطة نقل وحيدة صالحة آنذاك هي البغل الذي ينقل على ظهره حمولة نفيسة هي السلاح والمواد الغذائية والنفط والحطب وبعض الكماليات كالورق وأمواس الحلاقة، وربما بعض الحليب الجاف أو القهوة. كانت قطعة الحطب وحبة القمح وحفنة السكر وقطعة السلاح أغلى من الذهب بالنسبة له، فيا للمفارقة الظالمة! الآن هو يكتب عن التجربة، ويطلب مني الرأي والمشورة.
الكتاب أقول: هو كتاب حياة وتفاصيل حياة يومية قاسية في أغلبها، لكنها سعيدة. كتاب تجربة نادرة لملم الكاتب أجزاءها من كم هائل ضاع أغلبه بسبب ظروف التجربة. قسم منه ضاع مع الشهداء والقسم الآخر فُقد أغلبه في الظروف الصعبة التي مرّ بها الأنصار، احترق في القصف أو سقط في الأنهر والوديان، أو فقد في المسير الشاق. لكن ما لا ينسى سُجّل وبقي حياً فوصل إلى القارئ.
الكتاب هو الخطوة الأولى التي ستأتي إثرها خطوات لتوثيق وتدوين حياة الأنصار وتجربتهم الطويلة والغنية في كفاحهم ضد النظام الفاشي في فترة قاربت العقد من الزمان.