الرئيسية » مقالات » في مجلس النواب مصالح بالمُفَرَّق وتشريعات بالجملة

في مجلس النواب مصالح بالمُفَرَّق وتشريعات بالجملة

تميزت الجلسة الرابعة والخمسون لمجلس النواب العراقي، التي انعقدت في الثالث عشر من شباط 2008، بحدثين وممارستين جعلت منها واحدة من أهم الجلسات الصاخبة والمثيرة التي اعتاد عليها مجلس النواب، فالحدث هام للغاية حيث اتفق الإخوة الألداء بعد تأجيل عقب تأجيل، على إقرار مشاريع القوانين الثلاثة ( قانون العفو العام، وقانون الموازنة الفدرالية لعام 2008، وقانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم). أما الممارسة فقد تجلت بالتصويت على هذه المشاريع الثلاثة بالجملة، وهذا ما أكده بيان الدائرة الإعلامية التابعة للمجلس والصادر في نفس اليوم الذي قال إن النائب الأول لرئيس مجلس النواب، طالب النواب بأن ” يتم التصويت على مشاريع القوانين الثلاثة جملة واحدة “!!. هكذا.. وكأن البلد بشرا و اقتصادا ومدنا، بضاعة خردة في سوق للمزاد العلني.
لقد جاءت أسباب التأجيل ثم التصويت بالجملة على ثلاثة من القوانين الهامة، لتؤكد بشكل قاطع، حالة الهزال السياسي والاستهتار بمصلحة الوطن، عبر إشهار المصالح الفئوية والدفاع عنها حتى حافة الهاوية. فطرف يساوم للحصول على اكبر نسبة ممكنة من الميزانية، وآخر من اجل إطلاق سراح أتباعه المسجونين، وثالث يخشى على نفوذه في تلك المحافظة أو تلك من محافظات الوسط أو الجنوب. والكل يتربص وتتملكه الريبة من الطرف الآخر، وهم جميعا ودون استثناء يرفعون شعار الوطن والوطنية ومصلحة المواطن، ولكن عند التصويت على مشاريع القوانين المرتبطة بهذه القدر أو ذاك بمصالحهم الضيقة وامتيازاتهم، يطوى شعار الوطن ويركن جانبا، ولسان حال السادة النواب يقول: يا روح ما بعدك روح.
كتل سياسية بهذا المستوى السافر من المصالح الأنانية.. كيف ستتوافق على تعديل دستور البلاد، وبأي جبهة داخلية متراصة تسند المفاوض العراقي مع المحتل لإجبار قواته على الرحيل من البلاد؟ كتل سياسية لا تزعل و لا تترك قاعة المجلس غضبا، على أربعة ملايين من العراقيين منفيين قسرا أو طوعا ليس بوسعهم أن يضمنوا وجود طعام على موائدهم ليوم غد، حسب تأكيد “ديفيد شيرر” منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة لدى إطلاق الأمم المتحدة مناشدة “حملة استجداء” لحكومات الدول المانحة لجمع 265 مليون دولار، في بلد يستميتون على ميزانيته السنوية البالغة 48 مليار دولار..
كتل سياسية حولت المؤسسات الحكومية في جميع المدن العراقية عبر وزرائها الى شركات خاصة تابعة لها، كيف يمكنها ان تفي بوعودها بمحاربتها للفساد؟.. كتل سياسية استهوت لعبة تحالفات ثنائية وثلاثية ورباعية و ربما سباعية للإستقواء على بعضها و تلوك ذات المضامين في بياناتها التي يخبو بريقها بعد أيام من الإعلان عن تشكيلها. كتل سياسية سجل نوابها رقما قياسيا في غياب أعضائها عن جلسات مجلس النواب..كيف ستتوصل الى إعادة تشكيل حكومة جديدة خلفا للحكومة الحالية نصف المعطلة..؟
كل ذلك وغيره من البلاء العام الذي يعصف في بلد تحول، باعتراف مختلف الفرقاء، الى ساحة تصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية، ومرتع للعصابات المحلية والدولية، ويعاني من غياب أو نقص الخدمات الأساسية، واحتقان طائفي،..والقائمة تطول ..، ألا يستدعي حقا إعادة النظر بمجمل العملية السياسية، بعد ان بات مؤكدا أن زعامات سياسية بهكذا مواصفات و تسلكات ومحكومة بأجندات طائفية وقومية، لن تقوى على إدارة دفة حكم بلد كالعراق، ناهيك عن بناء النظام الديمقراطي المنشود؟.