الرئيسية » مقالات » حوار مع السيد الدكتور كنعان مكية في رؤيته للعراق الراهن 1-3

حوار مع السيد الدكتور كنعان مكية في رؤيته للعراق الراهن 1-3

إذا كان من الصعب جداً على السياسي , وخاصة العراقي , أن يعترف بالأخطاء السياسية التي ارتكبها في حياته السياسية , فلم يكن , كما يبدو , هذا صعباً على مثقف عراقي هو السيد الدكتور كنعان مكية , كما حصل أثناء اللقاء الأسبوعي الذي أداره السيد سام منسى بتاريخ 14/2/2008 , حين تحدث عن مواقفه التي أخطأ فيها حول تقديره لما يمكن أن يحصل في العراق بعد إسقاط النظام من قبل الولايات المتحدة الأمريكية , وخاصة حول قضايا مثل الطائفية السياسية والمحاصصة ابتداءً من مجلس الحكم الانتقالي وقرار الاحتلال الذي أعلنه مجلس الأمن الدولي بطلب من الولايات المتحدة وبريطانيا , والذي لا يوافق مزاج العراقيين بأي حال وضد إرادتهم الحرة , إضافة إلى جملة من القضايا الأخرى التي تستوجب المناقشة. إن مثل هذا الرأي والاعتراف بالخطأ يشكل فضيلة طبعاً للباحث العلمي الذي يعي أهمية ذلك , ولكن ما استوقفني حقاً في هذه المقابلة بعض المسائل التي اعتبرها خلافية وذات أهمية جوهرية لمجتمعنا العراقي والتي تستوجب وتستحق خوض النقاش بشأنها.
الملاحظة الأولى:
أشار الدكتور كنعان مكية بأنه لم يكن يقدر أن تتخذ الأحزاب السياسية الشيعية مواقف طائفية بهذه الصراحة والقوة التي اتخذتها في أعقاب سقوط النظام , ولم يبين لماذا تشكل لديه مثل هذا التصور غير الدقيق أو الخاطئ , كما أرى , رغم أن الأستاذ مكية قد شارك بفعالية في الحوارات التي دارت في ما بين القوى السياسية العراقية المعارضة وتلك التي دارت بين الولايات المتحدة وقوى المعارضة العراقية في واشنطن , وكذلك الدورة التي تعرف عليها بمشاركة ما يقرب من 135 عراقياً متخصصاً وسياسياً ومثقفاً في واشنطن , إضافة إلى النقاشات الفكرية والسياسية العامة في الفترة التي سبقت سقوط النظام. إن مستوى معارف ووعي الدكتور مكية يُفترض أن يكون على علم بثلاث مسائل جوهرية لا بد من ذكرها , وهي:
* كل الأحزاب السياسية التي تتشكل على أساس ديني في بلد متعدد الديانات والمذاهب , كما هو حال العراق , لا يمكن أن تكون إلا أحزاباً سياسيةً تقوم على أساس طائفي وتمارس سياسات طائفيةً. وقد برز هذا الواقع في الربع الأول من القرن العشرين وفي الأربعينيات من القرن الماضي حين نشأت جماعة الأخوان المسلمين (السنة) , كما برز في أوائل الخمسينات منه حزب التحرير الإسلامي (السنة) والحزب الجعفري (الشيعة) والذي شكل نواة حزب الدعوة الإسلامية , والذي كان يطلقون عليه العراقيون مجازاً بـ “الحزب الفاطمي”. وقد تكرس هذا الاتجاه الطائفي أكثر فأكثر نتيجة ممارسة الحكومات المتعاقبة نهجاً طائفياً سياسياً في الواقع العملي , رغم أنها لم تكن ممارسة رسمية , بل كانت غير مرغوب بها اجتماعياً من جانب كل الغالبية العظمى في المجتمع العراق , إضافة على سياسة التمييز القومي التي كانت تمارسها تلك الحكومات.
* كما لا يمكن لأي حزب سياسي ديني تأسس ونما وفق أسس مذهبية , ثم عمل بشكل شديد الاقتراب والتفاعل والتشابك مع الأحزاب الدينية الشيعية في إيران , دعْ عنك الحكم الشيعي الإيراني المتطرف , إلا أن يستند في فكره وفقهه وسياساته إلى قواعد عمل وسلوكية طائفية سياسية , خاصة وأن تحولاً حصل منذ الثمانينات في موقف حزب الدعوة بقيادة محمد باقر الحكيم في الموقف من ولاية الفقيه وإقراره لها. كما أن قيادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية قد التزم منذ تأسيسه في طهران من قبل السيد محمد باقر الحكيم بولاية الفقيه أيضا. ولا شك في وجود خلاف حول هذه القضية مع قوى شيعية أخرى ومع جمهرة غير كبيرة من الإسلاميين الديمقراطيين من أمثال السادة ضياء الشكرچي ومحمد عبد الجبار شبوط وأياد جمال الدين , على سبيل المثال لا الحصر.
* ولا أشك بأن الزميل مكية على علم أو يتذكر البيان الشيعي الذي أصدرته مجموعة من المثقفين والسياسيين الشيعة بمبادرة من السيد الدكتور موفق الربيعي والذي عبر في مضمونه عن روح طائفية سياسية عميقة الجذور , رفضت كثرة من المثقفين الديمقراطيين والتقدميين والعلمانيين واللبراليين الذين ينحدرون من عائلات تتبع المذهب الشيعي التوقيع على مثل هذا البيان الذي أسس بدوره للتمييز والصراع الذي تبلور من مواقع السلطة فيما بعد في العراق.
* ومع ثقتي بصدق طوية الدكتور مكية , إلا أن من غير المعقول أن الزميل لم يلاحظ تلك النزعة الطائفية التي تميزت بها الأحزاب الشيعية عموماً قبل سقوط النظام الذي أعتبر النظام العراقي كله سني ويعتمد على السنة العرب , وكأن النظام الدكتاتوري كان يعبر عن رأي جميع أتباع المذهب السني , وكأن لم يكن هنا الكثير من السكان من أتباع المذهب السني يناهضون سياسات النظام الدكتاتوري الذي لم يكن له دين ولا مذهب ولا فكر غير الفكر العنصر والشوفيني ولا سياسة غير السياسة الفاشية التي تجلت في عمليات الأنفال وحلبچة والتعريب والتهجير في كركوك وفي الأهوار وفي الحرب والغزو الخارجي…الخ , والذي عرض الكثير من السنة إلى ذات السياسة الإرهابية القاهرة.
لقد كان الاتجاه الطائفي واضحاً في أغلب أدبيات ومواد التثقيف التي كانت تصدرها الأحزاب السياسية الإسلامية العراقية قبل إسقاط النظام بسنوات طويلة , ولهذا فمن غير المعقول أن السيد مكية , الذي يلاحق القضايا العراقية منذ ثلاثة عقود حسب قوله , لم يكن واعياً لهذه الحقيقة الصارخة.
إن الإشكالية الكبيرة التي ربما لم ينتبه لها الزميل مكية هو التباين بين الأحزاب الديمقراطية المسيحية التي تؤسس في أوروبا والتي تستند إلى عملية التنوير التي مرت بها تلك الشعوب والتي تأخذ بمبدأ الفصل بين الدين والدولة في الحكم , وبين الأحزاب الإسلامية السياسية في العراق والدول العربية وبقية الدول الإسلامية عموماً التي لم تعرف حتى الآن عملية تنوير ديني واجتماعي ضرورية وتقرن الدين بالدولة في الحكم. إن غياب التنوير الديني وربط الدين بالدولة في دولة متعددة الأديان والمذاهب مثل العراق لا يقودان إلى صراعات في ما بين المؤسسات الدينية , وكذلك في ما بين أتباع الأحزاب الإسلامية السياسية المختلفة , حسب , بل يقودان إلى صراعات ونزاعات في ما بين أتباع طائفة دينية واحدة من أجل النفوذ والمال والسلطة أيضاً , وهذا ما يلاحظ اليوم في العراق بوضوح كبير. والخطورة تكمن الآن في احتمال انتقال هذا الصراع إلى نزاعات سياسية – اجتماعية في أوساط المجتمع , والتي أشار إليها بصواب الدكتور مكية نفسه حين أشار إلى احتمال اشتعال حرب أهلية طائفية مدمرة داخل كل طائفة وفي ما بين الطوائف المذهبية في حالة خروج القوات الأمريكية في وقت مبكر من العراق.
لا أتحدث عن هذه المسألة الآن , بل كتبت عنها في دراسات كثيرة منشورة وفي كتابين صدرا لي في بيروت , دار الكنوز الأدبية , الأول تحت عنوان “ساعة الحقيقة , مستقبل العراق بين النظام والمعارضة” في العام 1995 , والثاني تحت عنوان “المأساة والمهزلة في عراق اليوم” في العام 2000 , إضافة إلى كتاب الاستبداد والقسوة في العراق في العام 2005 عن دار حمدي في السليمانية.
الملاحظة الثانية:
حين استفسر السيد سام منسى من الدكتور كنعان مكية في ما إذا كانت الإدارة الأمريكية تتحمل مسئولية ما في الأوضاع السائدة في العراق , تردد في الإجابة قليلاً ثم أجاب بأنهم يتحملون ذلك جزئياً , ويرى أن هذه المسئولية ناشئة عن عدم معرفة هؤلاء الناس بالواقع العراقي وأنهم تعاملوا على أساس الأكثرية السكانية في مبدأ المحاصصة في الحكم وفي كل الأمور التالية.
أختلف تماماً مع الأخ الدكتور مكية في هذا الصدد. وسأحاول فيما يلي توضيح ذلك.
لقد كان للولايات المتحدة استراتيجية معينة وللمعارضة العراقية استراتيجية أخرى , رغم أنهما التقيا في الموقف التكتيكي الهادف إلى إسقاط النظام , إلا أنهما اختلفا فيما يحصل بعد ذلك. وإذ لم تكن للمعارضة العراقية استراتيجية واحدة , بل مجموعة من استراتيجيات متباينة , فأن الولايات المتحدة كانت تمتلك استراتيجية واحدة , ولكن لم تهيئ لها أدوات التنفيذ الضرورية من جهة , كما اختلطت بالرغبة في تحويل الإرهاب الإسلامي السياسي المتطرف الدولي من الولايات المتحدة وتكثيفه في العراق من جهة ثانية.
ولم تكن الفوضى الأولى التي نشأت , كما لم يكن إعلان احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة عبر قرار مجلس الأمن الدولي مفاجئاً لي , بل كان مقرراً ابتداءً وجزءاً من العملية , وقد أشرت إلى ذلك في محاضرة لي شاركت فيها مع السيد الدكتور محمد بحر العلوم والسيد الدكتور محمود عثمان في لندن قبل الحرب بعدة شهر. كما عبرت عن رأيي هذا في ربيع العام 2002 في محاضرة قدمتها للأخوات والأخوة العاملين في مكتب الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية. لقد كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية لم تكن تريد تسليم الحكم للعراقيين , بل كانت تريد أن تحكم العراق بشكل مباشر وخلقت فراغاً ساهم في نشوء التوتر والصراع وبروز القوى الإرهابية تدريجاًُ وإعادة تنظيم القوى المناهضة للوضع الجديد , وخاصة جماعة البعث الصدامية وجماعة القاعدة. وحين أُجبرت على تشكيل مجلس الحكم الانتقالي أنتجته على الشكل الذي كانت قد قررته قبل ذاك في واشنطن والذي حصل على تأييد الأحزاب السياسية الشيعية والقوى الكردستانية. ومن المؤسف أن بعض القوى العلمانية شاركت , وبهذا المعنى وافقت على البنية المحاصصية لتشكيلة المجلس الانتقالي الذي لم يكن يحكم , بل كان الحاكم الفعلي هو بالمستبد بأمره پاول بريمر. إن الطريق الذي اختارته الإدارة الأمريكية للعراق كان يشير بصراحة ووضوح إلى رغبتها في نقل المعركة ضد الإرهاب دولياً من بلادها إلى العراق , وعلينا أن نفهم ذلك بوضوح وبدون رتوش لكي نستطيع أن نتعامل مع الأمور بصورة أفضل. ولم يخف جورج دبليو بوش هذا الموقف بل أعلنه مراراً وتكراراً , إضافة إلى بقية مفردات الاستراتيجية الأمريكية.
إن البدء بتوزيع السلطة على أساس المحاصصة الذي كرس الطائفية في العراق , كان يعني حرث وتمهيد الأرض الصالحة لنمو الصراع والنزاع الطائفيين في العراق والذي تعمق بالانتخابات المرتجلة والمستعجلة التي طالبت بها المرجعية الدينية للشيعية في النجف والذي لعب الدكتور أحمد الچلبي في بلورة الاصطفاف الطائفي السياسي في العراق باقتراحه تشكيل الائتلاف الشيعي (الائتلاف العراقي الموحد) الذي عمق الانقسام وأغرق العراق في مستنقع الطائفية , رغم حديثه عن اللبرالية الفاقعة التي تبناها.
لم يكن دور الإدارة الأمريكية يا سيدي الفاضل جزئياً , بل كان أساسياً , خاصة حين كان المؤتمن على العراق , پاول بريمر غير أمين لوجهة التطور الديمقراطي والمدني العلماني في العراق , بل أميناً لما كان يراد للعراق من جانب الإدارة الأمريكية في حينها والذي يتجسد الآن من الناحية الطائفية. لقد كان بريمر يلعب الدور الأول في السياسة العراقية والاصطفاف السياسي العراقي , وهو بذلك قد وجه ضربة غير مباشرة للقوى العلمانية والديمقراطية واللبرالية العربية في العراق ولم يساعد على تحقيق تحالف بينها وبين القوى الكردستانية.
لقد ارتكبت الولايات المتحدة الكثير من الأخطاء في غير صالح الشعب العراقي رغم أنها أنقذته من شرور أكبر طاغية عرفته منطقة الشرق الأوسط في القرن العشرين حتى سقوطه , إلا أنها أدخلتنا من خلال سياساتها المقررة والأخطاء في نفق مظلم كلف , وربما سيكلف , الشعب العراقي المزيد من الضحايا البشرية أولاً والحضارية ثانياً والمادية ثالثاً.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.
16/2/2008 كاظم حبيب