الرئيسية » مقالات » خروقات دستورية أم تناقضات دستورية

خروقات دستورية أم تناقضات دستورية

قرأنا طلب للدكتورة الدكتورة مريم الريس عضوة البرلمان السابق ومقررة في لجنة الدستور العراقي، الذي قدمته الى السيد رئيس مجلس النواب والى السادة المعنيين والذي من المفترض ان يتم عرضه في جلسة مجلس النواب القادمة يوم 3-2-2008 ، ودعوتها لزملائها وأساتذتها القانونيين للإبداء ملاحظاتهم حول موضوع صلاحيات مجلس الرئاسة، ولابد من تقديم الشكر للدكتورة على دعوتها لما تحمله من دافع إستشاري ورغبة في مشاركة الأخر، ونحن من الباب المساهمة المتواضعة نضع أمامكم ملاحظاتنا بهذا الشأن الذي تصفه الدكتورة ( بالأمر الخطير ):
1- إختارت الدكتورة مريم الريس عنوان ( خروقات دستورية )، وفي ضوء ذلك توقعنا كشفاً جدياً لجملة الخروقات المستمرة للدستور الذي كانت هي مقررة في لجنة كتابته، إنطلاقاً من شمولية العنوان وما يحمله من دلالة على تعدد المواد التي يتم خرقها وليس خرق لمادة واحدة كما تبين لنا عند قراءة نص طلب الدكتورة مريم الريس والذي ورد فيه ذلك الخرق حسب تقديرها ووضعت له معالجة حسب إجتهادها.
2- نزعم إن الساحة العراقية ومنذ أكثر من عقدين ساد فيها الرأي ذو الأجر الواحد / الحسنة الواحدة، وكان هذا مصدر الإيذاء إلى درجة التعارض مع بديهيات الحياة ناهيك عن مبدأ عدم جواز الإجتهاد في مورد النص، والدكتورة في دعوتها للزملاء والأساتذة لإبداء ملاحظاتهم على طلبها المذكور، قالت ( وقديما قالوا، ان اجتهدت فأصبت فلك حسنتان وان اخفقت فلك حسنة واحدة اخيرا اتمنى ان اكون مصيبة في ما قدمت.. لا من اجل ان انال حسنتين رغم عظمتهما.. )، وبقولها هذا قد إستغنت عن الحسنتين التي ينالها المصيب في إجتهاده، ولم تذكر الحسنة الواحدة عندما يكون ذلك الإجتهاد مصيبة، وأرادت حسنة أخرى هي الأورع ولكن لا نعرف كيف تنالها بإجتهادها المصيب وتتنازل عن إحدى الحسنتين أم هي حسنة الإجتهاد المصيبة ذاتها. حيث قالت ( .. بل من اجل ان اخفف ولو بجزء قليل من معاناة شعبي نتيجة تعطيل هذه القوانين وتلك اروع حسنة ) على كل حال، فذلك حق من حقوقها وفق القواعد الدستورية والأصول الشرعية، ونحن نشاركها ضرورة العمل من أجل تخفيف معاناة الشعب ولو بجزء قليل !!!!
3- إن رقم المادة موضع الخرق هو 137 وليس 138، وهذا الفرق هو فرق في النص الدستور الذي إعتمدته الدكتورة، ولم يكن النص الذي تم التصويت عليه فعلاً بالإستفتاء العام، إنما هو النص تم توزيعه قبل مارثون الحوار مع جبهة التوافق والذي إنتهى بتوقيع الصيغة النهائية قبل ثلاث دقائق من الساعة 24 في ذلك اليوم، ومن المفارقات ” الدستورية ” إن ذلك النص لا يزال منشور على موقع مجلس النواب العراقي، ولم يتم التدقيق به لحد هذا اليوم.
4- نحن نرى إن موقف أعضاء هيئة الرئاسة لا يشكل خرقاً دستورياً بقدر ما هو تصرف مشروع في ضوء نص الدستور، فإن كان هناك شيء يعرقل عملية إتخاذ القرارات والمصادقة على القوانين فهو كامن في النص الدستوري الحامل لعدة تناقضت، والذي عطل إنتخاب رئيس الجمهورية وذهب إلى إجراء إستثنائي وهذه هي حصيلة كل إجراء إستثائي، والعراق لا ولن يحتاج لإي إجراء إستثنائي إنما المطلوب جهود إستثنائية والفرق شاسع عند اللبيب والمجتمع بحاجة إلى طبيب . إلى درجة نزعم إن نص الدستور هو تشريع للفوضى بعد أن تخلصلنا من حقبة فوضى التشريع ( نصوص معطلة، سلطات غير كاملة، تناقضات في الصلاحيات و .تناقضات في مصادر التشريع .. ) ناهيك عن الخروقات المتنوعة والتي لم نرى رأي للمستشارين والمختصين القانونيين بشأنها وكأن الحال لا يزال محكوم بالسكتة الفكرية، على كل حال هذا ليس موضوعنا الآن.
5- بغض النظر عن رقم المادة، فأن الفقرة رابعاً منها ( يتخذ مجلس الرئاسة قراراته بالاجماع، ويجوز لأي عضو ان ينيب احد العضوين الآخرين مكانه ). وهنا تذهب الدكتورة إلى أن قرارات مجلس الرئاسة التي يحكمها الإجماع تشمل الموافقة والنقض، طبعاً مثل هذا الإجتهاد فيه تجاوز لحدود الأعراف، لا يجعل للنص أي حكمة، فلو كان المقصود فيه النقض إلى جانب الموافقة، فالنص ناقص ولم يجيب على حالة عدم الإجماع في كلا الحالتين، وهذا ما لا يمكن القول به لأن الإجماع عرفاً هو الموافقة على القبول، والرفض بالإجماع آلية التعامل معه كآلية عدم الإجماع من حيث النتيجة ولا يمكن تصور المحال وتجاوز واقع الحال . لأن الحياة تعطينا أجوبة تقول قد لا يحصل الإجماع. هل يعقل أن يتم تفسير هذا النص بهذه الطريقة ؟؟؟ علماً إنه لا يشمل موضوع المصادقة على القوانين، التي هي الدافع وراء طلب وإجتهاد الدكتورة مريم الريس، فالمادة 137 او 138 في الفقرة خامساً النقطة أ تنص على أن ( ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب، الى مجلس الرئاسة، لغرض الموافقة عليها بالاجماع، واصدارها خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه، باستثناء ما ورد في المادتين (118) و(119) من هذا الدستور، والمتعلقتين بتكوين الاقاليم )، وهنا نص صريح ، يشير إلى الموافقة بالإجماع وليس إلى النقض أيضاً ولا نعتقد الأمر يحتاج إلى إجتهاد فالدكتورة التي تقول ( من انه لا اجتهاد في مورد النص )، ولكن يبدو إنها لا تعمل بها المبدأ.
6- فإن ذهبنا مع رؤوية الدكتورة وإعتبرناها رؤية صحيحة من حيث الإستناد على النصوص والإجتهاد في تفسيرها وفق الأصول، فهل يمكن التوضيح لنا عن سبب نص الفقرة خامساً في ذات المادة ؟؟؟؟ هل هي زائدة أم منسوخة أم .. ومن هنا نرى أهمية النظر للدستور عند الكتابة او القراءة أو التفسير كوحدة واحدة لا يمكن أن نراه عكس ذلك، فعلاج الدستوري يكمن في نصوص الدستور أو بطريقة تعديل الدستور بعيداً عن التفسيرات التي لا جدوى منها وهي بالأساس غير منتجة. طبعاً رأي الدكتورة مريم الريس سبق أن سمعناه على شاشة التلفاز أثناء عرض جلسات مجلس النواب، وطرحته السيدة الحقوقية زكية إسماعيل حقي بمداخلة مكتوبة، وكان رئيس الجسلة متحمس كما ظهر من خلال دعوة النواب بقوله رجاءاً لنسمع رأي قانوني مهم !!! ولا علم لنا بما آلت إليه الأمور لحد الآن !!!!!
7- وهنا، نؤكد بأن حالة تأخر إصدار القوانين قائمة ومؤثرة على حياة الناس وهي نتاج لوجود مجلس الرئاسة الذي يقوم على التوافق في حين عمل البرلمان يقوم على الإنتخاب، وهذه من مفارقات الحالة العراقية التي لا يراد لها أن تخرج من هذه الشرنقة، ولذلك لا نجد أي سند موضوعي أو دستوري يدعم إجتهاد الدكتورة مريم الريس في هذا المجال، بمعنى أخر، إننا لا نتفق مع إجتهاد الدكتورة ومن يذهب مذهبها في تفسير وتكييف هذه االحالة، فالدكتورة مريم الريس ذهبت إلى الفقرة ثانياً من المادة 73 التي تنص ( المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بعد موافقة مجلس النواب وتعد مصادقة عليها بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تسلمها ) بدلالة الفقرة سادساً من المادة 138 التي تنص على أن ( يمارس مجلس الرئاسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في هذا الدستور) بطريقة القفز من دون التوقف عند الفقرة أولاً من ذات المادة التي تشير إلى أن صلاحيات رئيس الجمهورية يقوم بها مجلس الرئاسة، هذا المجلس الثلاثي المنتخب بقائمة واحدة، والتي تنص على أن ( يحل تعبير ( مجلس الرئاسة ) محل تعبير ( رئيس الجمهورية ) اينما ورد في هذا الدستور، ويعاد العمل بالاحكام الخاصة برئيس الجمهورية، بعد دورةٍ واحدةٍ لاحقةٍ لنفاذ هذا الدستور )، وقفزت قفزة لا يتمكن عليها حتى بطل العالم بقفزة الزانة الأوكرايني سيرغي بوبكا إلى الفقرة سادساً من دون أن تكلف نفسها عناء قراءة الفقرة أولا ً بقليل من الدقة، وهي ( مقررة في لجنة الدستور العراقي ) كما تقول، ألم ترى أن نص المادة 73 معطل لمدة دورة واحدة فكيف يمكن لقانوني أن يستند على مادة معطلة بنص صريح ؟؟؟؟؟؟
7- إن قفزة الدكتورة مريم الريس جعلتها تصل إلى الفقرة سادساً من دون النظر إلى الفقرة خامساً طبعاً من ذات المادة، والتي نصها ( أ. ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب إلى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها بالاجماع واصدارها خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه باستثناء ما ورد في المادتين (115) و(116) والمتعلقتين بتكوين الأقاليم. ب. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات إلى مجلس النواب لاعادة النظر في النواحي المعترض عليها والتصويت عليها بالاغلبية وترسل ثانية إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليها . ج. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانية خلال عشرة ايام من تاريخ وصولها اليه تعاد إلى مجلس النواب الذي له ان يقرها باغلبية ثلاثة اخماس عدد اعضائه، غير قابلة للاعتراض ويعد مصادقا عليها ) . فبماذا تفسر لنا الدكتورة مريم هذه النصوص، أليست واضحة وصريحة ودالة على إن ما يجري هو سلوك دستوري ولكنه لا يخدم قضية الشعب ولا يلبي حاجاته، فالعلة كامنة في الدستور وليس في خرق الدستور في هذه الحالة، وهذه النصوص لا يمكن أن تكون زائدة أو غير فاعلة، ولذلك نقول المشكلة ليس في هذه الحالة فقط، إنما تشمل الكثير من الحالات، والغريب إن هذه الحالة ـ تأخر المصادقة على القوانين ـ كانت موضوع تصريحات وإنتقادات الكثير من المسؤولين والمستشارين من مجلس النواب والوزارة، فإذا كنا دوماً نعفي المواطن من مسؤولية فهم الدستور أو حُسن تفسيره بسبب عدم إعطاءه فرصة كافية لمعرفة مفاهيمه وقواعده، ولكن هل يجوز إعفاء المسؤول أوالذي يتعامل مع الدستور عندما يدفع بإتجاهات معينة، ولا يتوقف عند الكثير من الخروقات التي تزعزع ثقة المواطن بجدوى الدستور ونصوصه، علماً إن الخروقات في مجالات أخرى كثيرة نرجو إن يسعفنا الوقت وتتوفرلدينا الفرصة بأن نؤشر تلك الخروقات، وندعو الدكتورة وكل المختصين في مجال القانون الإهتمام بذلك من منطلق تربوي، فنحن بحاجة لتأسيس وعي قانوني سليم يقوم على المعرفة وكشف الحقائق ومحاربة الأوهام التي سرعان ما تزول وتنزل الصواعق على رؤوس الأنام، راجين للجميع كل التوفيق، مع نصحية نرجو قبولها من العاملين، بأن يجعلوا عملهم فيه قليل من الدقة، وهذا القليل من الدقة هو ما يحتاجه العراق اليوم وغداً، نرجو إن يكون رأينا واضح ولا يثير اللبس، وخدمة قضايا شعبنا هو القصد في نهاية المطاف.
11 / 2 / 2008