الرئيسية » مقالات » حوار مع الدكتور عبد الخالق حسين- الانتخابات الأمريكية ومشاهدها المرعبة في العراق!

حوار مع الدكتور عبد الخالق حسين- الانتخابات الأمريكية ومشاهدها المرعبة في العراق!

قدم لنا الأخ الدكتور عبد الخالق حسين في آخر مقال له نشر يوم 11/2/2008 في عدة مواقع إلكترونية سيناروهات (مشاهد) مرعبة حول ما يمكن أن يحصل في العراق لو فاز السناتور باراك حسين أوباما بترشيح الديمقراطيين ضد هيلاري كلنتون , ومن ثم فاز في الانتخابات الرئاسية ضد المرشح الجمهوري جون ماكين في ضوء وعوده الانتخابية بسحب القوات العراقية فوراً من العراق. ولم يتحدث عن هيلاري كلنتون التي لم تختلف عنه كثيراً في طرح تصوراتها حول الموقف من وجود القوات الأمريكية في العراق , فهي التي قالت بأنها ستبدأ بسحب تلك القوات الأمريكية من العراق بعد شهر واحد من وصولها إلى البيت الأبيض. وبدا لي أن الأخ الدكتور حسين كان في مقالته مرعوباً من تلك المشاهد التي قدمها لنا والتي رسمت في مخيلته أبشع الأمور , أكثر من قلق وخشية كل الشعب العراقي. واستخف بمن يعتبر بأن هذه المشاهد التي يقدمها محض خيال ومن صنع الخيال.
وأتذكر أنه كتب مقالاً مماثلاً اعتقد فيه بأن الولايات المتحدة الأمريكية في حالة عدم فوز بوش للمرة الثانية ستسحب قواتها بسرعة من العراق وستحل المصيبة بالشعب والوطن. وفي حينها كتبت مقالاً طمأنت الأخ حسين , الذي كان خائفاً على شعب العراق بأن الأمريكيين لن ينسحبوا من العراق كما يتصور قبل أن ينتهوا من كل المهمات التي جاءوا من أجلها , وهم لم ينتهوا منها بعد.
واليوم أكرر القول بأن الأمريكيين ما جاءوا إلى العراق لينسحبوا منه بالطريقة والسرعة التي يتصورها الدكتور عبد الخالق حسين , بل جاءوا ليبقوا فترة طويلة نسبياً بغض النظر عن الشخص الذي سيحتل الموقع الأول في البيت الأبيض. فالبيت الأبيض , وبالرغم من أهمية رئيسه , لا يتحرك وفق إرادة شخص واحد , بل وفق إرادة مؤسسات الدولة القائمة , وهي التي من حيث المبدأ ترسم السياسات وتضع الاستراتيجيات وتقرر التكتيكات. وهذه المؤسسات يا أخي الكريم لا تتحرك وفق إرادة هذا الشخص أو ذاك , بل وفق إرادة كبار الشركات الاحتكارية المهيمنة على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الدولي والمؤسسات المالية والتجارية الدولية. وهذه الأخيرة لها الأكثرية الضامنة في المجلسين وفي قيادة الحزبين الحاكمين بالتناوب تقريباً.
والآن دعونا نلقي نظرة على تلك المشاهد.
1. الوجود الأمريكي في العراق كان مطلوباً منذ مشروع الشرق الأوسط في العام 1952/1953 , وكان مطلوباً مع ولوج العراق في حلف بغداد. ولم تستطع السياسة الأمريكية أن تحل محل البريطانيين في العراق , بل وقفت إلى جانبها مجبرة وتقاسمت معها المصالح في العراق وعمدت مع بريطانيا إلى التآمر من العراق أيضاَ ضد حكومة الدكتور مصدق بسبب تأميم النفط أيضاً , تماماً كما حصل بعد عدة سنوات مع عبد الكريم قاسم الذي أشرت إليه في مقالك حول القانون 80 لسنة 1961 بتاريخ 8/2/2008. إن وجود الأمريكيين في العراق لأسباب عدة , ولكن أحد أهم تلك الأسباب النفط الخام العراقي , إضافة إلى القرب من إيران والاستفادة من قوى مجاهدي خلق , والدفاع المبكر عن إسرائيل …الخ. وهي أمور لا تزال لم تحل تماماً , وبالتالي فالوجود ضروري , بغض النظر عن مسألتين , وهما أي رئيس يصل إلى البيت الأبيض , وأي مقدار من القوات العسكرية سيبقى في العراق.
لقد ساهم الدكتاتور الأهوج صدام حسين بسياسات العدوانية في توفير الأجواء المناسبة لإسقاط نظام الاستبدادي في العراق من جانب الولايات المتحدة وقواتها العسكرية والقوات الأخرى التي تحالفت معها , وهو مكسب كبير لا يعوض. ولكن هذا الرئيس الأمريكي نفسه قد مارس منذ سقوط النظام حتى الآن سياسات فادحة الخطأ وشديدة الخطورة على المجتمع العراقي ومستقبل بنات وأبناء العراق , وهي التي ساهمت بدورها في نشوء الأوضاع الراهنة في البلاد. ومع معرفتنا للتقديرات الدولية الكبيرة والفعلية والمعروفة عن ضحايا العراق البشرية والمادية منذ سقوط النظام , فأن ما لا يمكن قبوله بالمرة أن الإدارة الأمريكية قد كرست في عراقنا الحبيب الطائفية السياسية في الحكم رسمياً , بعد أن كانت تمارس ولكن أتباعها كانوا يستحون منها ومن الإعلان عنها. ولكن من يمارسها اليوم في العراق يعلنها صراحة وكأنها شيء طبيعي وليست رذيلة ينبغي التخلص منها.
القوات الأمريكية جاءت إلى العراق لا لتخرج منه بسرعة. هذا ما قلته قبل الحرب وهذا ما أقوله الآن وستبرهن الأيام على ذلك.
ورغم تأكيدا الدكتور حسين بأن الأمريكيين ما جاءوا إلى العراق حباً في النفط , بل حباً في سواد عيون العراقيات والعراقيين لينقذوهم من الدكتاتورية , ولكنه كتب عن عبد الكريم قاسم يقول بأن السبب وراء إسقاط النظام هو النفط , هو القانون رقم 80 لسنة 1961. ومقالته حول هذا الموضوع تحتاج إلى نقاش جاد , سأخصص لها مقالاً لاحقاً.
لست معادياً للولايات المتحدة ولست محبوساً بالماضي حول سياساتها إزاء المنطقة , ولكني أتخذ موقفاً نقدياً من السياسات التي تمارسها الولايات المتحدة على الصعد العالمية والإقليمية وفي العراق. ليس بيني وبين الولايات المتحدة لا حب ولا كراهية , والسياسات والعلاقات الدولية لا تعرف الحب والصداقة , بل تعرف المصالح , وعلينا تحديد مصالحنا ومصالح السلام في المنطقة والعالم.

2. معركة الولايات المتحدة الأمريكية لم تنته بعدُ في العراق مع قوى القاعدة , وبالتالي ستبقى هذه القوى في العراق إلى حسن الانتهاء منها. وفي تقدير فأن الأخطاء وعوامل أخرى هي التي تسببت في إطالة عمر قوى القاعدة في العراق , وخاصة السياسات الطائفية التي كرستها الإدارة الأمريكية رسمياً لا في الواقع العملي , بل وفي الدستور العراقي , وساهمت بقدر كبير في إضعاف القوى العلمانية كلها لن تنشأ في العراق إمارة إسلامية , ولكن ما يسود الآن في العراق هو حكم طائفي إلى حدود غير قليلة , وهناك سعي حالي إلى تخفيف ذلك من خلال إدخال عناصر مستقلة تقنية في الوزارة ومن خلال كسب العشائر السنية في إطار ما أطلق عليه بقوى الصحوة , إذ أن الدولة الطائفية مرفوضة في العراق من قبل قوى كثيرة في المجتمع وحصد الأمريكيون أنفسهم عواقب ما كرسوه في العراق , رغم أن السلوك الطائفي كان موجوداً في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية , ولكن الحكام كان يمارسونه على استحياء ودون إعلان رسمي , في حين يعالج اليوم بإعلانات واضحة وكان مستهجناً من قبل الشعب.
3. بعض القوى الحاكمة حالياً في العراق تريد تقسيم الجزء العربي من العراق إلى فيدرالية شيعية وأخرى سنية , وهو ما يجد تعبيره في مشاريع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية , في حين أن القوى السياسية السنية وبعض القوى السياسية الشيعية ترفض ذلك , والميل إلى وجود فيدرالية كردستانية واحدة وحكم مركزي , في حين لين يكون خاطئاً وجود فيدراليتين كردستانية وأخرى رافدينية تضم الوسط والجنوب العربيين والموصل إليها.
ولا شك في أن الأمريكيين والعراقيين المتسمين بالحصافة يدركون ويعرفون بأن الوقت لم يحن لخروج هذه القوات من العراق , وبالتالي ستبقى لفترة أخرى وفق إرادة الحكومة العراقية , ولهذا فلا خوف من خروجها , خوف الناس من عدم خروجها حين تنتهي فعلاً مهمتها في العراق.
لا شك في أن انتصار أي مرشح آخر سترى فيه إيران نجاحاً لها , ولكنها مخطئة تماماً , إذ أن الموقف إزاء إيران وملفها النووي واحد بالنسبة لأي رئيس أمريكي قادم. والشيء الذي سيتغير في حالة وصول الديمقراطيين إلى السلطة أنهم سيحاولون تنفيذ تكتيكات أخرى إزاء إيران وسوريا , ولكنهم سيقتنعون سريعاً بأن إيران لن تقبل بأقل من السلاح النووي والصواريخ ذات المدى المتوسط والبعيد , وكذلك لن تقبل إلا في أن يكون لها الدور الأول في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا تهديد لخمس مسائل جوهرية بالنسبة للولايات المتحدة , وهي * نفوذها الذي لا تريد من يشاركها فيه , وجود إسرائيل والمخاطر الإيرانية المحتملة ضدها , النفط والتهديدات التي ستتعرض له عملية تموين الأسواق الدولية بالنفط في حالة امتلاك إيران للسلاح النووي والصواريخ ذات المدى المتوسط والبعيد ومخاطر التوسع على حساب دول الخليج وسعيها لتصدير الثرة الإسلامية الشيعية إلى بلدان المنطقة ..الخ.
4. من يتابع الوضع الدولي والصراع الأمريكي – الروسي يدرك عدة حقائق أهمها أن القطبية الواحدة للولايات المتحدة ستبقى لفترة لاحقة ولكنها لن تكون كما كانت تتوقعه على مدى القرن الحادي والعشرين و بل ستنهض روسيا الاتحادية والصين الشعبية والهند وكذلك مجموعة متماسكة من دول جنوب شرقي آسيا بالتحالف مع اليابان …الخ , وأن العالم يشهد اليوم
بالرغم من أهمية العراق لنا نحن العراقيين , إلا أن سياسة المرشحين الأمريكيين للتسلح بين روسيا والولايات المتحدة بسبب تنامي عدد القواعد العسكرية للولايات المتحدة في سائر أرجاء العالم من جهة , وبسبب إصرار الإدارة الأمريكية على إقامة قواعد لصواريخ في بولونيا وقواعد للرادارات في التشيك بحجة مواجهة تهديد إيران , وعدم الالتزام بالمواثيق التي تم الاتفاق بشأنها مع روسيا , رغم تنفيذ روسيا لها , مما دفع بالأخيرة إلى إعلان انسحابها من تلك الاتفاقية والبدء بزيادة قواتها وتطوير أجيال جديدة من الأسلحة الأكثر حداثة. إن مجيء الديمقراطيين يمكن أن يخفف من أجواء التوتر ويحد من نهج سباق التسلح الجديد وما يمكن أن ينشأ عنه من عواقب.
لا شك في أن روسيا تلعب دوراً خطيراً في منطقة الشرق الأوسط من خلال السماح لإيران بتطوير قدراتها ومعارفها النووية التي يمكن أن تقود إلى إنتاج السلاح النووي في إيران. وقد أبدت روسيا قلقها أخيراً من النهج الإيراني , ولكن لم يكن كافياً لمواجهة إيران التي تسعى لكسب الوقت حالياً لمواصلة الجهد المبذول لإنتاج السلاح النووي وأسلحة متطورة أخرى.
5. ويبدو أن الدكتور حسين حزين على احتمال دور الشرطي الذي تمارسه الولايات المتحدة , في حين لا يسأل نفسه ضد من تمارس هذا الدور؟ إن ما حصل في العراق شيء استثنائي وهو دور آخر غير دور الشرطي. ولكنه لا يريد أن يلاحظ أنها تلعب دور الشرطي في الحفاظ على أنظمة رجعية استبدادية وظالمة وجائرة , كما هو الأمر مع المملكة السعودية , أو السكوت عن الدكتاتورية الفردية في ليبيا لأن القذافي كف عن دعم القوى السياسية وحركات مختلف في المنطقة وكف عن التفكير بإنتاج السلاح النووي أساساً , في حين يمارس الظلم والاضطهاد في بلاده. ويمكن إيراد الكثير من النماذج على الصعيد الدولي لكي نعرف أي دور وأية مهمات يراد لهذا الشرطي الدولي , الولايات المتحدة ، أن ينهض بها.
6. غير مسموح أمريكياً في أن تفشل الإدارة الأمريكية في مكافحة تنظيم القاعدة في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا , أياً كان الحزب أو الشخص الذي يجلس في البيت الأبيض , إذ أنها تعني نهاية مصالحها في الشرق الأوسط , ومعناه مصاعب جديدة أمام إسرائيل وهيمنة إيرانية على دول الخليج. ولهذا لن يحصل ذلك فلا تخشى على الولايات المتحدة وعلى دورها كشرطي في المنطقة.
إن الشخصيات الأمريكية التي رفعت رسالة إلى وزيرة خارجية الولايات المتحدة تطالب فيها بتغيير السياسة الخارجية الأمريكية إزاء السعودية في مجال حقوق الإنسان والموقف من المرأة لن تثمر كثيراً , لأن المملكة العربية السعودية تعتبر الحليف الثاني لها بعد إسرائيل في المنطقة , إضافة إلى تركيا , ولأن المملكة تجلس على بحيرة من النفط , كما العراق. ومهما حاولت إقناعنا بعدم أهمية ودور النفط في إسقاط النظام في العراق , فأن أصدقاء بوش والرافضين له يؤكدون ذلك بالضد من اجتهادك غير القادر على الصمود أمام حقائق السياسة الأمريكية الفعلية في ظل المرحلة الراهنة وفي إطار سياساتها العولمية الجارية. ولكن من الخطأ الادعاء بأن النفط هو العامل الوحيد في التسبب بهذا الإسقاط , كما أن غالبية المعارضة العراقية قد التقت مع الولايات المتحدة بقرار الإسقاط بغض النظر عن مدى صواب أو خطأ ذلك. وقد كان لي موقف الخاص في هذا الصدد.

15/2/2008 كاظم حبيب