الرئيسية » مقالات » مجلس لنواب الشعب أم كارثة على الشعب والوطن

مجلس لنواب الشعب أم كارثة على الشعب والوطن

بعد انهيار الكابوس في نيسان عام 2003، رحت كسائر العراقيين أحلم بالأمل بأن يتحقق بناء دولة عصرية ديمقراطية في العراق، قائمة على احترام حقوق الشعب وتعتز بهوية واحدة هي الهوية العراقية. ولهذا شاركت في كل الانتخابات التي جرت خلال السنوات المنصرمة، وأبديت رأياً إيجابياً بالدستور رغم ملاحظاتي الجدية على بعض فقراته بأمل أن يتولى العراقيون وبالتدريج تحسينه وتطوير البناء السياسي الجديد.
وبعد انتخابات مجلس النواب الأخيرة، وإعلان نتائج هذه الانتخابات، كتبت أكثر من مقالة أوضحت فيها دلائل نتائج هذه الانتخابات، بإعتبارها نتيجة منطقية لذلك التشويه الخطير الذي أصاب المجتمع العراقي في العقود العجاف الماضية. ومع ذلك إحترمت إرادة العراقيين في خيارهم، وأعتبرت أن الناخب العراقي سيعيد النظر لاحقاً بنتائج هذا الخيار. كما أشرت في أكثر من مقالة إلى أن الناخب العراقي قد إرتكب خطأً في انتخابات مجلس النواب، إذ أختار الخيار الطائفي والمذهبي والديني والمناطقي والعشائري وخليط عجيب من المتناقضات داخل القوائم، إضافة الى كثرة من النواب من ذوي الخبرة والمعرفة المحدودة ليصبحوا ممثلين للشعب، بدلاً من خيار وطني عراقي يعتمد الخبرة والكفاءة. وتبعاً لذلك أعتبرتُ وقتذاك أن نتائج هذا الخيار سيجلب مشاكل وعثرات أمام العملية السياسية الجارية في البلاد، ولا يحل مشاكلنا، تماماً كما لم يجلب خيار مماثل أعتمده الشعب اللبناني، إلاّ الحروب وعدم الاستقرار لهذا البلد الشقيق.
الآن وبعد مرور أكثر من سنتين على هذه الانتخابات، فإن غالبية الهواجس التي انتابت العديد من المراقبين السياسيين آنذاك قد أضحت حقيقة واقعة، ولم تخيّب الأحداث السلبية توقعاتهم حول نتائج تلك الانتخابات. لقد كانت العقبة الأولى هي تشكيل الوزارة التي أحتاج مجلس النواب إلى ثلاثة أشهر كي يشكلها، هذه التشكيلة التي أعتمد فيها على نفس خيار انتخاب المجلس، مما أوقعها في دوامة التصدع التي وضعت الجميع في حيرة وبلبلة في كيفية الخروج من دوامة المحاصصة، كما وضعت البلاد على كف عفريت. وهذا ما دفع الجميع إلى الحديث الآن عن نبذهم لهذا الخيار الطائفي المحاصصاتي الذي بان فشله الآن،. إلاّ أن قلة ممن يدين هذا الخيار يتنازل عن هذا “المكسب” الطائفي المحاصصاتي الكارثي.
ولعل أسوء التجليات السلبية لبعض من جلس في مقعد نائب الشعب هو اللجوء إلى أساليب تتعارض مع القسم الذي قرأه النواب جميعاً. فرئيس المجلس لا يلجأ إلى استخدام “المطرقة الخشبية” التي يستخدمها جميع رؤساء البرلمانات في العالم عند إدارة الجلسات، بل هو يلجأ إلى “القندرة” !! نعم “القندرة” في إدارته لأخطر مؤسسة منتخبة في البلاد، بل وهي السلطة العليا فيها. وينبري نواب آخرون ممن كانوا في عداد مجلس الوزراء، إلى الاحتفاظ بجيوش وفرق مسلحة ويصطدمون بشرطة وجيش الحكومة المشاركين فيها خلافاً لما نص عليه الدستور العراقي الجديد. ولم يتردد نواب آخرون على العمل بهمة ونشاط من أجل تشكيل فصائل مسلحة تتولى تفخيخ السيارات وزرع العبواب لإزهاق أرواح من يمثلونهم من أبناء الشعب.
وهناك نماذج غريبة أخرى من النواب لايهمها المجلس ومعاناة الشعب الذي انتخبه لهذا المجلس، إذ يقضون جل وقتهم في بلدان أخرى مجاورة أو غير مجاورة، أو يلجأون إلى شركات إستشارية أمريكية متخصصة في “تأهيل رؤساء الوزارات أو إزاحتهم”، كي يتم الإطاحة بالحكومة الحالية. ويلجأ آخرون من النواب ومن نفس التركيبة الغريبة لقائمة السيد رئيس الوزراء ومن حزبه إلى ولوج كل أشكال التآمر، وزيارة الدول المجاورة وشيوخها لإقناعهم بعدم جدوى بقاء رئيس الوزراء الحالي في منصبه، ويعرضون أنفسهم باعتبارهم رجال المرحلة الذين ينقذون هذا البلد من محنته. ودأب آخرون على القيام بين فترة وأخرى إلى إعلان ” الاضراب” وعدم حضور جلسات المجلس لشل فاعليته بدلاً من التفكير في كيفية حل مشاكل المواطنين ورفع المعاناة عنهم. كما يوجد أعضاء من مجلس النواب لايفكرون بكيفية مناقشة كم هائل من القوانين التي يتوقف عليها تشغيل عجلة الاقتصاد والمجتمع ككل، بل بكيفية الاستفادة من موقعهم كي يركبوا أول طيارة لأداء مراسيم الحج والعمرة وتعطيل جلسات المجلس سواء بهذه الذريعة أو بذريعة المشاركة باللطم والبكائيات التي لا نهاية لها.
لقد عطل المجلس ولمدة شهرين إقرار الموازنة العامة بسبب تمسك بعض الأطراف بمطاليب لاتتعلق بمصلحة العراق ككل، بل بمطالب تغلب عليها الذاتية والنظرة الضيقة. إن اعتراض البعض على الميزانية لا يخرج عن نطاق الطلب بزيادة المبلغ المخصص لإدارة الإقليم بمقدار 2%، في حين يجري السكوت على مبالغ كبيرة من واردات الكمارك من معابر الحدود العراقية-التركية والعراقية-الايرانية في الإقليم، إضافة إلى واردات الضرائب التي تُجبى من المواطنين في الإقليم، والذي يجب أن تسلم إلى الخزينة المركزية كي يعاد توزيعها حسب النسب المقررة، لا أن تبقى لدى إدارة الإقليم ولا يعرف حجمها. ولم يستطع المجلس حتى الآن إقرار قانون استثمار النفط والغاز الذي يعد العمود الفقري في أية تنمية وأصلاح اقتصادي في البلاد، مما أستغلته أطراف مشاركة في العملية السياسية كي توقع اتفاقيات لاستثمار النفط في مناطقها دون أن تتمتع هذه الشركات بالمكانة والمهنية المطلوبة في ميدان التنقيب عن النفط واستخراجه. إن إقرار القوانين الثلاثة دفعة واحدة أخيراً وبعد تلكؤ لشهور، يفضح دوافع بعض النواب ومن يقف وراءهم من قوى سياسية متنفذة في عرقلة تمتد لعدة شهور من أجل الموافقة على قوانين تمس حياة الناس.
كل ذلك يتم في ظل أخطر مواجهة يخوضها العراقيون وأبناء القوات المسلحة ضد إرهاب دولي قاسي مدمر يستهدف العراقيين جميعاً وإزالتهم عن بكرة أبيهم وتهجيرهم، وتصفية ما تحقق بعد انهيار الحكم السابق. فهل إن ممارسات بعض نواب هذا الشعب المنكوب يتناسب مع حجم الكارثة التي تواجه الوطن؟ بالطبع كلا….وألف كلا. إن هذه الممارسات تصب عملياً شاء أصحابها أم أبوا لصالح العابثين بأمن العراق ارهابيين كانوا أم من فلول الحكم المنهار، وتشجيعهم على المزيد، وليس لرفع معنويات قواتنا المسلحة وأبناء الشعب الذين يتعرضون يومياً إلى شرور العابثين.
إذن لم يستطع مجلس النواب ولا مجالس المحافظات والإقليم أن يضعوا الحلول للمعضلات الأساسية في البلاد، وينقلوها من حال إلى حال أفضل بسبب طبيعة تركيبه وتحزب عدد غير قليل من أعضائه إلى العصبوية الطائفية والمذهبية والمناطقية، وليس لمصلحة العراق كله. ولذا يترتب على الناخب العراقي أن يتعض من هذا الدرس السابق المرير والفاشل، ويسعى إلى البحث عن أسس وخيارات مناسبة عند اختيار ممثليه سواء إلى مجلس النواب، بعد أقل من سنتين من الآن، أو إلى مجالس المحافظات والإقليم الذي سيتم في الأيام القريبة القادمة. فعلى الناخب العراقي أن يدقق في قدرة من ينتخبهم على حل المشاكل ومدى خبرتهم ونزاهتهم، لا أن تكون اللافتة الطائفية أو العرقية أو المذهبية، ومن يساندها من المراكز الدينية، هي المعيار في الإنتخاب. لنبحث عن الخيار المجدي العراقي الوطني البناء، وليس هناك من خيار آخر ينتشل العراق من محنته، وبناء كيان عصري حديث ديمقراطي فيه.
14 شباط 2008