الرئيسية » مقالات » مقتل عماد مغنية….

مقتل عماد مغنية….

قتل الرجل , كان مثيرا للجدل في حياته و في موته , اختلفت ردود الفعل , طبعا كان الرد في واشنطن و تل أبيب معروفا , بعض الإعلاميين العرب الناطقين باسم أنظمة معادية لمشروع مغنية استذكروا من سقط ميتا على يديه ليس فقط من المارينز أو جنود جيش الدفاع بل و من اللبنانيين و الكويتيين و حتى الفرنسيين و غيرهم..ينتمي الرجل مثل كارلوس إلى عصر مختلف , كان وديع حداد قد كرس نموذج الثائر الذي سبق أن شاهدناه في فرحات عباس مثلا , غيفارا , و رجال الفهود السود في أمريكا , كان الرد بالموت على العدو ضروريا لإرهابه , و كان لا بد من ظهور “أبطال” لهذا الإرهاب الأحمر , كان هناك أيضا تيار ثوري مسلح يظهر على مستوى العالم و يخوض مواجهة مسلحة خاسرة بالتأكيد مع أجهزة استخبارات كبريات دول العالم الرأسمالي..كان هناك عامل قذر إضافي في هذا “النضال” هو أجهزة استخبارات الأنظمة “القومية” التي استخدمت هذه القوى و خاصة هؤلاء الأبطال , كانت المنفعة متبادلة , قدمت تلك الأجهزة تسهيلات ضرورية لأولئك الثوار و بالمقابل طلبت منهم خدمات خاصة..حتى القوة 17 التي مثلت النسخة الفلسطينية من أجهزة الاستخبارات الحكومية العربية كانت مستعدة لفعل أي شيء حسب ما يرى قادتها أو قادة المنظمة , قامت مثلا بتسليم ( ما يمكن تسميته فعلا بعملية بيع ) المعارض السعودي ناصر الصالح لحكومته من منفاه في بيروت الغربية حيث كانت تسيطر عمليا على الأمور..كانت الأنظمة “المعتدلة” الموالية لأمريكا في إطار حربها التي لا هوادة فيها ضد الحركة القومية و اليسارية و ضد النفوذ السوفيتي قد خلقت “أبطالها” الخاصين اعتمادا على المال و على المؤسسة الدينية المغرقة في محافظتها الفكرية و الاجتماعية , هكذا ظهر ابن لادن و عزام بعد الدفعات المتتالية من الإخوان الذين فروا من قمع الأنظمة في مصر و سوريا , أخيرا أصبحت الظروف في هذه المواجهة مكتملة في أفغانستان , هكذا نشأ “الجهاد العالمي” هناك برعاية سعودية و أمريكية..كان المجاهدون هم النسخة الأخرى ( و إن كانت النقيض المباشر لكن في إطار من استمرارية و مركزية صورة المحارب المتفاني في سبيل القضية ) لصورة الثائر , كانوا “مدافعين في سبيل الحرية” حسب قول ريغان الحرفي , و لذلك انهالت عليهم المساعدات من كل الأنواع من كل صوب مدعمة بفتاوى الجهاد ضد العدو “الملحد”..من الغريب كيف أصبح هؤلاء الثوار عاطلين فجأة مع تحول كل الحكومات العربية إلى “الاعتدال” بمجرد انهيار الخصم السوفيتي لأمريكا , حتى صدام الذي حرص على الاحتفاظ بلغة “ثورجية” حتى لحظة انهياره قام بتحجيم وجود أبو نضال قبل أن يقوم بالقضاء عليه , سلم كارلوس و “حوكم” , و كان ذلك أيضا مصير جورج عبد الله , المفارقة في الموضوع هو أنه حتى الأبطال المتوجين من المعسكر المقابل كان ينتظرهم نفس المصير , جرت محاولات هائلة لاحتواء ابن لادن و غيره من الأفغان العرب , و عندما لم تثمر جرى إبعاده مع توصية مشددة من الحكومة السعودية لأية حكومة تمنحه اللجوء بضرورة السيطرة عليه و منعه من استخدام “خبراته” ضد نظام بلده و حلفائه الغربيين..اليوم “اكتشف” الإعلام العربي الرسمي , خاصة مع الصوت المرتفع لفضائيات البترو دولار , “جرائم” مغنية , تماما كما فعل بالأمس مع ابن لادن و صدام حسين , و حاول إهالة التراب على جسد الرجل محاولا أن يمرر الفرحة الأمريكية الإسرائيلية و أن يدفع خبر سقوطه إلى الوراء , حيث يكون أقل إحراجا , يريد من كل هذا تبرير قتل مغنية و من وراءه كل مشروعه السياسي و ربما مجمل القاعدة الفكرية و السياسية لأية مقاومة جدية للمشروع الأمريكي الإسرائيلي..فرنسا ساركوزي , جلاد الضواحي الباريسية و الذي يمارس بنجاح مهنة بائع السلاح ليس فقط لدول النفط ذات الخزائن المتخمة بل أيضا للدول الأفريقية ذات الخزائن الفارغة , أعربت هي أيضا عن “رغبة مفاجئة” في تحقيق العدالة : تمنت لو أن مغنية واجه العدالة في المحكمة , طبعا محكمتها الخاصة الشبيهة بتلك المحكمة الموعودة لمدبري هجمات أيلول سبتمبر..تمكن ذلك الإعلام عشية نيسان أبريل 2003 من التملص بكل هدوء من أية علاقة بنظام صدام الذي حظي بدعم جيرانه الأثرياء غير المحدود ( إذا اعتبرنا عشرات مليارات الدولارات “دعما غير محدود” ) خاصة طوال عقد الثمانينيات الذي شهد أبشع مجازر النظام في الأنفال و حلبجة و الجنوب و الشمال , و تحول “ليبراليا” بين ليلة و ضحاها بمجرد انهيار برجي التجارة العالميين , حتى كبار شيوخ المطاوعة انبروا ل”تكفير” التكفيريين الذي صنعوهم هم أنفسهم بالأمس فقط فيم تولت أجهزة الأمن تنفيذ الجزء المتبقي من المهمة..لقد مضى وقت هؤلاء الأبطال , حتى الجماعات الإسلامية في مصر و الجزائر تعيد مراجعة مواقفها السابقة , بشكل أساسي تحت ضغط أجهزة أمن الأنظمة و غياب أي أفق لاستمرار المواجهة مع النظام و ليس بسبب أي تغيير جدي في مقاربتها للواقع , أما صورة الثائر الأحمر فقد تحولت إلى صورة الشباب الغاضب في المظاهرات المناهضة للعولمة الذين يواجهون مدافع المياه و هراوات الشرطة مباشرة و الذين يبغضون كل حكومة و يحلمون بمستقبل مختلف غامض ربما لكنه خلافا لما أقامه اليسار في أوربا الشرقية يقوم على اتحاد حر بين البشر و يفتقد لسلطة شديدة المركزية..ليست القضية , بالنسبة لشعوبنا تحديدا , في أن أمريكا و إسرائيل و “مفكري و إعلاميي” أنظمة الاعتدال و النفط و الزيت ينكرون جميعا أية مقاومة , أي باختصار أنهم لا يرون اليوم أية حاجة لأي أبطال خارج مؤسسات المخابرات و الأمن القائمة و خارج مؤسسات مثل أبو غريب المتجدد أو غوانتانامو , حتى بالنسبة “للصحوات” يشددون على طابعها المؤقت و الثانوي مقابل الوجود الأساسي و الدائم و المركزي للقوات الأمريكية و الجيش و الشرطة “الوطنيين” العراقيين عدا عن أن صيغتها العشائرية من جهة و طابع الارتزاق الصريح المباشر لا يمكن أن يجعلها بأي حال من الأحوال مقابلا “نضاليا” لا للجهاديين و لا للمناضلين اليساريين..كالعادة تمارس النخبة , المرتبطة أو المدافعة عن الوضع القائم “الجديد” إما لارتباط وثيق في المصالح أو بسبب الملل من هزائم و ويلات الوضع السابق و عقم و ديماغوجية خطابه “الثورجي” , عملية تنظير لهذه الحالة القائمة , بعد أن تعيد , على نحو انتقائي , “اكتشاف” كل مآسي و مجازر الأنظمة الاستبدادية , فتجرم أية حالة مقاومة على أنها “تكرار سخيف” لبطولات تلك الأنظمة التي سقطت أو تنتظر بعد أن أوسعت شعوبها قمعا و إفقارا , و تعتبر التبعية لقوة متفوقة “ديمقراطية” حالة تقدمية , في استنساخ لموقفها من التغيير بنسخته الستالينية “مركزية العلاقة مع الشقيق الأكبر السوفيتي” , على الجهة المقابلة تستمر حماس و حزب الله وفق نفس سيرة المناضلين الأوائل , لم تكتشف بعد الناس إلا ضمن المنظور الرائج في الماضي : منظور القاعدة الضرورية الحاضنة للنضال , يستمر خوض النضال في سبيل قضايا كبرى “أكبر من هؤلاء الناس” , و بالنتيجة ما تزال هناك طاقات جماهيرية هائلة مغيبة لصالح كل القوى التي تغتصب حريتها و لصالح كل القوى التي تعيش على الموت و الخراب و الفقر العامين , تلك القوى التي تستحق بجدارة مقعدا في محاكم أشبه بمحاكم نورمبرغ..ليست القضية في تغيير تفرضه أمريكا و إسرائيل و النخب المرتبطة لهذا السبب أو ذاك بأنظمة و إعلام البترو دولار , بل في تغيير يفرضه سقوط تلك الخطابات و السياسات التي تحولت ببساطة بسبب سلطويتها و احتقارها للناس إلى القاعدة السياسية و الفكرية لأنظمة متسلطة استبدادية..قضى الرجل , يرفض الإعلام الرسمي العربي منحه لقب الشهيد , إنه يحتفظ به و بكل الألقاب الأخرى لقادته و “زعمائه” تحديدا , كما يحرص على أن يفعل طوال حياتهم , يتحدث البعض بنفاق مقزز عن الدماء التي سالت بسببه و يغضون النظر عن الدماء الأخرى التي سالت بيد قاتليه , في زمن ارتفاع ثمن برميل النفط تعاد قراءة المفاهيم لصالح البترودولار و حلفائه من القتلة , و يعاد تقسيم الدماء بين بريئة قتلها مغنية و كارلوس مثلا , و بين أخرى “ضرورية” “تستحق التجاهل و ربما النسيان” , أما بالنسبة لنا , من يعامل الدماء على أنها سواء و القتلة على أنهم سواء , فإن مغنية هو مقاتل من عصر كانت فيها الثورة و الأوطان تخص الأنظمة أكثر بكثير من الجماهير , هذا كان مصدر “قوتهم” و ضعفهم في نفس الوقت…