الرئيسية » مقالات » أوقفوا مديح السلطان !

أوقفوا مديح السلطان !

لا يمكن لنا كبشر مصابين بظمأ هائل للحرية إلا أن نشعر بالغثيان من تلك المدائح التي تنتشر على الفضائيات و الجرائد الصفراء للجالسين على الكراسي في عالمنا العربي أولا و للمتربعين على الكراسي المقابلة الطائفية و الدينية , و بالطبع , أصحاب الثروات المالية – الممتدة إلى عالم السياسة , إن هذا في حقيقة الأمر استنساخ “حداثي” معاصر مقزز للثقافة السلطوية السائدة في عصور الخلافات الأموية و العباسية , اليوم ينضم وديع الصافي إلى فئة مادحي السلطان , المقصود هو ديكتاتور دمشق , و المناسبة هي إعلان دمشق عاصمة للثقافة العربية , حقا هذه هي الثقافة التي تكرسها كل منابر السلطان منذ أن ظهر الملك المطلق في أرضنا و حتى يختفي في مستقبل غير معلوم غير مأسوف عليه , ثقافة مديح من في القصور , و الأكثر غباء أن يجري التركيز على زوار دمشق , التي تستحق مع اكتظاظ سجونها بمعارضي النظام , لقب العاصمة المتوجة لثقافة القصور و المدائح تلك , و أن يستثني البعض تلك المدائح المقرفة التي تدبج في ملوك و شيوخ النفط و الزيت و التي لا يبررها إلا الأموال الطائلة التي تدفع لمن يؤلفها و يغنيها و لوجود الفضائيات التي تمارس ليلا و نهارا مديح أولي الأمر أو أصحاب الجيوب المنفوخة في بلادنا , عيد جلوس هذا و عيد ميلاد ذاك , هذه هي ثقافة فضائياتنا التي تصرف عليها أموال طائلة فيم الطبقات القابعة في أسفل الهرم الاجتماعي تقترب أكثر فأكثر من القعر , تبدو هذه الأموال تصرف في مكانها و محلها الصحيح بالنسبة لكل المنخرطين في جوقات المديح تلك , حتى لو كانت مخصصة لجمهور يقترب من حالة الجوع , فمن الضروري قبل إطعام الناس و توفير العمل و العلم و الرعاية الصحية لأبنائهم أن “يشبعوا” عشقا لحكامهم أو لزعماء المؤسسات الطائفية المسؤولين عن عقولهم و حياتهم و سجون “الخوارج” منهم و عن نفطهم و عن لقمة خبز أطفالهم , هذا هو شكل العالم الصحيح هنا بالنسبة لهؤلاء و في مديح هذا الواقع “الصحيح” تدبج القصائد , في دمشق حيث يبحث الناس عن مازوت ليدفئوا أطفالهم و عن المال الضروري لشراء هذا المازوت , فيما تجري سيارات المرسيدس الفارهة بسرعة هائلة غير عابئة بالبنزين الذي تصرفه , في وقت ينهار فيه التعليم العام المخصص للفقراء كل الفقراء بلا استثناء مقابل التوسع و التطور المستمر في مدارس النخبة الحاكمة و حلفائها من أصحاب الجيوب المنفوخة , مدارس الخمس نجوم , بحيث سيكون مثقف المستقبل أشبه بمثقف مسبق الصنع بغض النظر عن درجة الذكاء أو الموهبة الأصلية سواء عند طلاب التعليم العام الذين يحكم عليهم عمليا بالتخلف الثقافي أو طلبة مدارس النخبة الذين توفر لهم كل القدرات ليحصلوا على ثقافة شكلانية متفوقة تضمن استمرار الانقسام الطبقي في الثقافة كما في الاقتصاد , في مدينة يبتعد فيها عالم الفقراء عن عالم الأغنياء و يتوسط بينهما عالم من أجهزة القمع و تغييب الثقافة و الوعي و الصوت الجماهيري لحماية الأمر الواقع , لا يمكن أن تمتدح صاحب السلطان و هذه الحالة من السقوط المتجدد للثقافة التي تنتج عنه هنا إلا انطلاقا من مبدأ الارتزاق الساقط وحده .