الرئيسية » مقالات » قضايا الخلاف في المعارضة السورية- 4 –

قضايا الخلاف في المعارضة السورية- 4 –

أولا – اعلان دمشق للتغيير الديموقراطي
يعيد كل من ” حزب العمل الشيوعي ” والاتحاد الاشتراكي العربي ” تجميد عضويتهما في اعلان دمشق للتغيير الديموقراطي وبشكل أساسي الى فقدان التوافقية بين التيارات المتعارضة المنضوية في الاعلان وتصميم التيار الليبرالي الذي ينعتونه بالاقصائي منذ البداية على استبعاد التيارين : – الشيوعي الديموقراطي – والقومي الديموقراطي – حسب وصفهما والتمهيد لذلك باعطاء أهمية مبالغ فيها لدور المستقلين على حساب الاحزاب مما أدى الى تقليص دور الاعلان وسد الطريق أمامه ليكون جبهة عمل ديموقراطي واسعة ويشير ممثلو التيارين المنسحبين في معرض تشخيص أسباب الافتراق وبدرجة ثانية الى خلافات سياسية حول أولوية القضية الاجتماعية ومواجهة الامبريالية والهجمة الشرسة على سورية وبغض النظر عن مدى صحة وواقعية هذا التفسير أمام القراءة الواضحة المدعومة بالدلائل للأمانة العامة المنتخبة للاعلان واتهامها للتيارين برفض نتائج الانتخاب الديموقراطي وانتهاج سياسات تخدم بالنهاية توجهات النظام والتسرع في الانسحاب فان ما ظهر نتيجة تفجر الخلافات وما استتبع من اصطفافات ومن ثم اعتقالات مدروسة مستهدفة تيارا معينا كشفت للملأ تحول السلطة طرفا في الصراع الداخلي ضمن صفوف الاعلان يشير بوضوح الى وجهين للخلاف كانت الأولوية فيهما للصراع حول بلوغ الآلية التنظيمية المناسبة لتقسيم العمل بين الفرقاء من جهة الحقوق والواجبات والمشاركة في القرار بخصوص المهام والمواقف في اطار المبدأ التوافقي ضمن مؤسسات جبهوية ديموقراطية شفافة في حين حلت الأسباب السياسية في الدرجة التالية كمقدمة وتحصيل حاصل في الوقت ذاته والتي لم تظهر الى العلن الا بعد انفراط العقد التنظيمي .
ان قراءة متأنية لمسيرة الاعلان منذ انبثاقها قبل أكثر من عامين وحتى تاريخ انعقاد مجلسه الوطني وانتخاب قيادته مرورا بحملة الاعتقالات الموجهة وانسحاب بعض أطرافه تتيح لنا الاحاطة بجوانب الأزمة والامساك بجملة من الخيوط التي تقود بدورها الى عدد من الحقائق الأولية المطروحة للنقاش والمتابعة ومنها :
1 – غلبة العامل التنظيمي – الذاتي كما ذكرنا على عوامل الخلاف الأخرى وقد يستغرب البعض في تصدر قضية الآلية التنظيمية موقع الأولوية على الجانب السياسي في خلافات أطياف الاعلان والمعارضات الأخرى عموما وكونه بمثابة صاعق تفجير داخلي جاهز في كل لحظة ولكن الغرابة سرعان ما تزول عندما نعلم أن القضية في جوهرها سياسية بامتياز وأن أهمية عامل الآلية التنظيمية في اتخاذ القرار وادارة الجبهات وصوغ سياساتها تكمن في كونها صورة مصغرة عن سورية الجديدة القادمة المنشودة المحررة من الاستبداد كنموذج رمزي لهيكلية الدولة السورية الديموقراطية المتنوعة والتعددية وشكل الشراكة القادمة بين المكونات الوطنية من قومية وثقافية واجتماعية في ادارة الحكم وتوزيع الثروة بالعدل والمساواة وبالتكافل والتضامن وما من شك أن عملية حسم الخلاف حول هذا البند بالذات تشكل مقياسا حقيقيا لديموقراطية أو استبدادية هيكلية البناء والمؤسسات ضمن صفوف المعارضة الوطنية السورية ودليلا على مدى صدقية ادعاء البعض من التيارات الآيديولوجية الشمولية – سابقا – با التحول نحو فضاء النقد الذاتي ورحاب الشفافية وادانة ممارسات الماضي والتجديد والانعطاف الحضاري كما يحلو للبعض تسميته وهناك مسألة أخرى في غاية الأهمية تتصل مباشرة بعامل البناء التنظيمي وهي الموقف من سياسة التغييب الرسمي للمكونات القومية غير العربية وجودا وحقوقا في الدستور والقوانين وعلى الصعيد العملي وعدم مراعاة التمثيل الوطني لنسيج البلاد المتنوع في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والأمنية حسب عدد السكان والقوة البشرية بدوافع عنصرية مخططة معروفة سيراعلى نهج الاقصاء والتجاهل واذا كان هناك اجماع لفظي عام على ادانة انتهاكات وسياسات النظام تجاه المكونات الأخرى وتغييره فذلك سيكون كلاما في الهواء اذا لم يقترن بالممارسة العملية وأقلها بل وأضعف الايمان هو ادانة ما تتعرض لها من غبن وتبني قضاياها العادلة وقبول تمثيل مناضلي تلك المكونات أحزابا وحركات وشخصيات مستقلة ( وهم أكثر استعدادا للتضحية على أي حال ) في جميع منظمات ومؤسسات ومكاتب المعارضة الوطنية حسب الحجم السكاني على الأرض وذلك كدليل حسن نية واشعار بالتصميم على ازالة المظالم وجدية البحث عن بديل ديموقراطي لنظام الاستبداد وحينها يمكن القول أن الجسم التنظيمي المعارض هو صورة حقيقية لسورية الوطن المشترك للجميع وبعكس ذلك يصح القول أن من لايتحمل العمل في منظمات معارضة ديموقراطية توافقية بقيادة جماعية ومشاركة حقيقية من مختلف الأطياف لايستحق شرف الانتماء الى خندق الشعب ويعجزفي الوقت ذاته عن خوض معركة التغيير والاصلاح حتى النهاية وأكثر من ذلك يقف حجر عثرة أمام انجاز مهام التغيير والتسبب بحجب كل أنواع الدعم لقضية الشعب السوري على الصعد الداخلية والاقليمية والدولية .
2 – من الملاحظ أن من انسحب من صفوف الاعلان وخاصة التيار القومي تحاشى الاشارة صراحة الى موضوعة الخلاف حول القضية الكردية مع التيارات الأخرى فهم لم يحسموا أمرهم ايجابيا بعد حيال هذه المسألة الوطنية بل أن من جملة مآخذهم وخاصة التيار القومي على القيادة المنتخبة محاولة جر البلاد الى ما هو حاصل في العراق ( من يثير النعرات الطائفية والقومية ويمارس الارهاب والتقتيل هناك هم التيارات القومية العنصرية وجماعات الاسلام السياسي الطائفي وليس الديموقراطييون والليبرالييون ) وسلوك طريق المحاصصة والفرز الفئوي والقومي للمجتمع السوري تماشيا مع – المؤامرات الامبريالية الصهيونية ! ؟ – على حساب الانتماء الوطني حسب زعمهم والمقصود بذلك السماح للمشاركة الكردية كجماعة قومية رغم الحذر الشديد تجاه دورها وحقوقها ومستقبلها من جانب جميع التيارات المنضوية في الاعلان دون استثناء كما تدل على ذلك الوثائق الصادرة ويظهر أن الخلاف حول الموضوع الكردي انسحب الى الموقف من العراق الفدرالي الجديد وتحديدا فدرالية كردستان العراق والعملية السياسية الديموقراطية هناك برمتها ومحاربة الارهاب وتدخلات نظامي دمشق وطهران .
3 – لم ينتظر النظام طويلا ولم يتمالك نفسه عندما تم أمام ناظري أجهزته وعيونه داخل اجتماعات الاعلان سقوط من يقيمهم كموالين وفوز من يعتبرهم أعداء وخصوم وصدور وثائق ختامية تدعو الى التغيير بلغة أكثر وضوحا حتى انقض على معظم أفراد التيار الديموقراطي الجذري ولم يكن رد فعل النظام بتلك القساوة مفاجأة لدى متابعي تطورات الوضع في الاعلان اذ كانت صلات بعض الأطراف مع السلطة معروفة وانتقلت من الشك الى اليقين منذ ما قبل انبثاق الاعلان كما لم تكن أجهزة النظام بوارد منع أو ملاحقة أعضاء الاعلان من النشاط واللقاءات اذا بقيت الأمور كما كانت وبدون توجيه الاتهام الأمني لأحد فقد حصل شكل من الاتفاق غير المكتوب على أن يستمر الاعلان بحسب النهج الذي اتبعه منذ البداية وسار عليه حتى قبل اجتماع المجلس الوطني في 1 – 12 – 2007 ومما يؤكد أكثر تورط النظام كطرف في تفاصيل خلافات تيارات الاعلان ردود الفعل – الهيستيرية – والانتقامية من عناصر في خارج البلاد محسوبة على الاعلان ومتورطة مع النظام عملت منذ أمد على مد الجسور وبطرق ملتوية مع أوساط النظام الدكتاتوري على حساب المبادىء طمعا في منصب أو جاه داعية الى الاصلاح بقيادة الرئيس الشاب وليس التغيير تحت ذريعة مواجهة الهجمة الخارجية على سوريا ومن المفيد أن لاننس هنا أن تحول النظام كطرف في صراعات المعارضة الداخلية وبما يملكه من سلطة ومال وامكانيات دليل اضافي على ضعفه وخوفه من ولادة معارضة وطنية ديموقراطية فاعلة في المستقبل القريب .
4 – البند الوحيد الذي قد نتفق عليه مع التيارين المنسحبين من الاعلان هو تمسكهما بمبدأ العمل التوافقي بين الأطراف والتيارات وعدم الأخذ باحتكار الأغلبية وحرمان الأقلية أو اقصاءها حيث تؤكد تجارب حركات المعارضة الوطنية في عصرنا الراهن وخاصة في البلدان المتعددة القوميات والأطياف كما في سوريا أن السبيل الأمثل في لم الصفوف وتوحيد الجهود بهدف اجراء التغيير هو العمل سوية على أسس مبدأ الديموقراطية التوافقية الذي يفتح الأبواب لمشاركة كل من ينشد التغيير من قوى وتيارات ومكونات قومية وثقافية واجتماعية مهما كانت مواقفها متباينة في تحمل المسؤوليات وصنع القرار ومهما كان حجم البعض منها أو رؤاه حيث الأولوية للخطوة الأولى بازالة نظام الاستبداد وفي الحالة هذه ومهما كانت البرامج المستقبلية متناقضة بين الجماعات والفئات بخصوص البديل وشكل دولة سورية الجديدة وبنود دستورها وقضاياها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية يمكن التوافق حول برنامج الحد الأدنى المشترك في اطار الصراع الفكري والمنافسة السياسية الحضارية الخلاقة وعمليات النقد والنقد الذاتي بين الشركاء المرحليين في اللحظة الراهنة الى أن يقرر الشعب السوري مصيره بعد التحرر من الدكتاتورية عبر الوسائل الشرعية والانتخابات النزيهة .
رغم أن تجربة عامين قد تكون قصيرة في حياة الشعوب الا أنها كانت غنية للمعارضة الوطنية السورية بكل أجنحتها وأطيافها لأنها شكلت مرحلة أولية هامة في التواصل والتعارف بين المتباعدين جغرافيا وفي الجمع بين الأضداد تاريخيا والتحاور بين المختلفين فكريا وسياسيا والتعاطي حتى على مستوى الأجيال المتفاوتة وهذه البداية قد تكون كافية على مستوى فحص القدرات واختبار النيات وافراز الصالح من الطالح وملامسة الوقائع والحقائق التي كانت غائبة عن الأعين للانتقال الى مرحلة أخرى متقدمة قد تؤسس لاصطفافات جديدة منبثقة عن الخبرة المتراكمة والوعي المتقدم في تشخيص المهام الراهنة وسبل انجازها .