الرئيسية » مقالات » وداعا… فؤاد التكرلي

وداعا… فؤاد التكرلي

رحل بصمت الروائي الرائد فؤاد التكرلي غفي العاصمة الأردنية عمان،عن عمر جاوز الثمانون عاما،بعد معانات شديدة فرضتها طبيعة الأوضاع في العراق،والتكرلي من رواد القصة والرواية في العراق،ولد سنة 1927 في بغداد لأسرة متوسطة كانت لها مكانة اجتماعية مميزة وتوجهات دينية فقد كان جده لأبيه نقيبا لأشراف بغداد،ودرس في مدارسها،وأنهى دراسته الإعدادية ليلتحق بكلية الحقوق ويتخرج فيها سنة 1949،وعين كاتبا في دوائر القضاء،ثم أصبح قاضيا،ليشد الرحال إلى فرنسا في رحلة دراسية ليصبح خبيرا في وزارة العدل العراقية،وعمل ملحقا ثقافيا لبلاده،أحيل بعدها إلى التقاعد، ثم أضطر للسفر إلى الأردن لتكون رحلته الأخيرة،أنتقل بعدها إلى الرفيق الأعلى بعد مرض لم يمهله طويلا.
ورغم شهرته الواسعة واعتباره من رواد القصة في العراق إلا أنه كان مقلا في أنتاجه الأدبي،ولعل مرد ذلك انشغاله بأعباء الوظيفة،فقد نشر أولى قصصه(همس مبهم) في مجلة الآداب اللبنانية سنة 1950 ،وتلاها بروايته(بصقه في وجه الحياة) التي بدء بكتابتها سنة 1948 ونشرها في بيروت سنة 1980 لما فيها من أفكار جريئة خشي مغبة أذاعتها ،وأصدر عام 1960 مجموعة قصصية بعنوان(الوجه الآخر) ليصدر بعدها روايته الرجع البعيد عام 1980،ثم أصدر عام 1995 (خاتم الرمل) و(المسرات والأوجاع )سنة 1995،وصدرت له مجموعة حواريات بعنوان(الصخرة) ومجموعة قصصية اسماها(موعد مع النار) وآخرها روايته(اللاسوآل واللاجواب)عن دار المدى للثقافة والفنون والأعلام سنة 2007،وقد كرم من مؤسسة المدى بجائزة تقديرية،وحصل على جائزة العويس .
وهو آخر من تبقى من جيل الرواد،أو جيل الخمسينيات بعد رحيل الروائي غائب طعمه فرمان،وعبد الملك نورى،ومهدي الصقر ومحمد روزنامجي وشاكر خصباك ونزار عباس،وهو من الجيل الذي تجاوز ما عليه الجيل السابق،جيل الرواد محمود أحمد السيد وعبد الحق فاضل وجعفر الخليلي وذو النون أيوب،حيث نحى بالقصة منحى آخر وأرسى دعائمها على أسس فنية ثابتة تجاوزت التجارب الأولى التي أصدرها الجيل الأول لكتاب القصة في العراق.
وكان مقلا في أنتاجه الأدبي،وحصيلة مسيرته الأدبية التي تجاوزت النصف قرن عدد قليل من الروايات والقصص القصيرة،لانصرافه لعمله الوظيفي واعتبار الكتابة هواية،وكان لا يكتب إلا إذا اختمرت في ذهنه أبعاد الرواية،وقد يستمر لسنوات في كتابة رواية واحدة كما هو الحال في الرجع البعيد التي أخذت منه عشرة سنوات،تناول من خلالها فترة عصيبة في تاريخ العراق الحديث،نحى فيها منحا رمزيا جنبه الكثير من التعقيدات التي تفرضه السلطات العراقية،وقد استفاد من عمله في دوائر القضاء والمحاكم لتختزن ذاكرته تجارب شتى أعانته في كتابة رواياته التي نلاحظ فيها،القضايا القانونية التي يكتبها بطريقة تجنبه المسائلة لمعرفته بالقوانين المرعية،فقد تناول في رواياته المختلفة الكثير من القضايا التي تتعلق بقضايا الشرف وغسل العار،والزنا بالمحارم،والجرائم الغامضة،وقضايا الإرث والاحتيال،وينح فيها لدراسة النفس وتحليلها على ضوء النظريات العلمية الحديثة،ليغص في أعماق الإنسان واجترار ما يعتمل داخله من مشاعر وأحاسيس وإرهاصات نتيجة خلفيات وترسبات من حياة الطفولة أو الصبا والشباب،ولعلاقته بالوسط الديني بحكم انحداره العائلي كان مطلعا على خفايا هذا الوسط،التي أستطاع إظهارها على حقيقتها في قصصه،وفي قصته الأولى العيون الزرق يتناول أعقد قضية يتجنب الخوض في تفاصيلها الكثيرون،فاستطاع سبر أغوارها والسير في منعرجاتها دون أن يكون لأحد حق المسائلة أو التشهير،فهي تحكي قصة فتاة إيرانية جاءت مع والدها وشقيقها لزيارة العتبات المقدسة في العراق،ولطول السفر ومشاقة أضطر شقيقها إلى العودة من حيث أتي،لتستمر الأسرة في طريقها ويلقون رحالهم في خانقين حيث تموت والدتها،فيضطر والدها لإيداعها لدى عائلة تقوم لأداء أعمال منزلية لها،وعندما يعاود والدها مسيرته تلتقي في بعقوبة بشاب في محطة السفر تحلب انتباهه عينيها الزرق فيغازلها بأدب مبديا إعجابه بها،محملها إياها بوادر الرغبة والاحتشام،وعندما يتوجه والدها إلى كربلاء المقدسة لزيارة المراقد الشريفة،تصاب بمرض يضطره لإيداعها لدى أحد رجال الدين الذين لمس غيهم الورع والتقوى ومخائل النجابة،ولكن هذا الرجل كان يحمل في ذلته نوازع شتى،ليأخذها ذالك الرجل إلى رجل دين آخر يعقد له عليها بما يسمى زواج المتعة،ليفترسها ليلا بعد أن أغمي عليها،ثم يتداولها الكثيرون بهذه الطريقة.
فيما تناول في روايته الأخيرة(اللاسوأل واللاجواب)صورة الحياة ابان فترة الحصار،وما عانى المواطن العراقي خلالها من جوع وحرمان وافتقاد لأبسط الحاجات الإنسانية،وما جرت على المجتمع من تقلبات لا تزال آثارها تأخذ طريقها في الكثير مما يجري في العراق،ولا زالت تداعياتها تشكل القاسم المشترك لما عليه الإنسان العراقي من تأخر وتخلف،فقد استهدفت بناء الإنسان وتمكنت بطريق أو آخر هد ذالك البنيان المتكامل وأحالته إلى حطام،وأضاعت الكثير من العلائق الاجتماعية ،وعصفت بالكثير من الأعراف التي كانت ثمار سنوات طويلة من الجهد والبناء،وأختار لها معلما دفعته الحاجة ليعمل سائق أجرة،تراوده نوبات يحاول خلالها تلمس واقعه وما سيئول أليه أمره،فلا يرى في المستقبل إجابة لتساؤلاته الملحة ليعود بذاكرته إلى الوراء باحثا عن سبب إخفاقاته التي دفعته إلى ما يشبه الجنون.
وكانت له رؤيته الواقعية في اختيار شخوصه والأماكن التي جعلها مسرح لتحركها،فكان أبطاله من الطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها،في حرص على استقراء التاريخ العراقي المعاصر والاستفادة منه في بناء المحاور الرئيسية في رواياته ليرسم صور مختلفة للحياة البغدادية،حتى أنك تستطيع أن تتلمس حواري بغداد وأزقتها وشخوصها في كتاباته،ويحاول الدخول إلى خبايا نفس الإنسان وإبراز مكنوناتها لمعرفة طبيعة الصراع وما في خلفياته من آثار اجتماعية وتربوية ونفسية.
وأعتمد اللهجة الشعبية في رواياته وقصصه الأولى ،إلا أنه لجأ إلى الفصحى في الحوار رغم أن شخصياته من أوساط شعبية،راغبا في أعطاء رواياته بعدا جغرافيا بسبب صعوبة فهم اللهجة الشعبية في الدول العربية الأخرى،رغم ان لغته الحوارية أتسمت باللغة المبسطة البعيدة عن التعقيد،وبذلك يمكن اعتبار هذا الاتجاه تطورا في اللغة الحوارية للقصة العراقية.
وفي علاقاته مع معاصريه تبرز الحميمة بأجل صورها،فتراه دائما ذاكرا للجميل فيهم،لم تؤثر فيه تفاعلات المعاصرة،وما تفرضه من صراع صامت،مما هو مألوف بين المعاصرين،ويحاول في مقابلاته الإعلامية أيراد الجوانب الإيجابية،والإشارة إليهم بالتقدم والفضل،ففي سوآل للدكتور علي إبراهيم عن اقتران أسمه بالقاص عبد الملك نوري،والرأي القائل ان نوري قاص غير موهوب قصصيا،ولكنه أستطاع بالجد والمران والمثابرة أن يكتب قصصا قيمة،قال”صداقتي مع عبد الملك نوري بدأت عام 1949 حين كنت في الثانية والعشرين من عمري،وامتدت إلى عام 1998 حين وافى الأجل ذلك الصديق العزيز،وما هو الشبه بيننا، في الأمور الشخصية لا شيء تقريبا،وكأدباء فهناك كما تفضلت الموهبة والتزامن والموضوعات ومحاولة التجديد،أما المعالجات والأسلوب فالاختلاف واضح بيننا،وحول المقولة التي أوردتها فلا أظنها صحيحة،والعكس هو الصحيح،فهو قاص موهوب لكنه لم يكن يملك الصبر والجد لكي يحقق موهبته،كان عجولا نافذ الصبر،…وعندما يقارن الدكتور شجاع العاني بين شخوصي وشخصيات عبد الملك نوري فيجد أن الأخيرة تنكسر كما لو كانت آنية من زجاج ترمى على ارض إسمنتية صلبة،في حين أن الأولى تبدوا قادرة على الصمود،… الأمر الذي يجعلني أكثر واقعية من عبد الملك نوري”القص العراقي بعيدا عن سماواته ص109.وفي سوأل عن الراحل غائب طعمه فرمان قال”أن الصديق غائب طعمه فرمان أول من كتب رواية عراقية ذات مواصفات فنية مقبولة،والنخلة والجيران فتح في الرواية العراقية،إلا أن أعماله الأخرى أخذت تترجرج أهميتها الفنية بشكل من الأشكال،وفي ظني أنه ما كان يعوزه هو العودة إلى وطنه العراق والاستقرار به بضع سنوات…إلا أننا يجب إن نقوّم بحذر إنتاجه ككل،وأن ننظر بتساهل إلى حداثته الفنية،فالرجل-كما هو معروف- ملتزم سياسيا،وقد أتخذ خطا خاصا به في التعبير الفني،غير إن ذلك لا ينفي رياديته الروائية وأهمية مسيرته العامة:ص114’وعن محمد خضير يقول”أنه أبرز كتاب القصة في الستينيات،وكان نشر مجموعته القصصية”المملكة السوداء”مؤشرا بليغا على الدرجة العالية من الفن التي بلغها هذا القاص باعتقادي”ص115.
وأخيرا فالراحل الكريم رغم إنتاجيته الأدبية المحدودة إلا أنه يبقى بين القلة التي استطاعت السير بالرواية العراقية إلى أمام،وأن يكون علامة بارزة في الفن القصصي في العراق.