الرئيسية » مقالات » العراق وتحديات الواقع: لعنة النفط وآفتا الفساد والإرهاب

العراق وتحديات الواقع: لعنة النفط وآفتا الفساد والإرهاب

على خلفية أزمة الطاقة وارتفاع أسعار النفط الخام ومشتقاته من محروقات ووقود ، حيث تجاوز سعر البرميل الـ 100 دولار ، وكذلك على خلفية الانتخابات الرئاسية الأمريكية المحتدمة لسنة 2008 ، وتفاعلات أزمة الملف النووي الإيراني ، وتفاقم حالة التدهور والتأزم التي تشوب العلاقات الأمريكية الإيرانية وانعكاساتها الخطيرة على الملف اللبناني والملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي والملف الأفغاني،وبالطبع الملف العراقي، إنتهى عام 2007 وولجنا في عام 2008 وأنهينا العام الخامس من الاحتلال في العراق والسادس في أفغانستان ومازلنا ندور في حلقة مفرغة وانسداد كلي للوضع الحياتي والوجودي والاقتصادي والسياسي والعسكري والأمني لهذه الدول التي تأثر بالموقف الأمريكي وتؤثر فيه. إلا أن الأولوية القصوى التي توليها الإدارة لأمريكية هي للملف العراقي وتداعياته إذ أن هذا الملف يمثل أهمية إستراتيجية وعسكرية واقتصادية حيوية للأمن القومي الأمريكي على كل الصعد الجيو ـ سياسية والجيو ـ ستراتيجية. فعلى أرض العراق تتشكل الأسس والرهانات الاستراتيجية الأمريكية العالمية العليا. فالعراق ليس مجرد دولة وشعب وبلد ذو تاريخ عريق وحضارة غارقة في القدم فحسب، وهذا لايعني الشيء الكثير للأمريكيين، بل هو أولاً وقبل شيء، أرض عائمة فوق بحيرة من النفط قدرت محتوياتها بـ 115 مليار برميل من الاحتياطي المثبت، و 200 مليار من الاحتياطي النفطي المحتمل مما خلق حالة من الهوس النفطي منذ اكتشاف الذهب الأسود في أعماق أرض الرافدين.هذا هو مفتاح فهم الدواعي الحقيقية التي قادت الولايات المتحدة الأمريكية إلى غزو العراق متذرعة بحجج واهية وأكاذيب مفضوحة وتقارير مزيفة وتصريحات كاذبة تجاوزت الـ 237 تصريحاً بالغت في حقيقة طبيعة التهديد العراقي للأمن العالمي والأمن القومي الأمريكي كما أحصاها النائب الأمريكي هنري واكسمان من الحزب الديموقراطي عن منطقة بيفرلي هيلز الشهيرة والغنية .
بادرت منظمتان مستقلتان لفحص وإحصاء وتدقيق تصريحات الرئيس بوش العلنية وتصريحات مساعديه ومعاونيه المقربين كنائبه ديك تشيني ومستشارته لشؤون الأمن القومي سابقاً ووزيرة الخارجية حالياً كونداليزا رايس ووزير خارجيته السابق وكولن باول ووزير الدفاع السابق رونالد رامسفيلد والمتحدث الرسمي بإسم البيت الأبيض، بين أعوام 2001 و 2003 ،فاضحة خديعته للشعب الأمريكي وتمرير أكاذيبه عمداً لتبرير الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 .
وهاتان المنظمتان هما
Center for public integrity et the Fund for independence in journalism”
” الذرائع المزيفة” وهي دراسة تقصت تصريحات أركان الإدارة الأمريكية وقد نشرتا
خلال العامين 2001 ـ 2003 مابعد أحداث 11 أيلول 2001 ووجدت ما مجموعه 935 تصريحاً كاذباً على لسان كبار المسؤولين في إدارة بوش الإبن بشأن تهديد عراق صدام حسين للأمن القومي الأمريكي.
وبعد خمسة أعوام على غزو أمريكا للعراق أظهرت دراسة كاملة للأرشيف أن تلك التصريحات الكاذبة كانت مدرجة في سياق حملة منظمة ومدروسة ومقصودة لتأجيج وتجييش وتعبئة الرأي العام كي يدفعوا باتجاه الحرب بفعل مزاعم انكشف زيفها كما يقول أصحاب تلك الدراسة.
وكما هو معلوم فإن إدارة بوش ركزت على صلات وعلاقات مفترضة بين تنظيم القاعدة الإرهابي بزعامة بن لادن ونظام صدام حسين وترسانة أسلحة التدمير الشامل المحرمة دولياً التي يمتلكها العراق لاسيما الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أو الجرثومية فضلاً عن أبحاثه الخفية في المجال النووي والتي لم يعثر عليها أحد بعد الغزو ، لتبرير غزوها وقد شككت عدة دول من بينها فرنسا وألمانيا بجدية تلك الذرائع والمبررات وهي تعلم علم اليقين بعدم وجودها.
وقد اعترفت إدارة بوش أخيراً في سنة 2005 بعدم وجود تلك الأسلحة المفترضة الممنوعة دولياً عكس ما أكدته تقارير الاستخبارات قبل الغزو.والحال أن التحليلات أثبت أن الإدارة الأمريكية تجاهلت أو شوهت أو بالغت في فحوى بعض التقارير الاستخباراتية المتعلقة بالأسلحة العراقية . وقد أشارت الدراسة المذكورة إلى خطاب ديك تشيني في آب 2002 الذي أكد فيه أن صدام حسين يمتلك الآن كميات كبيرة من أسلحة التدمير الشامل بينما ذكر أصحاب الدراسة أن رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية سي آي أ آنذاك جورج تنيت قال أن تصريحات تشيني تتجاوز بكثير تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وعلق مسؤول في الاستخبارات على خطاب تشيني قائلاً” من أين جاء بهذه المعلومات الخاطئة؟”
وفي أيلول 2002 أكد الرئيس بوش بنفسه أن النظام العراقي يمتلك أسلحة بيولوجية وكيماوية خطيرة وأعاد ترميم منشئاته التسليحية ليصنع المزيد من تلك الأسلحة المحرمة دولياً وهو يعمل على امتلاك السلاح النووي ويمكنه تصنيعه من مواد انشطارية خلال عام. ولم تتم أية عملية تدقيق أو تحليل لصحة تلك الادعاءات لاسيما تلك المتعلقة بالوحدات الانتاجية المتنقلة التي وصفت في آيار 2003 بالمختبرات البيولوجية المتنقلة حسب توصيف جورج بوش نفسه بينما أكد فريق الخبراء المدنيين الأمريكيين عدم وجودها .ولم يحصل أي تحقيق من جانب الكونغرس الأمريكي حول ما حدث داخل البيت الأبيض بهذا الصدد في الأشهر التي سبقت شهر آيار 2003 والتي روجت لها وسائل الإعلام لإضفاء الشرعية على مشروع الغزو للعراق بغية التعمية وإبعاد الأنظار عن الهدف الحقيقي لغزو العراق.
انصب اهتمام العالم الغربي على العراق منذ ما قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة بسبب النفط تحديداً ولا تشذ الولايات المتحدة الأمريكية عن هذه القاعدة لاسيما إذا عرفنا أهمية النفط في الدبلوماسية الأمريكية والطابع الحيوي الذي تكتسيه هذه المسألة حتى يومنا هذا في نمط الحياة الأمريكية . فالدول المتقدمة أدركت منذ وقت بعيد أن التنويع في نمط الإنتاج والبحث عن الإتقان والضمان في مجال الطاقة هي أولويات لايمكن أن تحيد عنها إذا أرادت البقاء والتفوق والهيمنة. ففرنسا لم تمتلك نفطاً ولم تفكر يوماً أن تصبح قوة نفطية عالمية وبالتالي فهي تابعة وخاضعة ومعتمدة على هذا المصدر من الطاقة ، في حين أن بريطانيا ، وعلى غرار أمريكا، كانت وما تزال تريد أن تسيطر وتهيمن على منابع النفط أينما كانت لاسيما على نفطها الوطني باعتبارها دولة منتجة للنفط وتنحو لامتلاك شركات عملاقة ومتطورة مكلفة بالتنقيب والتحري واكتشاف واستخراج ونقل أو شحن النفط وتصفيته ومعالجته لاستخراج المشتقات النفطية والتحكم بحركة بيع وتوزيع هذا السائل الثمين. والحال أن الكثيرين يجهلون مدى أهمية هذا العنصر في حياة الأمم والدور الثابت والخفي والحاسم الذي تلعبه هذه السلعة الاستراتيجية وتأثيرها على الخيارات الكبرى للسياسة الخارجية للدول.
فالنفط عامل استراتيجي، ليس فقط لأنه يتيح لأسطول صاحبة الجلالة وأساطيل الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية للتنقل بسرعة عبر بحار العالم، أو أن أسعاره تؤثر على مزاجيات الناخب الأمريكي المهووس باستهلالكه لهذه المادة فحسب، بل كذلك لأن أسعار النفط تقوم بدور الحكم والمعدل في توزيع التنمية والثروة العالمية وتوازن الاقتصاديات العالمية. فهناك رابحون عندما يكون سعر النفط مرتفعاً كما وأن هناك خاسرون ، وهناك رابحون عندما يكون سعر النفط منخفضاً وهناك خاسرون من جراء ذلك ، وفي نفس الوقت هناك رابحون في كل الحالات والمقصود بهم بالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى. فأربعة أخماس الشركات النفطية العالمية العملاقة هي شركات أنغلو ـ ساكسونية وأن حركة التسعير تتحدد في نيويورك ولندن حيث تتدفق الأموال المرتبطة بهذه المادة الأولية . فالسيطرة على منابع ومصادر الانتاج وتطور الأسعار والتحكم بها أصبحتا بالنسبة لهاتين الدولتين رهاناً استراتيجياً رئيسياً . ولا يجب أن ننسى أنه كلما ارتفعت أسعار النفط استفادت الشركات الكبرى والأنظمة النفطية في حين تدفع الشعوب الثمن عبر مزيد من المعاناة بما فيها شعوب الدول المنتجة للنفط ولدينا في العراق أنصع مثال على ذلك . فارتفاع العائدات يزيد من طمع وجشع الحكام ويرفع من وتيرة سرقاتهم وترك الشعوب تلهث وراء الوقود المنزلي والبنزين ووقود التدفئة التي ترتفع أسعارها ويندر توفرها في الأسواق وهذه هي المفارقة الأليمة.فما الذي استفاده الشعب العراقي من ارتفاع أسعار النفط الخام سوى المزيد من المتاعب والمعاناة؟

عودة سريعة إلى الوراء:
فكما أسلفنا القول أنه عندما تقرر غزو العراق خلال العام 2003 لم يكن هذا البلد يشكل تهديداً حقيقياً على توازن القوى الإقليمي والدولي ولم يشكل خطراً سوى على أبنائه وشعبه الأعزل والمنكوب لأن السلطة كانت آنذاك بيد دكتاتور دموي متوحش ومجنون يبطش بشعبه ويتذلل للأجنبي لكي يتركه في الحكم مقابل التنازل عن كل شيء بما في ذلك السيادة والثروة الوطنية والعزة والكرامة ويكفي أن نراجع تفاصيل وحيثيات وساطة الرئيس اللبناني السابق أمين جميل بين صدام وأمريكا قبل سقوط الدكتاتور ببضعة أسابيع كي نكتشف مدى استعداد هذا الحاكم للخنوع والركوع وتنفيذ مايطلب منه وأكثر مقابل بقائه في سدة الحكم. من هنا يمكننا الجزم اليوم بأن شن حرب وقائية أو استباقية كما أسمتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق كان لها أسباب ودوافع أخرى يتعين علينا العودة قليلاً إلى الخلف لتشخيصها. فقوى التحالف الدولي، غداة الحرب العالمية الأولى، لم ترسم الحدود لأوروبا فحسب، بل قررت مصير الإمبراطورية العثمانية التي كانوا يسمونها رجل أوروبا المريض.
خاضت كل من فرنسا وبريطانيا آنذاك صراع قوة ونفوذ عسير بينهما للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط أي سوريا ولبنان وفلسطين أو بلاد الشام ووادي الرافدين الذي أصبح العراق الحالي وقد سعى البريطانيون لأخذ العراق الغني بالنفط ومعه الكويت ومنطقة الخليج برمتها عدا السعودية التي كانت منذ وقت مبكر حكراً على النفوذ الأمريكي. وتركت سوريا ولبنان لفرنسا لأنهما لايملكان ذهباً اسود واتفقتا أخيراً في سان ريمو عام 1920 على وضع العراق تحت الوصاية والانتداب البريطاني على أن يذهب ربع النفط المستخرج من العراق إلى فرنسا. وتمكن كالوس كولبنكيان ، الشخصية القوية في عالم النفط في فترة مابين الحربين، ومؤسس شركة النفط التركية التي يملك 5 بالمائة أسهمها ، من إيجاد اتفاق بشأن حقوق الاستغلال التي منحت لكيان جديد أسمه شركة النفط العراقية التي امتلك الانجليز 47،50 بالمائة بينما أخذ الفرنسيون والأمريكيون من شركة ستاندارد أويل 23،75 بالمائة واحتفظ كولبنكيان بنسبة الـ 5 بالمائة . كانت المناطق النفطية في ذلك الوقت محدودة بمنطقتين رئيسيتين في العالم هما خليج المكسيك الواقع تحت سيطرة الشركات الأمريكية ومنطقة بحر قزوين التي كانت تهيمن عليها شركة النفط الانجليزية ـ الفارسية التي سبقت تأسيس شركة النفط البريطانية بريتش بيتروليوم . وأعتبرت منطقة الشرق الأوسط منطقة واعدة وعدت المنطقة الأكثر ثراءاً بالنفط لذلك لم يشأ الأمريكيون الابتعاد عنها مهما كان الثمن. وقد ذهب كولبنكيان إلى أبعد من ذلك حيث حصل على اتفاق جوهره هو أن تتصرف الكونسورتيوم النفطي بطريقة تضامنية فيما بين مكوناتها في منطقة شبه الجزيرة العربية أي الخليج حالياً والتي تحيط بالبحر الأحمر وبحر الخليج وهي تضم العربية السعودية حالياً بيد أنه استبعد الكويت التي خصصت بصورة احتكارية للانجليز فقط.إلا أن اتفاق الخط الأحمر الموقع سنة 1928 لم يمنع الشركات الأمريكية غداة الحرب من وضع يدها على الاحتياطي النفطي السعودي الهائل على الرغم من احتجاجات فرنسا. وتلقت شركة سي أف ب تعويضات مجزية ومهمة في إمارة أبو ظبي وما زالت أهم وأغنى المناطق بالنسبة للشركة .
هكذا تم تقاسم النفط العراقي لأول مرة سنة 1925. لكن تأميم شركة النفط العراقية وإعادة النظر بنظام منح التراخيص في سنوات الستينات خفض جهود التنقيب عن آبار وحقول جديدة مما أصاب الإنتاج النفطي العراقي بنوع من الركود لكن حصص الشركات الأجنبية ظل قائماً إلى أواسط السبعينات من القرن العشرين إلى مابعد الصدمة النفطية الأولى سنة 1973 . فالنفط كان الحافز الرئيسي للاحتلال الاستعماري الأول للعراق في بدايات القرن المنصرم ومايزال هو الحافز الرئيسي للمطامع الاستعمارية في مطلع القرن الحادي والعشرين.
في نهاية سنة 2004 استقر مستوى الاحتياطي النفطي العراقي المثبت على معدل 115 مليار برميل وجاء ترتيبه الثالث بعد العربية السعودية وإيران بيد أنه يأتي في المرتبة الأولى وفق تقديرات لخبراء نفطيين آخرين قدروا حجم الاحتياطي النفطي العراقي بأكثر من 200 مليار برميل لأنه لم تبذل أية جهود جدية للبحث والتنقيب عن حقول نفطية جديدة منذ ربع قرن بسبب تعاقب الأزمات والحروب والاضطرابات السياسية والعقوبات الدولية التي فرضت على العراق بعد غزوه للكويت ونجم عنها محاصرة العراق ومنعه من بيع نفطه وتطوير حقوله النفطية بالإضافة إلى طبيعة النظام العراقي الاستبدادي الطائش تجدر الإشارة إلى أن نوعية النفط العراقي الممتازة هي الأجود مقارنة بغيره ومن النوع الممتاز ورخص الانتاج أو انخفاض كلفة الاستخراج والتسويق والتصدير . وبسبب نوعية البنى التحتية المتوفرة حالياً تأرجح الانتاج النفطي العراقي في الفترة ما بين 1991 و 2003 بين نصف مليون ومليوني برميل في اليوم ، أي أقل بكثير من مستوى الإنتاج العراقي قبل حرب الخليج الثانية أي حرب تحرير الكويت ومحاصرة العراق حيث بلغ معدل إنتاج النفط العراقي قبل الحرب 3 مليون برميل في اليوم. وكان غياب العراق عن السوق النفطية العراقية لصالح باقي دول منظمة الأوبك المصدرة للنفط . وللمحافظة على توازن معادلة العرض والطلب بعد عودة العراق التدريجية لسوق النفطية العالمية احتاج الأمر إلى تخفيض سقف الإنتاج العالمي أي خفض العرض مقابل انخفاض الطلب لتفادي انهيار أسعار النفط الخام ولعب العراق رغماً عنه دور عامل التوازن في السوق النفطية حتى عام 1998 وهي السنة التي اتسمت بعودة معدل التصدير الذي يؤمنه العراق البالغ 2 مليون برميل يومياً واعتبرت بغداد هي المسؤولة عن انخفاض أسعار النفط الخام حتى وصل سعر البرميل إلى 10 دولار الأمر الذي أثار حفيظة الجيران الذين لم يسامحوا العراق على ذلك وعلى رأسهم العربية السعودية والشركات الأنجلو ـ ساكسونية رغم كونهم أول من استفاد من غياب العراق عن سوق المنافسة لزيادة سقف انتاجهم وزيادة عائداتهم وثرواتهم طيلة عقد من الزمن.
عمد حكام العراق السابقين في عهد البعث المنهار وابتداءاً من عام 1997 للخروج من مأزق العقوبات الدولية التي مست جوهر الحياة اليومية للمواطن العراقي ، إلى المناورة، واستغلال الورقة الوحيدة الباقية بيد النظام الدكتاتوري السابق لدى مجلس الأمن ألا وهي ورقة النفط من خلال قانون النفط مقابل الغذاء وكذلك عمليات التهريب الموازية للنفط العراقي . وقد عقدت الحكومة العراقية السابقة ماقبل الحرب الأخيرة اتفاقيات تعاون نفطي مع شركات روسية وصينية لكنها لم تكن تؤثر كثيراً أو تثير اضطراباً ملموساً أو تخلق خلخلة في قواعد اللعبة النفطية العالمية. ولم تقد تلك المناورات التي ناورت بها حكومة صدام المقبور إلى حل ناجع للعراق إلا أن حكومة صدام استمرت في ذلك النهج ولم يكن أمامها طريق آخر.
كانت شركة توتال الفرنسية متواجدة في السوق العراقية منذ العام 1995 . وقبل أكثر من خمسة عشر عاماً أبرمت توتال اتفاق إطار مبدئي مع الحكومة العراقية السابقة لاستغلال حقلين نفطيين هما مجنون ونهر عمر الواقعين قرب البصرة واللذين يحتويان على 20 مليار برميل . تسارعت المفاوضات في نهاية عام 2001 وكان هناك شبه اتفاق نهائي حيث حظيت شركات آجيب و يدسبول الإيطالية والإسبانية وبتروفيتنام بحظوة وتفضيل لدى بغداد ووعد بعقود مجزية بمجرد رفع الحظر النفطي عن العراق كما فاوضت شركة النفط الوطنية الصينية في عام 2001 على اتفاق يطول أمده 22 عاماً لاستغلال حوض الأحدب في جنوب البلاد وأخيراً كشفت الصحافة الأمريكية في آب 2002 عن أن بغداد وموسكو على وشك إبرام اتفاق ـ إطار يشمل عمليات استغلال نفط المنطقة الغربية في العراق بمبلغ مقداره 40 مليار دولار.
أمام هذا الواقع الذي حاول صدام حسين فرضه للخروج من مأزق الحصار والعقوبات رأت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا نفسيهما مستبعدتين من بركات الثروة النفطية العراقية التي باتت تتعرض لخطة تقاسم ثانية لا تأخذ مصالحهما بعين الاعتبار , أي أن التوازن الذي كان قائماً منذ 75 سنة بين الشركات الاحتكارية الكبرى في العالم في تعاملها مع نفط الشرق الأوسط قد تهاوى وهذا أمر غير مقبول بالطبع من جانب واشنطن ولندن وهذا ما لم ينتبه له أو يعيه ويدركه النظام الصدامي السابق الذي أعتقد بحساباته الخاطئة أن بإمكانه اللعب بالنار دون أن يحرق أصابعه ويمكنه اللعب على التناقضات والمنافسات ومعاقبة الأمريكيين والبريطانيين الذين سيرغمون إن آجلاً أم عاجلاً على فك الحصار عنه بضغط من روسيا والصين وفرنسا وبعض دول العالم الثالث, وكان الكثيرون يرددون مع أنفسهم أو مع الغير أن العقوبات الدولية ستزول عن العراق ولن تدوم إلى الأبد وقد دنى أجلها لذا أنطلق سباق محموم في العراق بين الشركات النفطية الأخرى غير الانجليزية والأمريكية وكانت تلك الشركات مستعدة لتقديم كافة أنواع التنازلات والإغراءات وشراء الذمم والرشوة للطغمة الحاكمة ومن يدور في فلكها من أجل إحداث تطبيع للعلاقات بين العراق وباقي دول العالم وعودة نظام صدام حسين لأحضان الأسرة الدولية بعد تبييض صفحته السوداء، والذي كان يقود تلك السمفونية الدبلوماسية هي باريس ومن خلفها موسكو وبكين فيما عزمت واشنطن ولندن على إفشال هذا المخطط وإحكام السيطرة من جديد على نفط العراق ومنع الآخرين من التسلل وأخذ هذه الثروة النفطية الهائلة من أيديهما مع ما يترتب على ذلك من تداعيات دراماتيكية من قبيل أسعار النفط الخام واستقرار المنطقة واستعادة الخسائر التي تكبدتها شركات الدولتين الحليفتين أي بريطانيا وأمريكا.
وفي نيسان 2001 استقبل جورج بوش الإبن رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير في مزرعته الخاصة في كراوفورد لإطلاق الحوار الأمريكي ـ الإنجليزي حول الطاقة وسبل الوصول إلى منابع النفط في الشرق الأوسط وما تحتاجه هذه الإستراتيجية من خطط وإمكانات واستعدادات ودراسات تتعلق بتبعاتها وما ستتمخض عنه من نتائج عسكرية واقتصادية ودبلوماسية وجيوـ سياسية حيث كان هذا هو جوهر محادثاتهما. وفي فرنسا كانت الحكومة والشعب منشغلين آنذاك بالحملة الانتخابية الرئاسية حيث لم تلحظ الدبلوماسية الفرنسية التحركات والمناورات الأمريكية ـ الانجليزية المريبة أو لم توليها الأهمية اللازمة.
كانت النقاشات حادة وساخنة داخل الإدارة الأمريكية حول نوع التصرف الواجب تبنيه حيال صدام حسين حتى حسم الأمر في 26 آب 2002 على نحو رسمي وقاطع وصريح في ناشفيل في ولاية تينيسي أمام مؤتمر المحاربين القدماء حيث حدد وأعلن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الهدف القادم بعد أفغانستان وشرح أسباب تبني الولايات المتحدة الأمريكية لخيار التدخل العسكري المباشر في العراق بالعبارات التالية:” ترسانة العراق من أسلحة التدمير الشامل المحظورة دولياً وعدم إنصياعه للقرارات الدولية ـ هذا في الظاهر ـ وجلوسه على 10 بالمائة من الاحتياطي العالمي للنفط. يمكننا أن نخمن طموحات صدام حسين للهيمنة على مجمل منطقة الشرق الأوسط والسيطرة على أغلب مصادر الطاقة التي يحتاج لها العالم وهو بذلك يهدد على نحو مباشر أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ويخضع الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم للإبتزاز النووي” وأضاف قائلاً :” لايوجد شك بشأن حقيقة ماثلة للعيان وهي أن العراق يمتلك الآن أسلحة تدمير شامل “. وبهذا جاءت الحرب على العراق كنتيجة لتقابل وتواجه تيارين من التفكير الاستراتيجي لشهور عديدة وخضوعهما لتجاذبات ومؤثرات كثيرة وهما: الرؤية الجديدة لدور الولايات المتحدة الأمريكية في العالم التي تبناها واعتمدها جورج دبليو بوش بذاته والهوس النفطي الذي كان يجسده نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني بدعم وتأييد من طوني بلير للرؤيتين المتكاملتين.
ومن أجل الانتقال إلى الفعل والتنفيذ، لم يبق سوى إعداد ملف جيد لتسويق الخيار العسكري وتبريره إذ لايمكن إرسال أكثر من 150000 من القوات الأمريكية إلى الصحراء، ولايمكن الحصول على موافقة الكونغرس، فقط من أجل تأمين طرق إمدادات النفط للبلد. وبالتالي كان لابد من التركيز على ملف آخر أكثر خطورة وإقناع الكونغرس والرأي العام الأمريكي والعالمي بصدقيته فكان أن تركزت النقاشات والحملات الإعلامية على ملف الأسلحة المحظورة والمحرمة دولياً ذات التدمير الشامل التي أفترض أن صدام حسين يمتلكها ويخفيها بينما هم يعرفون منذ زمن بعيد أنها غير موجودة ولم يعثر عليها فيما بعد في أعقاب الحرب والغزو والاحتلال. وكان المطلوب هو إبعاد الأنظار عن السبب الجوهري والحقيقي للتدخل العسكري كما كشف عنه بصدق ديك تشيني . فطرق إمدادات النفط للولايات المتحدة الأمريكية لم تكن عرضة للتهديدات إطلاقاً إذ أن أمريكا تتزود بالنفط من مصادر أخرى غير العراق والخليج . فالرهان الحقيقي هو علاقات القوة بين الشركات النفطية العملاقة للسيطرة على منابع النفط والأسعار ومواجهة السياسة التي تمارسها الولايات المتحدة حيال السوق النفطية العالمية بتواطؤ وتعاون وتنسيق سعودي أمريكي مباشر وملموس وهذا العامل يحتل ذات الأهمية إن لم نقل أكثر من عامل وفرة مصادر التزود بالنفط . وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي باختيار استراتيجي لصالح البترول المرتفع الثمن وهذه مفارقة لو علمنا أن أمريكا تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من النفط من الخارج.
استراتيجية النفط الغالي الثمن:
لاتتكون الصناعة النفطية الأمريكية فقط من الشركات العملاقة الاحتكارية التي تمنح أو تدفع للمساهمين فيها أمولاً طائلة، بل كانت ثمرة لآلاف المقاولين والمغامرين على مر السنين، وتجسيداً للحلم الأمريكي لهؤلاء الذين سعوا إلى اكتشاف النفط في باطن الأراضي التي يملكونها وإن أغلب ما يستخرج من النفط في الولايات المتحدة الأمريكية هو من جهد هؤلاء الرواد والمنتجين الصغار الذين يسلمون إنتاجهم إلى الشركات الكبرى لتسويقه ونقله أو شحنه وتوزيعه وتصفيته وإيصاله إلى أصحاب محطات البنزين والمتاجر أو المخازن الكبرى وإن النفط المستخرج من باطن قيعان البحر فقط هو نتاج جهد الشركات النفطية العملاقة.
إن هؤلاء المنتجين الصغار الذين نلتقيهم في الجنوب، بعد نضوب آبار الشمال الشرقي الأمريكي، يستخدمون آلاف الشركات الخاصة الوسيطة وشركات الخدمات والمحامين والمستشارين ومؤجري المعدات والجيولوجيين وعملاء العقارات ، وإن ازدهارهم يعتمد على زبائنهم، وهؤلاء يعتمدون على حظوظهم وعلى أسعار النفط في السوق العالمية. فبالنسبة لهؤلاء المحترفين الذين يشكلون جماعات ” أهل النفط” هم الذين يقفون وراء حياة وديمومة وازدهار بعض الولايات في أمريكا ومنها ولاية تكساس التي ينتمي إليها الرئيس جورج دبليو بوش . من هنا فإن سعر النفط الخام شكل أهمية قصوى فيما يتعلق بمستوى معيشتهم كما هو الحال فيما يخص سعر الحليب بالنسبة للرعاة وأصحاب الأغنام والبقر في بريتون .
فإذا كانت أسعار النفط المستورد من الشرق الأوسط والمرسلة إلى نيويورك أو شيكاغو على سبيل المثال ، أرخص من سعره في تكساس فإن ذلك سيعني إنهيار أو إفلاس الصناعة الموازية إلا إذا لجأت الحكومة الإتحادية إلى علاج التعرفة أو الضريبة الجمركية وفي هذه الحالة يتدخل ” أهل النفط” كعائلة بوش النفطية. فالجد بوش ينتمي إلى هذه الفئة أو الطبقة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية . وبعد الحرب أنتخب سيناتوراً عن ولاية كينكتيكوت وأرسل إلى جامعة يال إبنه جورج بوش الأب الذي لم يفلح في الحصول على الدبلوم الدراسي فقرر الرحيل لتحقيق مآربه في الجنوب وأسس مع آخرين شركة صغيرة في تكساس للخدمات النفطية وهي شركة زاباتا وأدار الشركة لفترة تربو على الخمسة عشر عاماً قبل أن ينتخب سيناتوراً عن ولاية هيوستن تحت راية الحزب الجمهوري عندما كان الحزب في قمة ازدهاره في تلك المنطقة منذ أن تخلى الحزب الديموقراطي المنافس عن سياسة التمييز العنصري بعد أن كان يقود تلك الولاية لعقود طويلة. بدأ جورج بوش الأب تجربة سياسية متألقة قادته إلى رئاسة الاستخبارات المركزية السي آي أ وإلى البيت الأبيض كنائب للرئيس رونالد ريغان لثمانية أعوام وكرئيس للولايات المتحدة الأمريكية لأربعة أعوام أي لفترة رئاسية واحدة بين 1989 و 1993 شن خلالها حربه على العراق لتحرير الكويت من الغزو الصدامي . كانت بداياته في الحياة العامة منذ الطفولة والمراهقة ، كما هي طفولة ومراهقة إبنه جورج دبليو بوش الإبن، قد وسمت وطبعت بطابع النشاط النفطي والتأثر بأسعار النفط وتأثيرها على الوضع الشخصي لكليهما. وبعد الصدمة النفطية الثانية عام 1981 كان هناك إجماع بشأن التبعات السلبية والتداعيات الكارثية على الاقتصاد من جراء ارتفاع أسعار النفط في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وما رافقها من ارتفاع في أسعار السلع والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية مما أرغم البنوك على رفع أسعار الفائدة والذي قاد بدوره إلى مايشبه الركود الاقتصادي وتفاقم البطالة في عدد كبير من الولايات في أمريكا في حين شهدت تكساس حينذاك إزدهاراً ورخاءاً لم يسبق له مثيل. بيد أن تباطؤ النمو والتقيد بسياسة الاقتصاد بالطاقة في كل مكان في العالم ،عدا الولايات المتحدة بالطبع، قد أعطى ثماره فانخفض الطلب على النفط ومن أجل المحافظة على أسعاره على الرغم من انعكاسات حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران التي كانت مستعرة، لم يكن هناك حل آخر سوى الطلب من السعودية خفض صادراتها النفطية فامتثلت المملكة لهذا الأمر وكان أن انخفضت عائداتها النفطية من 119 مليار دولار سنة 1981 إلى 26 مليار عام 1985 . وبما أن المملكة العربية السعودية كانت منطقة نفوذ محتكرة للشركات الأمريكية فقد أصيبت هذه الأخيرة بدورها وبشدة بنيران تلك السياسية النفطية التي أملتها الحكومة الأمريكية. فسلطة الولايات المتحدة الأمريكية على السوق النفطية العالمية ناجمة عن مركزها كأكبر قوة عظمى وكونها أول مستورد للنفط في العالم وكذلك من علاقتها المتميزة والوثيقة والمتداخلة مع المصدر الأول للنفط في العالم أي المملكة العربية السعودية. وإذا احتاج الأمر إبقاء أسعار النفط في مستوى غير واقعي ( إنخفاضا أو ارتفاعاً ) ، فسيتعين على الولايات المتحدة الأمريكية تهميش حلفائها الأساسيين المعتمدين كلياً على النفط كأوروبا واليابان وغيرها . من هنا نستطيع أن ندرك كيف ولماذا انهارت توازنات وعلاقات القوة القائمة منذ الصدمة النفطية الأولى سنة 1973 .أصبحت الأوضاع لاتطاق وخارج نطاق السيطرة فانهارت الأسعار بشكل حاد ومخيف منذ خريف 1985 لتصل إلى 11 دولار للبرميل عام 1986 ولكن بعد عودة جورج بوش الأب من جولة له في دول الخليج كنائب للرئيس الأمريكي ريغان وسماعه لشكوى الملك السعودي ومشايخ الخليج عكس المعادلة بإسم أمن وسلامة وضمان طرق الإمداد بالطاقة وانتعاش الصناعة النفطية الأمريكية وكان هذا الوعي بضرورة التحكم بالأسعار هو الذي قاد السياسة النفطية الأمريكية منذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا. فأي انخفاض في أسعار النفط خارج المؤشر الأمريكي يعتبر بمثابة تهديد هو أكثر خطورة من أي ارتفاع يحصل في أسعار النفط الخام وبالتالي باتت السيطرة الكلية على السوق النفطية العالمية أمراً حاسماً وحيوياً ومن أولويات الأمن القومي الأمريكي وترسخت هذه السياسة منذ أكثر من ربع قرن على أساس التنسيق التام مع العربية السعودية ونجحت الولايات المتحدة في الحفاظ على مستوى ثابت تقريباً لأسعار النفط الخام بحدود الـ 20 ألى 25 دولار للبرميل الواحد عدا فترة الأزمة الآسيوية سنة 1989 التي تصادفت مع عودة العراق للسوق النفطية العالمية. وقد حافظ جورج دبليو بوش على عقيدة والده النفطية التي شهد ولمس بنفسه فعاليتها ونجاحها في ميدلاند في تكساس إبان طفولته ومراهقته وشبابه ، وبات على نائب الرئيس ديك تشيني وضعها موضع التنفيذ والتطبيق الفعلي ولاننسى أن ديك تشيني هو الرئيس السابق لشركة هاليبرتون وهي أكبر الشركات الأمريكية في مجال الخدمات النفطية وغير النفطية وبالتالي فهو يعرف أسرار ورهانات وكواليس وأخطار الصناعة النفطية في حالة رفع العقوبات عن العراق وعودته الفعلية إلى السوق النفطية العالمية مما سيقود حتماً إلى انهيار ألأسعار وطغيان العرض على الطلب إلا إذا كان النفط العراقي تحت السيطرة الفعلية الكلية والحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية.
إستمر الحال كما كان عليه سابقاً إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول التراجيدية واستدعى الأمر مراجعة طبيعة العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية دون التفريط بامتياز التحكم بالنفط السعودي ولكن مع إيجاد المنافس أو البديل له في حالة الإضطرار إلى إرغام المملكة على تغيير سياستها التبشيرية الوهابية وتربيتها الدينية والتعليمية المتشددة التي أنتجت بن لادن وأمثاله مع ما يمكن أن يصدر من المملكة من ردود أفعال غير محسوبة قد تؤدي إلى غلق الحنفية النفطية السعودية وإحداث الخلخلة والاضطراب في إمدادات النفط التي ستؤثر حتماً على التنمية الاقتصادية العالمية . مرة أخرى وجد العراق نفسه مرغماً أن يلعب دوراً لم يكن مهيئاً له ويترتب عليه مخاطر كبيرة بسبب ثروته النفطية التي تحولت من نعمة ربانية إلى نقمة عليه وعلى شعبه المنكوب. فالسيطرة على حقوله النفطية تعني إخضاعه عسكرياً واحتلاله ونصب قواعد عسكرية فوق أراضيه بحجة حمايته من الاعتداءات الخارجية عليه وتكبيله باتفاقيات ومعاهدا مجحفة طويلة الأمد تسلبه إرادته وسيادته واستقلاله . فكان أن عملت الولايات المتحدة إلى جلب الإرهاب إلى أرض العراق بحجة مقارعته ودحره وتوفير ذريعة للبقاء على أرض الرافدين وغض النظر عن الفساد الذي استشرى في الجسد العراقي كالسرطان ولم يعد بالإمكان السيطرة عليه أو الحد من آفته. فكيف يمكن الحديث عن الديموقراطية في بلد متخم بالأسلحة حيث لايوجد بيت ليس فيه قطعة سلاح فهناك عصابات الجريمة المنظمة وفلول البعث المهزوم من حرس جمهوري وفدائيي صدام وعناصر المخابرات والأمن الخاص الموالية للنظام والتي ارتكبت أبشع الجرائم بحق المواطنين الأبرياء التي تملك اليوم الأموال الطائلة والأسلحة الفتاكة وهناك الجماعات السلفية التي تحمل السلاح والجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة التي تفرض نمطها الحياتي وقوانينها حتى داخل السجون الأمريكية في العراق ، والجماعات المسلحة التي تسمي نفسها بالمقاومة الشريفة والتي أضيف إليها مؤخراً أبناء العشائر والصحوات التي هي ليست سوى ميليشيات أخرى سنية تحت تسميات تمويهية وبالطبع هناك عدد كبير من الجماعات المسلحة الشيعية التي تدعمها وتمولها وتسلحها وتدربها إيران حيث تتلقى أوامرها وتعليماتها من طهران مباشرة إلى جانب ميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر وميليشيا المجلس الأعلى الإسلامي المسماة بقوات بدر وبعض المسلحين التابعين لهذا الحزب الإسلامي أو ذاك من السنة والشيعة على السواء كالحركات المهدوبة وجند السماء وغيرها وقد تقاسمت فيما بينها مناطق النفوذ وصارت ترتكب الجرائم وتفرض الأتاوات والقوانين الخاصة بها بلا حسيب ولا رقيب عدا تحسن أمني نسبي في بغداد وبعض المحافظات المسماة بالآمنة بعد نجاح الخطة الأمني التي طبقتها الحكومة منذ شهر شباط الماضي بمساعدة قوات الاحتلال الأمريكية ونجم عنها تحسن ملموس في الوضع الأمني حيث تتركز الجهود العسكرية اليوم إلى استئصال تنظيم القاعدة الإرهابي ومطاردته من معقل إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى بغية إخراجه كلياً من أرض الرافدين وتطهيرها من دنسه. ولكن هل ستتمكن الحكومة من تقليص النفوذ الإيراني المتغلغل في ثنايا السلطة والمجتمع؟ وهل ستتمكن من تحديد صلاحيات قوات الاحتلال والشركات الأمنية التي تتصرف فوق القانون وهل ستنجح الحكومة في كسب قلوب المواطنين وتوفر لهم لقمة العيش الكريمة والخدمات الضرورية من كهرباء وماء صالح للشرب وطبابة ودواء ووسائل نقل ووقود منزلي وبنزين الخ والتي يفتقدون إليها بقسوة ومرارة ؟ هذا مع عدم نسيان آلاف العائلات النازحة والمهجرة بالقوة من مدنها وبيوتها لأسباب طائفية أو عرقية وتعيش في ظروف لا إنسانية وبالغة القسوة .وأخيراً هل ستحقق الحكومة المصالحة الوطنية الحقيقية التي ستقود إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بين مختلف القوى والمكونات الأساسية للشعب العراقي حتى تبدأ حقاً وفعلياً مرحلة إعادة البناء والإعمار التي يحلم بها العراقيون كأفقر شعب في أغنى بلد في العالم؟ .