الرئيسية » مقالات » بين اليسار المغامر واليسار الوطني

بين اليسار المغامر واليسار الوطني

كثرت في الآونة الأخيرة على مواقع الإنترنيت والحوار المتمدن بالذات الدعوات المخلصة لأطراف يسارية ذات توجهات متباينة،لوحدة اليسار،أو وحدة الشيوعيين،أو وحدة القوى الديمقراطية،فكان للأستاذ رزكار عقراوي رؤيته،وللدكتور الحراك توجهاته ،وللدكتور كاظم حبيب ،والأساتذة عماد الأخرس،ومحمد علي محيي الدين وجوزيف شلال وعديد نصار وصادق أطيمش وياسين النصير وسمير عادل أرائهم،وكلها تعكس وجهات نظر مختلفة تهدف لتوحيد اليسار في الساحة العراقية بوجه خاص والعالم بوجه عام،في ظل التداعيات الخطيرة التي عصفت باليسار ،وانهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الأخرى،رغم إن لليسار مواقعه المؤثرة في أماكن أخرى من العالم،ولا زالت الأفكار اليسارية تأخذ طريقها إلى الأذهان رغم ما عانت من أخفاق وتداعيات،وأن الحتمية التاريخية التي نؤمن بها تدفعنا للأيمان المطلق بحتمية الانتصار،في ظل الاندفاع الجنوني للعولمة،الواجهة الجديدة للرأسمالية ومخلبها في الهيمنة على مقدرات العالم.
وكيساري لم يقف يوما على التل،رأيت أن أدلي برأي ربما لا يرضي اليسار بأجنحته المختلفة،لتقاطعه مع توجهاتها ورؤيتها وقراءتها للأحداث،لأنها تندفع من خلال رؤية ثابتة تعميها عن رؤيا الواقع،وتتمسك بمفاهيم لا ترى في غيرها سبيل للوصول إلى شاطئ الأمان،ناسين أو متناسين أن طبيعة الصراع الحالي تستوجب الوصول إلى اتفاقات وتوافقات بغض النظر عن الأفكار المسبقة والتوجهات البعيدة عن مستلزمات المرحلة،والخلافات الفكرية التي ليس أوانها الآن،لأن القضية في جوهرها الوجود أو عدمه،وأن المرحلة الحالية تتطلب أن يثبت اليسار وجوده بعد الزلزال الكبير الذي عصف بمرتكزاته،وتغيير موازين القوى لصالح أطراف أخرى تجد في أولوياتها إنهاء اليسار وحسر نفوذه،لمعرفتها التامة بإمكانياته على مواجهتها وإنهائها إذا استعاد عافيته ورسخ قواعده،لذلك على اليساريين جميعا العمل لبناء قواعدهم في الأوساط الشعبية،والبدء بإعادة ترتيب أوضاعهم على الأرض،قبل الصراع على ما في السماء.
أن الأنماط اليسارية المتواجدة على الساحة،لا تتعدى الأنماط التالية:
1-اليسار المعتدل:متمثلا باللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي،الذي يرى نفسه الوريث الشرعي للحزب الشيوعي العراقي،وينتهج سياسة وسطية من خلال رؤيته للواقع ومعايشته الداخل العراقي،ومعرفته لطبيعة
المرحلة وما تتطلب من سياسة تتأرجح بين اليمين والاعتدال،ويتعامل مع الواقع بموضوعية،بما يفرضه الواقع العراقي،فقد أستطاع من خلال توازنات القوى أن يجد له مكانا يستطيع من خلاله التعبير عن رؤيته رغم عدم قدرته على التغيير،بسبب قاعدته الهشة التي يرتكز إليها نتيجة الصراعات غير الطبيعية الجارية الآن،فالعراق اليوم تتناهبه القوى الطائفية- القومية،ولا وجود لتيار مؤثر غيرها،لذلك على الحزب أن يسلك طريقه المحفوف بالألغام بحذر وتأني وحكمة،مراعيا المستجدات الحاصلة في المجتمع،مع الحفاظ على ثوابته المبدئية،دون أثارة لأطراف الصراع،لأن الصراع الجاري في العراق ليس صراع سياسي يمكن أخذه وفق السياقات السياسية،بل هو صراع طائفي تتحكم به أطراف طائفية لها إمكانياتها المالية الضخمة،وقواعدها العسكرية المنظمة،والدعم إلا محدود من جهات خارجية تسهم إلى حد بعيد في إذكاء الصراع لصالحها،ولها القدرة على التحرك والتدخل القوى في الشأن العراقي،إضافة للدعم السياسي الدولي،ناهيك عن الدعم الديني الذي أصبح هو الحاسم في مجريات التغيير في العراق،في الوقت الذي لا يمتلك الشيوعيين جزء ضئيل من هذا الكل،ولا زالوا يعتمدون الآليات التقليدية في تحركهم بين الجماهير،ففي الوقت الذي تمتلك الأحزاب الدينية والقومية عشرات الفضائيات ومئات الصحف والمجلات،وعشرات المحطات الأرضية والإذاعات المتطورة،والمراكز الدينية التي تمارس نشاطها من خلالها،وسيطرتها على مقدرات السلطة،ومنظمات المجتمع المدني وقدراتها المالية الرهيبة التي تزيد على ميزانية الكثير من دول العالم،ولا يمتلك الحزب الشيوعي غير صحيفة يومية،وإذاعة لاسلكية تتعرض للتخريب بين فترة وأخرى،ولا زال يصدر البيانات والمنشورات على الطريقة البدائية،مما لا يمكنه مجاراتها في نشاطها و دونها قدرة على التأثير ورغم الفروق والإمكانيات ألا أنه تمكن من الامتداد بين الجماهير،والحصول على ثقتها بما يمتلك من ارث نضالي،وسياسته الحكيمة الهادفة لمصلحة الجماهير،وما تميز به من أمانة وإخلاص تفتقر إليها الأحزاب الحاكمة،مما دفع الأطراف السياسية الأخرى للعودة إلى نغمتها القديمة وإشاعة الأراجيف والدعايات المضللة ،ناهيك عن التصورات المسبقة للبعض ممن غابت عن أعينهم الحقائق،وفقدوا القدرة على التمييز في بحثهم عن الحقيقة،وغرقهم في بحار الفكر الغيبي الذي استطاع الهيمنة على تفكيرهم وإبعادهم عن التفكير في واقعهم لما له من تأثير على الوجدان والعاطفة،بعيدا عن أحكام العقل ،فكان تأثيره فاعلا في اندفاعها لتأييد القوى الدينية،رغم إنها لم تستطع الوفاء بالتزاماتها او إثبات صحة توجهاتها ،أو توفر له ما يحلم به من حياة حرة كريمة،ورغم ذلك لا يزال لاهثا خلفها تستطيع بما تمتلك من قدرات ،تغيير مساراته بما يخدم مصالحها،وعدم وجود القوة القادرة على مواجهتها،وسحب البساط من تحت أقدامها،لتوفرها على آليات لا يمكن للآخرين مجاراتهم فيها،ورغم حدوث تململ في الأوساط الشعبية لصالح القوى الوطنية ،إلا أن ذلك لا يشكل عاملا مؤثرا إذا لم تتوفر له آليات قادرة على مواكبة التطورات الحديثة والاستفادة من التجارب السابقة،والدخول باليات قادرة على إحداث التغيير المطلوب.
2-اليسار المتطرف: ويتمثل ببغض التيارات التي لا تشكل ثقلا ظاهرا على الأرض،أو تمتلك التأثير في الأوساط الجماهيرية،وهذه التيارات لا تزال تعيش بعقلية الماضي،وتستلهم أطروحاتها من مثل عفا عليها الزمن،وتعيش في عالم صنعته في خيالها،ولم تتمكن من الاقتراب للواقع ودراسته والعمل على تغييره،لأنها لا تزال أسيرة توجهاتها القديمة التي فقدت بريقها،ولا تمتلك حضورا في أذهان الجماهير،بحيث بدأت هذه النخب الفكرية تطرح آراء أشبه بالغريبة عن المجتمع الجديد،ولا تحاول النزول إلى مستوى الجماهير للارتقاء بها وبناء المرتكزات الأولى بين أوساطها،وتطرح أراء تجد الرفض والاستنكار لدى الآخرين،لاحتوائها على أفكار بعيدة عن الموضوعية،وكان لأراء هذا اليسار تأثيرها السلبي على المواطن،لأنها تصطدم بثوابته الاجتماعية وأعرافه التي أصبحت مسلمات لا يمكن المساس بها أو تغيرها إلا برجة كهربائية قوية تعيد الوعي وتجعل العقل مبصرا ليرى الواقع بتفكير سليم.
ويرى هذا اليسار في العملية السياسية الجارية في ظل الاحتلال كفر والحاد،دون أن يستطيع أيجاد البديل الفاعل،أو يتمكن من تغيير الواقع،متخيلا أن العودة لآليات الخمسينيات تستطيع السير بها لأفاق جديدة،غافلا عن اختلاف الظروف وتغير الموازين،وأن القوى المهيمنة على الساحة العراقية تمتلك تأثيرا كبيرا ليس من السهل الاستهانة به،أو إنكاره،وأن محاولة التغيير لا يمكن أن تتم الا بالآليات الديمقراطية التي يمكن أن تسهم في التغيير النسبي الذي يمكن تطويره في المستقبل،ليكون له التأثير الفاعل في بناء الدولة،وأن التوافقات والاتفاقات مع الأطراف الأخرى التي تنحوا منحى وطنيا مهمة ملحة،لأن الانفراد والسلبية يؤدي إلى الانعزال والتقوقع والبعد الكامل عن أحداث أي تغيير،وأن السعي الموحد لقوى متوافقة يستطيع السير بالبلاد إلى شاطئ الأمان.
3-اليسار المغامر:والنمط الثالث من أنماط اليسار،هو اليسار المغامر الذي بنا قناعاته على أرض هشة لا تستند لواقع سليم،فقد أندفع بغباء خلف التيارات السلفية المتطرفة التي لا يمكن في يوم من الأيام أن تلتقي معه على صعيد واحد حتى في الأحلام،وإنها تستعمل تكتيكات لتحقيق إغراضها التي ترمي به مستقبلا إلى الهاوية،وانغمر في تأييدها دون أن يكون له الوجود الحقيقي في أوساطها،معتقدا انه من خلالها يستطيع الوصول إلى أحلامه،متناسيا أن هذه القوى في طلائع الساعين لإنهائه والقضاء عليه،وأنها لا تجد لها مكانا في الأوساط الشعبية لارتكابها جرائم بشعة بحق الأبرياء،وأن قدراتها على التخريب والهدم تقف ورائها أطراف خارجية بعيدة عن المصلحة الوطنية والهم الوطني،وأنها مخلب من مخالب الإمبريالية العالمية التي يدعي النضال ضدها،وأن من يسير خلف القاعدة،ويعمل لإنجاح توجهاتها لا يمكن له في يوم من الأيام أن يكون في الصف الوطني الشريف،فيما تعمل أطراف أخرى تحت المظلة البعثية الصدامية الدوري،وترى في عزة الدوري قائدها لبناء العراق وخلاصه من الاحتلال ناسين أو متناسين أن البعث بتصرفاته الخاطئة كان وراء الاحتلال العراقي وأن تعنته الأجوف وراء المآسي التي أحاقت بالعراقيين،وأن الأفكار البعثية لا يمكن أن تجد قبولا بين الجماهير،وهي وراء عمليات القتل والتفخيخ التي طالت أبناء الشعب الأبرياء،وخلف عمليات التدمير المنظم للبنى التحتية العراقية والتجارب السابقة مع البعث لا تشجع أي طرف وطني شريف أو يساري مخلص ليساريته،أن يكون مخلب قط لتحقيق مصالح وأجندات هذه الأطراف،والتصريحات اليسارية المغامرة لو وضعت تحت المجهر لظهر بين طياتها الفكر البعثي الفاشي ألصدامي المقيت،والنفس القاعدي المريب،والأصابع الاستعمارية البغيضة،لذلك لا يمكن لمثل هؤلاء أن يكونوا في يوم ما في صفوف اليساريين والماركسيين،ومكانهم الحقيقي في أقصى اليمين الملوث،وفي المقدمة من السهام الامبريالية الموجهة لصدور الشرفاء.
ولا أدري كيف ينعى هذا اليسار على القيادة الشيوعية المشاركة في العملية السياسية عملها في ظل الاحتلال،في الوقت الذي يكون في المقدمة من الساعين لإبقاء الاحتلال وإدامة وجوده،لمشاركته في الأعمال الإرهابية التي أصبحت المبرر الوحيد لبقاء القوات الأجنبية في العراق،وامتداد نفوذها في المجتمع العراقي.
أن الواقع الموضوعي يدعوا هذه الأطراف أن كانت يسارية حقا،العودة لرشدها والتراجع عن توجهاتها الخاطئة والعودة للصف الوطني،بالدخول تحت الخيمة الكبيرة التي تجمع الوطنيين الشرفاء،والتخلي عن الاندفاعات اليسارية الطفولية المغامرة،والعمل لبناء الوطن الحر والشعب السعيد،وفي حالة إصرار هذه الجهات على قناعتها التي نحترمها منتهى الاحترام عليها التخلي عن توجيه الاتهامات إلى الأطراف المختلفة معها وتوجيه إمكانياتها لمحاربة العدو الرئيسي الاحتلال،والقوى الطائفية السائرة في فلكه،وأن لا تكون أداة للتخريب والهدم وإشاعة الأراجيف ضد الأطراف اليسارية الأخرى،وترك الأمور للأيام لتثبت اليساري الحقيقي من اليساري المزيف دون الدخول في حرب غير مبررة مع الأطراف اليسارية الأخرى وجرها لخلافات جانبية تؤثر على جميع الأطراف،وأن الساحة العراقية تستوعب إلى جانب الشيوعيين المؤمنين بالعملية السياسية،الأطراف الأخرى التي تتبنى الكفاح المسلح ولهم أن يجربوا حظهم في القيام بعمليات حربية داخل العراق،واستقطاب جماهيرهم الغفيرة التي تحمل السلاح أيمانا بمبادئهم،فليس الشيوعيين المشاركين في العملية من قادة الشرطة أو المخابرات وإنما رجال يحاولون عن طريق النضال السلمي تحقيق الأهداف التي يؤمنون بها،ولكل فيما يشتهي مذهبه ،والماء يكذب الغطاس.