الرئيسية » بيستون » نداء على نداء

نداء على نداء

أعلن منذ أكثر من شهر موقع صوت العراق على الأنترنيت نداء خاص بحقوق الكرد الفيليية، لم يثر إستغرابنا بقدر ما أثار شجوننا لما يحمله من دلالة صارخة لعملية إهمال قضية شريحة إجتماعية قد تتجاوز المليون ولها تأثير إجتماعي وإقتصادي وسياسي وثقافي في البلاد، تتحمله الأنظمة المتعاقبة والقوى السياسية من دون إستثناء، كما يتحملها اصحاب الحق ومناصريهم من الكتّاب مختصين في مجال القانون أو غيره من المجالات.
نحن نزعم، بأن هذه الشريحة الإجتماعية في عراقنا كان عليها واجبات وليس لها حقوق، والدلائل كثيرة، وعلى ما يبدو هذا الحال مستمر حتى الآن.
إن مسؤولية الأنظمة والأحزاب تكمن في عدم معالجة هذه القضية بشكل جذري في برانامجها قبل مشاركتها في الحكومات المتعاقبة وخلال مشاركتها أيضاً منذ قيام الحكم الملكي 1921 حتى يومنا هذا، لا بل نزعم إن هذه القضية بالذات ومنذ عام 1980 كانت مادة للبيانات والمناسبات والتصريحات والندوات، أما مسؤولية إصحاب الحق فإنها تكمن في حصر القضية في حدود المظلومية، وفي هذا الإتجاه ساهم الكثير من الكتّاب عبر الحديث عن الكرد الفيليية ومكانتهم الإجتماعية وجعل قضيتهم قضية عاطفية من خلال التركيز على الكشف عنها من دون تحديد أسبابها الحقيقية، حيث ذهب الكثير من الكتّاب إلى القول بالدوافع الطائفية أو تحميل قانون رقم 42 لسنة 1924 إنه هو الذي قسم العراقيين و … و… ، في حين نحن نجزم بأن الذين ذهبوا إلى هذا الإتجاه لم يطلعوا على النص الحقيقي للقانون قبل حصول التعديل الأول عليه عام 1933، ناهيك عن سيادة المعالجة البكائية لهذه القضية السيادية ذات الطابع الجوهري وتقع في الصميم من سيادة العراق. فلا يجوز بكل الأحوال جعل هذه القضية بحدود القول ( خطيّة هجروهم، خطيّة صادروا أموالهم، خطيّة … خطيّة …. ).
إن قضية الكرد الفيلية تبدأ وتنتهي بموضوع المواطنة وحقوق المواطنة، أي بموضوع الأداة التي بواسطتها يتم التمييز بين المواطن وغير المواطن، ألا وهي الجنسية، بإعتبارها الأداة التي في ضوءها تتحدد الحقوق والواجبات في أي بلد كان .
فالجنسية كموضوع، بما في ذلك الجنسية العراقية، هي في صميم السيادة الوطنية، على إعتبار أن أسس تنظيم الجنسية كما يؤكد فقه القانون عبارة عن عمل سيادي وليس مزاجي، فالدولة بأركانها الثلاث ( الشعب / المواطنين / السكان ) و ( السلطة / الحكومة / الإدارة ) و ( الأرض / الإقليم )، لها سيادة مصدرها الشعب، وهذا الشعب يفوّض السيادة إلى السلطة كي تمارس الأعمال السيادية بإسمه بما في ذلك التشريعات القانونية، ومن هنا لا يجوز التجاوز على حقوق الشعب وإلا أصبحنا أمام سلطة مستبدة ولا علاقة لها بحقوق ومصالح الشعب الذي أعطاها التفويض أو قبل فبإدراتها للبلاد بمختلف الوسائل ولمختلف الأسباب، ومن منطلق المفهوم السيادي للجنسية، فمن البديهي فإن مشكلة الكرد الفيلية وقانون الجنسية هي مشكلة سيادية، ومن هنا تبدأ مسؤولية الحريصين على سيادة العراق أن يعالجوا هذه القضية وغيرها من القضايا السيادية من دون التشدق بالحرص والمشاكل تتراكم وخصوصاً هذه المشكلة غدت ( مشكلة مزمنة ) .
فالجنسية العراقية الأولى التي نظمها قانون رقم 42 لسنة 1924 قامت بالأساس على حالة تبدل السيادة من العثمانية إلى العراقية، وهذا التبدل لا يعني فقط تبدل سلطة بسلطة في حدود إقليم معين، إنما هناك شعب ومواطنين على تلك ( الأرض / الإقليم ) لا يجوز إنكار وجودهم التاريخي في الأراضي التي أصبحت خاضعة لدولة العراق بعد تقسيم أراضي الدولة العثمانية، كما لا يمكن إنكار مشاركتهم الفاعلة في الحياة العامة، فهذا الإنكار هو إنكار لحق سيادي وفي ذات الوقت يشكل ممارسة خطيرة أزاء المسؤولية الوطنية ويتنافى مع الإعتبارات الإنسانية، والكرد الفيليية سكان منطقة جغرافية محددة كانت خاضعة لبلاد فارس وللدولة العثمانية والتي حدودها قد رسمت منذ 1555 بين الدولتين آنذاك، وكذلك بإتفاقية أرضروم الأولى والثانية، وتعرضت هذه الحدود للتغيير أكثر من مرة أخرها عام 1975 بإتفاقية الجزائر الموقعة بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين، الأمر الذي يؤكد حقيقة كون الحدود هي سياسية وليست طبيعة، وهي متحركة والسكان ثابتون في قراهم ومدنهم، وهذا ما حصل للكرد الفيليية، حيث قسمهم الخط الحدود بين إيران والعراق، وهذا التقسيم هو تقسيم للمواطنة، وليس للقومية، لأن الإيرانية ليست قومية وكذلك العراقية، فكلا البلدين فيهما تعدد قومي قديم وليس طارئ أو حديث، ولابد من التمييز بين المواطنة والقومية، فالمشكلة بدأت سيادية ولازالت سيادية، وهذا يعني إنها في صلب أزمة الحكم التاريخية وستبقى هذه المشكلة مستمر بإستمرار أزمة الحكم والتي ينبثق منها أزمة السيادة التي لا يختلف عاقلان حول فقدانها عراقياً حتى هذا اليوم على الأقل .
علماً، نحن أكدنا الطابع الوطني لهذه المشكلة فمنذ أكثر من عشر سنوات، وفي أكثر من بحث ومقال وتعقيب ومحاضرة، منها بحثنا الموسوم ( الجنسية العراقية مشكلة مزمنة معالجة مممكنة )، وقد أفصحنا عن علاقة حل قضية الكرد الفيليية بمعالجة أزمة الحكم في العراق على إعتبارها قضية وطنية وليس كما دفع البعض بكونها دولية، أو ممن أستغل الوجع العراقي بشكل عام ووجع هذه الشريحة الإجتماعية بشكل خاص، بدفع قضيتها بإتجاه العواطف عبر الحديث عن المظلومية في المناسبات وإطلاق المناشدات … كما كررنا ذات الموقف في محاضرة لنا نظمتها جمعية الأكراد الفيليية في إستوكهولم، بعنوان ( الأكراد الفيليية وقانون الجنسية العراقية ) وذلك مساء 15 / 9 / 2001 وعلى قاعة Folk Huset في منطقة رنكبي، وللأسف لم نحصل على تسجيل المحاضرة حتى هذا اليوم رغم وعد العزيز مالك حسن لنا في ذلك الحين، وقلنا في حينها إن ( حقوقكم مضمونة عندما يتحقق البديل الديمقراطي، ولنتحصلوا على حق من هيئة الأمم أو اي طرف اخرن كل ذلك هو عمل أخلاقي وقضيتكم قانونية وليس أخلاقية فقط … كما أشرنا إلى ( … إن مشكلة الكرد الفيليين لا تكمن في عملية التهجير رغم بشاعتها من الناحية الإنسانية، وعدم وجود سند قانوني لها على إعتبارها إجراء سياسي، إنما مشكلتهم تكمن في إعتبارهم أجانب إكتسبوا الجنسية العراقية من قبل ما يسمى مجلس قيادة الثورة في قراره المرقم 666 … )، وبعد عملية التغيير، وفي عام 2005 إلتقينا وزيرة الهجرة و المهجرين السيدة سهلية عبد جعفر، وكان جزء من الحوار حول موضوع الجنسية وقضية الكرد الفيليية، وقد وعدت بأن تنظم لقاء في الجمعية الوطنية كي نضع امامهم هذه المعلومات والمعالجة ولكن وعدها وأده الروتين العاملين في الإدارة …
إننا نذكر هذه الحالات غايتنا التذكير بأهمية الوسائل المجدية لمعالجة هذه المشكلة، وضرورة تكييفها بشكل موضوعي، وتنبيه أصحاب الحق للتعامل مع حقهم على أسس قانونية ملموسة، ونأمل من المخلصين التعامل مع هذه المشكلة بمنطلقات وطنية، فهذا هو ندائنا على ندائكم، ولنا ثقة كاملة بأن قضية الكرد الفيليية ستجد لها حل جذري على يد من يفقه معنى السيادة الوطنية بإعتبارها جوهر الكرامة الإنسانية، أخير، نشد على أياديكم ونحن معكم والنصر لشعبنا العراقي بكل قومياته وأديانه وإتجاهاته السياسية.
6 / 2 / 2008