الرئيسية » مقالات » الشهيدة فوزية محمد هادي (( أم سعد )) عروسة الفرات

الشهيدة فوزية محمد هادي (( أم سعد )) عروسة الفرات

نحيلة كمدينتها ، وصلبة لاتنكسر ولا ترضخ للظلم ، وهي تراقب حركة الناس ومحنة الفقراء ، فوزية محمد هادي من بين العديد من فتيات الديوانية المندفعات في العمل السياسي الوطني ، والمتعاطفات مع موقف الحزب الشيوعي الذي اكتسح المدينة بأفكاره الوطنية وانتصاره للفقراء ، وكانت كتلة من النشاط والاندفاع والأيمان بانتصار الشعب وقضايا الكادحين الذين شغلوا هواجسها ، ومع أنها من عائلة فقيرة ، فقد نالت لقبها من مهنة أبيها بائع السمك ( فوزية بنت السماك ) ، كانت قد وظفت كل ما تملك من اجل قضية تؤمن بها أيمانا عميقا وصادقا ، ولذا لم تكترث لأن تواصل تعليمها العالي .

وشبت على معارضة السلطات تريد أن تحقق أحلامها وأحلام الفقراء والمحرومين في وطن يجوع أهله وهم ينامون على الثروات ، ويحتاج أهله ويعوزون وهم أغنى أغنياء الأرض ، كانت تفكر بكل هذا وتريد أن تجد عالما لايجوع فيه الناس ، وبلدا لا يعتقل فيه أصحاب الرأي المخالف ، تريد أن تحقق أحلامها في وطن يتسع للجميع ويضمن للإنسان كرامته وإنسانيته وحقه في الحياة ، وان يكون متحررا من كل قيود الظلم والظلام والعبودية ، كانت تحلم أن تجد الفقراء يشبعون من الخبز وينامون يومهم وهم يحلمون بغد تكون الشمس ساطعة تشيع دفئها في أرواحهم ، فالتزمت فكريا وسياسيا ونشطت في العمل العلني والعمل السري مع الحزب الشيوعي العراقي ، ونتيجة لهذا الالتزام ومواجهة السلطات ومعارضتها بالكلمة والفكر ، تحملت ما تمارسه السلطات القمعية والدكتاتورية من أبشع أساليب القمع والملاحقة والاعتقال ، وتعرضت لأبشع أنواع الاضطهاد والتعذيب والتنكيل ، إلا أنها بقيت شامخة لاتركع ولا تستكين .

وعرفناها نحيلة وطويلة تحث الخطى لعبور الأزقة وهي تلتحف بعبائتها الفراتية في زيارة لفتاة أو حضور اجتماع ، أو زيارة أشراف لخلية حزبية، مخلصة لتلك المباديء حيث نذرت روحها ، فكانت مثالا للشرف والالتزام .

وفي فترة اشتداد الهجمة التي قررتها السلطة البعثية في أول أيام انقلاب تموز 68 ، تزوجت فوزية من مناضل لايقل عنها إصرارا وتمسكا بالمبادئ ،مثالا في الخلق والتواضع والالتزام ، ذلك هو القيادي في الحزب الشيوعي ناصر حسين ، وتفرغ الزوجان للعمل السياسي ، بل نذرا روحيهما له سوية ، حيث كان احدهما يشحذ همة الآخر ، وولدت فوزية طفلا أطلقا عليه اسم سعد ، وبذلك صار اسمها الجديد ام سعد ، تركت وليدها لدى أمها بحكم ظروف عملها السياسي وتفرغها له ، وحين لاحقتها عناصر الأمن تم اعتقال وليدها الصغير للضغط عليها ، ولم ترضخ وبالنتيجة أصبح الطفل معوقا .

منحت الشهيدة فوزية حياتها للحزب الذي تؤمن بأفكاره ، ولذا فأنها لم تتوان من توظيف كل وقتها ومستقبلها من أجل العمل في تنظيمات هذا الحزب ، وعرفتها قواعد الحزب مثلما عرفها الناس بإصرارها وتمسكها بتلك المبادئ والأهداف .

وبعد أن اختفت فترة طويلة لم تسمع عنها المدينة خبرا أو تعرف لها مصيرا ، القليل منا تأكد أن هذا الاختفاء وراءه نهاية هذه المرأة الشجاعة ، فهي ليست من النوع القابل للانكسار أو الانزياح ، وهي من النوع الذي يغيظ الأعداء ، ويدرك أعداؤها تأثيرها ومكانتها ، ولذا فأن نهايتها معروفة في ذلك الزمن المرير .

كانت مصادفة أن تعرض إحدى قنوات التلفزيون العربية بعد أيام من سقوط سلطة الطاغية صدام ، صورا لعدد من الذين يبحثون عن جثث أهاليهم في مقابر متعددة ، وسط قبور وبقايا جثث وعظام وعلامات رقمية ، وظهرت صورة أبو سعد ( ناصر حسين ) ، بعد ان هده الشيب وبدأت ملامح الكبر تغزو وجهه الطيب ، وهو يتحدث عن رفيقته وزوجته الشهيدة فوزية أم سعد ، والتي عثر على رفاتها في مقبرة قريبة من سجن ابو غريب ، مع يافطة كتب عليها الرقم ( 151 ) .

وكان يتحدث بإصرار وبثقة وتباهي من أن زوجته تم إعدامها وهو يشير إلى قبرها من أن سبب إعدامها لكونها ( شيوعية ) .

عملت الشهيدة فوزية محمد هادي عباس (ام سعد) عضوه في لجنة منطقة الفرات الأوسط للحزب الشيوعي العراقي ، كما عملت مهنيا كعضوه في اللجنة العليا لرابطة المرأة العراقية ، وبنتيجة القبض عليها استشهدت في سجن أبي غريب الساعة الخامسة عصر يوم 8/10/1986 بالإعدام شنقا حتى الموت. وقد سلمت الشهادة الى العائلة في العام 1987 من قبل إدارة المستشفى الملحق بالسجن.

شهادة وفاتها الأصلية كانت محفوظة لدى مقبرة الكرخ الإسلامية في خان ضاري تم استلامها بعد سقوط النظام والعثور على المقبرة الجماعية السرية لأمن صدام التي تشكل جزءاً معزولاً من المقبرة المذكورة.

الرقم 151 هو الدليل المرشد الى القبر في المقبرة حيث لا يوجد هناك غير شاخص مدون عليه نفس الرقم، كانت ترقد بين الشهيدة رسمية جبر الوزني التي أعدمت معها والتي يحمل شاخصها الرقم 152 والشهيد حسين محمود عوض ذو الرقم 150 وبالقرب منهم كان يرقد الشهيد طالب السيد كاظم الياسري زوج المناضلة المعروفة بهية محمود عوض.

وبعد كل هذا العطاء والبذل يعود ناصر حسين زوج فوزية بنت السماك للعطاء والعمل ، مندفعا ليس باعتقاده وإصراره السابق ، وإنما بشكل مضاعف حاملا أمانة ما وضعته فوزية والناس في ضميره حينما اقترنت به ، تلك ملامح عامة لفتاة من بنات فقراء الديوانية ، وتلك ملامح الإصرار على المبادئ لايمكن أن يتم تجاهله ، وليس للمدينة الا أن تفتخر بأمراءة مثل فوزية محمد هادي عروس الفرات ، تركت اسمها في تاريخ الحزب وفي تاريخ المدينة الطيبة .