الرئيسية » مقالات » ثقافة القطيع …. وعقدة الغريب

ثقافة القطيع …. وعقدة الغريب

الانسان القديم وعقدة الظل

ان المتتبع لاحوال العرب عامة والمسلمين خاصة لا يخفى عليه تحسسهم من كل ما هو غريب بنظرهم , فأنهم دائما يتوجسون خيفة من كل شئ لا يعرفون حقيقته صالحا كان ام طالحا وينظرون لكل شئ يجهلوه على انه مصدر خوف يريد بهم سوءا ً مثلهم مثل الانسان الحجري الذي يرتاب من خياله ويحسبه عدو غاشم يريد بهم السوء والاذى ومادامه يتحرك مع حركة الجسم نلاحظ ان هذا الانسان المتخلف يتحرك هو ايضا بهيستريا وما درى هذا بان ظله يتحرك بحركته الموتورة .
لا والادهى من ذاك ان هذا الانسان القديم يحاول ان ينحت على الجدران ما يعجز عنه في الواقع مثل قهره لاعداءه ولكي يريح ويقنع نفسه المريضة بانه اقوى من عدوه ! وامثلتنا كثيرة بهذا الصدد (( الموت للامبريالية الموت للصهيونية والخ الخ )) وكاننا بذلك قهرناهم ودحرناهم.
وبالطبع هذه الحالة ملازمة لنا ولحتى من أخذ قسطا ً كبيرا ً في التعليم الاكاديمي … فالعرب معروف عنهم بانهم سيئوا الظن باي شئ وكل شئ يجهلوه حتى ان لهم امثالا وحكما بهذا الشئ الكثير من سوء الظن (( سوء الظن من حسن الفطن !!!)).
ومرد هذه العقدة هي روحهم الانعزالية المتمردة وعدم تحملهم للمسؤولية فهم يستحضرون سوء النية من الاخرين الغرباء بالحدس الكاذب فقط وبدون رؤيا حقيقية وهذا التفكير السلبي ينبع من بواطنهم التي تضمر الشر للأخرين فهذه الثقافة التي تربوا عليها ثقافة العشيرة والاب والاخ وابن العم, تجعلهم ينظرون لغير هؤلاء بانهم غرباء و اعداء وان لم يبادروا بالعداوة .. لانهم دائما يعتقدون بوجود عدو دائم مخفي وليس واضح المعالم (( وهو طبعا في خيالهم المريض فقط )) . فثقافتهم مبنية على الهجمات الاحترازية ضد ما يعتبرونهم غرباء من الذين خارج نطاق مجاميعهم القطيعية .
وحقيقة الامر ان ثقافة العشيرة او القبيلة هي أفة هذه العقل المتحضر إذ انها تمنع الأختلاط والتلاقح خارج هذه المنظومة فكريا واجتماعيا وحتى عقائديا , ومن يخالف قانون القبيلة هو خائن مارق ويستحق في بعض الاحيان القتل ! لانهم لا يستوعبون فكرة الخروج عن الجماعة وكانهم عبارة عن مجتمعات قطيعية حيوانية والتي تلزم بعدم خروج الفرد منها..وتقوم نخب هؤلاء بالتنظير الزائف فمثلا يروجون دائما بطريقة او باخرى :
ان الذي يخرج من القطيع ستحدق به الاخطار ويستوعدونه بهوائل الامور لانه براييهم معطل العقل وواجبه المسير وراء قائد القطيع ذو القرون الكبيرة , فهذه المنظومة برؤيتهم الضيقة هي مصدر قوة لهم وحتى لو كان طريق هذا القطيع هو السقوط من الشواهق .. وهذه الثقافة تنطبق على من يطالبون بالوحدة المصيرية المشتركة !! وتناسوا بان كل شعب له ثقافته وحضارته واحيانا حتى لغة غير لغتهم وما اقصده بدعاة الوحدة هم القوميين العرب من اللذين يقدسون ثقافة القطيع .

الفرد للجميع والجميع للفرد

للأسف اصحاب هذه الثقافة والمروجين لها ينطلقون من مبدا عدم الثقة بالفرد وفاعليته في المجتمع لانه بمنظورهم ضعيف متهالك وينظرون له بانه عديم الفائدة ولا يمتلك القوة الا بالجماعة (( القطيع )) قبلية كانت ام فئوية .
ومن هذا المبدا ترسخ مبدا عدم الثقة بالنفس لدى الافراد في مجتمعاتنا لانها انصدمت بواقع ملح وهو خروج الفرد خارج مجتمعه (( قطيعه )) اما بالسفر لغرض العمل أو بالخدمة العسكرية الالزامية اولاي اسباب طارئة وحينها سيجد الفرد القطيعي نفسه وحيدا ً خاملا يا ئسا ويشعر بان لا امل بخلاصه وربما تراه يقضي لياليه بالبكاء وحيدا فهو يريد الرجوع لقطيعه ومهما كانت النتائج .. فهو لا يسمح لنفسه ان يختلط في محيطه الجديد لانه وببساطة يعتبرهم اعداءه وهم يضمرون له الشر! ويبقى هذا الحقد على الغريب ( الاخر) يكبر ويترعرع في عقول هؤلاء الافراد ممن ينتمون لثقافة القطيع .
نعم هذه حقيقة ويجب ان نقر بها اذا كنا من المنصفين لان نكرانها لا يغير من الواقع شيئا وحينها سنكون مثل النعام .

رواسب عقد الطفولة ..

وما رفض الطفل في سنته الدراسية الاولى الا دليل وترسيخ لقولي .. فترى هذا الطفل ينعزل في ساحة المدرسة ويعتبر كل الاطفال الذين من حوله لا يهضموه وهو بدوره كذلك لا يبادلهم الاستلطاف وبالتالي ستتكون عقدة لدى اغلب الاطفال تنزع الثقة من انفسهم في هذه المرحلة تحديدا لان عائلته لم تشجعه على الاختلاط مع الاخرين لابل تراهم يحجبوه عن الخارج فهو كذلك بالنسبه لهم شر , ولم يحاولوا ان يعطوه جرعات العالم الخارجي تدريجيا لا نهم ادخلوا مفهوم في عقله وهو ن أي شئ خارج محيطه العائلي هو خطر محدق به لا محاله , فتلك بحق هي النكبة الكبرى .. اذ ان هذا الطفل يحاول بشتى الوسائل ان يهرب من مجتمع الاختلاط (( المدرسة )) ويرجع للبيت حيث الامان الذي افتقده مؤقتا حسب مفهومه… وكثيرا ما نرى ان اطفالنا يرفضون الذهاب الى المدارس ويمقتون هذا النظام الجديد !
واسؤالي : هل ياترى هو شعور غريزي لكل الاطفال في باقي الدول أم اننافقط من احتكر هذا الامتياز وباجتهاد ؟!
والحق أقول هي ليست غريزة بقدر ماهي ثقافة تربينا عليها وربينا بها اطفالنا .

((الشين الي تعرفه احسن من الزين الي متعرفه))

هذا المثل الشعبي دليلا وتاكيدا لهذه المفاهيم البالية , فتراه يتغير تغييرا طفيفا ً في كل الدول العربية ولكنه في النهاية يحمل نفس المعنى والمبدأ وماهو الا اثباتا على ان ثقافة القطيع هي موروث قديم وحافظنا عليه بامانة وهذا الموروث يرفض اي شئ جديد فكل حديث بالنسبه لهم ما هو الا شر مطبق فيجب ان نبتعد عنه قدر الامكان (!) .

فهل حاولنا ان نتقبل الاخر والحديث على انه خير وليس شر, او ان نغير طريقنا الذي جربناه كثيرا وأثبت فشله وبانه ذو نهاية مغلقة ؟؟!!
فلنحاول فربما سنجد في الطريق الاخر طريقا مفتوحا وفيه الخير لنا كافراد وكمجتمعات , وان نترك كل ماهو قديم وناخذ بالحداثة لاننا أذا بقينا على هذا الحال سوف نبقى في القطيع وسنموت فيه, فالمعروف عن المجتمعات الجماعية انها ترسخ لمبدا الاتكالية والخمول والعجز البدني , فيفترض بنا وباجيالنا ان نكون على المحك لكي نختبر قوانا وخبايانا الابداعية التي اصابها الضمور بسبب هذا الخمول والاتكال .

دعوة للجميع

وهذه دعوة بان لا ننظر للغريب على انه عدو بل لنعتبره اخر نتشارك معه بالفائدة المتبادلة ولتكون المنفعة هي قياسنا للاخر ونترك الاخلاقيات في التعامل لانها مسالة نسبية كل فرد يراها من منظوره .
وان لا نعتبر ما نجهله هو شر مطلق فلكل فرد سلبياته وايضا ايجابياته ومثلما نتقبل الايجابيات علينا بنفس الوقت التجاوز على السلبيات فليس من الحكمة رفض شخص لانه لديه سيئة ! فلنترك هذه السيئة ونتعامل معه بحدود حسناته وهذه هي الحياة أخذ وعطاء .
فنحن نتهم الغرب ( الغريب عنا ) بانه سلبنا ثرواتنا ومالنا وبترولنا ولم نفكر يوما كم اخذنا نحن منه وما هو حجم عطاؤه لنا في التطور وسبل الحياة الميسرة ولكننا للأسف نكرنا هذه الحقيقة ورحنا نندب ونلطم الصدور لانه سرقنا واستولى على خيرنا , وتوقفنا بالزمن عند هذه المسالة واصبحت هي معيار تعاملنا مع الغرب … واحاول ان اتسائل واقول :
لو لم يكن الغرب هل كنا نعرف ماهو البترول وهل ستصبح له قيمة وقتها ؟!! وهل كنا سنعرف ماهي الطائرة التي تعبر بنا الاف الاميال وبسويعات قليلة ؟ وهل تحولت صحراءنا الى ربوع خضراء ؟
وهل استطعنا ان نتبادل افكارنا عبر الاثير ؟

فمتى ندرك بان الاخذ والعطاء هي سنة الحياة , اذ لا اتصور ان هناك غالبا ومغلوبا لاننا شركاء ……. واللذي كنا نعتبره بالامس غريب ليكن اليوم صديق ومالضير في ذلك ؟ نعم هذا افضل من نظرتنا الحاقدة للغريب لانه بالتالي سنكون نحن الخاسرين وليس هو .
وختاما : لنحاول ان نهجر القطيع ولنترك المسير خلف قائده ذو القرون الكبيرة فهو لم ياخذنا الا للمهالك وللطرق الوعرة المقفرة …. فماذا انتم قائلون ؟؟؟


مهند الحسيني