الرئيسية » مقالات » سبب نكسة الليبراليين في العراق (1)

سبب نكسة الليبراليين في العراق (1)

تعريف الليبرالية

في البداية أود ان اعرف الليبرالية إذ ان البعض يخلط بينها وبين الافكار الالحادية التي طفت على سطح الواجهات السياسية في الاربعينات وخمسينيات القرن المنصرم والتي تؤمن بالالحاد كاحد ركائز عقيدتها الفكرية وقتذاك .
فحقيقة الفكر الليبرالي ماهو الى التوجه الحر في الافكار السياسية والاقتصادية وحتى العقائدية أي بمعنى اخر ان هذاالفكر يعنى بشكل خاص بحقوق الفرد فهو الذي يحدد له حقوقه وواجباته وبالتالي ينعكس على المجتمع ككل, لانه ينظم حياة الفرد وطبيعة سلوكه مما يكفل بالنهاية خلق مجتمع حر تسوده الرفاهية الفكرية والاقتصادية …. ولكي نطبق مفهوم التوجه الحر نحتاج الى اسس قوية ومتينة ومنها :


– دولة قوية )هذا يقع على عاتق الحكومة (

– وعي جماهيري ) وهذه هي مهمة منظمات المجتمع المدني الفاعلة)

– قضاء سليم ومستقل

– أقتصاد متوازن


فهذه كلها عوامل تهيئ مجتمعة لأرضية خصبة ينمو فيها مفهوم الليبرالية في وعي الجماهير وجعلها مفهوما فكريا اجتماعيا مقبولا لانها قبل ان تكون افكار يجب ان تعتمد كثقافة لهؤلاء الجماهير يسيرون بها بقناعاتهم لا كفرضها عليهم كايدلوجيا مقيتة .. اي انها يجب ان لا تمس الدين ولا تحاول ان تنسف المبادئ الاساسية للقيم الاخلاقية المتعارف عليها , ولكن في نفس الوقت تكفل الحرية – والتي هي تنتهي بالتجاوز على حريات الاخرين < وللمواطن الحق في ان يعبر عن ما يقتنع به وطبعا هذا كله يعتمد على العقد الاجتماعي والذي يعرف كل فرد ماله وما عليه من الحقوق والواجبات , وما اقصده بالعقد هو الدستور المدني .


رواسب عدم تقبل الحداثة الفكرية

سبب حساسية مجتمعنا العراقي على وجه التحديد من مفهوم الحداثة هو ان الفهم السائد في اغلب مجتمعاتنا هو فهم خاطئ لهذه الحداثة المتمثلة بالليبرالية وقد بدا هذا الانفصام ” اذا صح لي التعبير ” في منتصف القرن الماضي وتحديدا بين اغلبية المجتمع المحافظ من اقطاعيين رجعيين واسلاميين راديكاليين من جهة وبين الاحزاب اليسارية التي تدعو للحداثة والى المدنية من جهة اخرى.

وللامانة اقولها ان الشيوعيين قد تطرفوا في اعلان افكارهم الحديثة وتبنوا أفكارا معلبة لم تلاقي هوى او ارضية في مجتمعنا العراقي المحافظ , والانكى من ذلك انهم ” دعاة الحداثة المعلبة” لم يداروا افكارهم الألحادية المستفزة لهذا الشارع بل راحوا يروجون لها كركائز اساسية لادبياتهم وفي مجتمع عرف بتيدنه وايمانه المطلق ” وهذا بالطبع لا ينطبق فقط على المسلمين “.


وكرد فعل طبيعي انتجت هذه الافكار الماركسية اللينينية ردة فعل كبيرة ضد مفهوم هذه الحداثة الناشئة الهشة من قبل جماهير العراقيين لا بل انقلب كرها لا يوازيه كرها لدعاة هذا المنهج ولكل من يروج لهذه الحداثة الفكرية حتى أصبح بدل النهضة الفكرية نكوصا علميا , وآثار هذا النكوص نشاهده الان بشكل فاعل في محيطنا العراقي والمتمثله في الصبغة الدينية الموجودة لدى اغلب شرائح المجتمع .

وفي خضم كل هذه التجاذبات بين الفريقين نجد ان التيارات القومية لم تفوت الفرصة على نفسها وجعلته يصب لمصلحتها ” مع ان الكثير من هذه التيارات تؤمن بالعلمنة والاشتراكية كمنهج لها ” وقد عمدت هذه القوى الى الركون للمبدا الانتهازي الى صعود نجم هذه الاحزاب القومية بعد ان داهنت الجماهير مرة بأسم الدين ومرة اخرى باسم الأقطاعية العشائرية , والتي كانت أفكار الحداثة تدعو لاسقاط هذاالمفهوم القبلي والعشائري وترسيخ مفهوم المواطنة المجردة من الانتماءات باشكالها الدينية والطائفية والعرقية .

وكما لا يخفى علينا ” شهر العسل ” الذي تم عقد قرانه بين القوى الدينية الراديكالية المحافظة والقوميين وما فتوى محسن الحكيم ضد الفكر الشيوعي على انه كفرا والحاد ” حتى ان صوره علقت في المناطق التي تمتاز بطابع قومي(!) ” الا ترسيخ لما ذهبت اليه واعتقد غير ظالما ان اليساريين هم من يتحملون نكسة الفكر الحر لانهم لم يعرفوا كيف يتعاملوا مع أغلبية الجماهير بترويجهم الدائم واحيانا المقيت للافكار المستوردة من مو سكو وبعض عواصم العالم الاشتراكي التي ادت بالتالي الى سهولة اطلاق صفة العمالة لكل من يطالب بالتحديث الفكري في المجتمع وان لم يكن اشتراكيا الهوى أو معتدل التوجه .

ولانهم للأسف لم يتعاملوا بواقعية في ايصال هذه الافكار بصورة سليمة وتمسكوا بقشور مفهومهم وتركوا الشئ المهم والاهم الا وهو تحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق المبادئ الانسانية التي تكفل له حريته وكرامته والتي هي ايضا مطلب انساني قبل ان تكون مطلب ماركسي او بلشفي.

انتكاس الليبرالية في العهد الجديد اولها :

التخبط الاميركي …

أن من دواعي ترسيخ الليبرالية في المجتمع هو احساس الفرد بانه في مامن وهذا الاحساس لا يتكامل الا بوجود دولة القانون لانها هي من تكفل حقوقه وفي جميع المجالات وحمايته واحترام حقه كأنسان وكمواطن .. فبعدم توفر هذه الضمانات ولو بحدها الادنى سوف نرى بان الفرد يحاول جاهدا حصر نفسه في دائرة ضيقة لانه يظن هي من ستحمي ظهره المكشوف بغياب تطبيق القانون وهذا يتمثل برجوعه اما الى المنظومة العشائرية او البحث عن هوية دينية او طائفية, فهذه وحسب اعتقاده ” وربما هو محق الى حد ما” تعطيه المساحة الكافية لان يتحرك بحرية وامان من خلال هذه الهوية.


فالملاحظ أن الوضع في العراق وفي ضل الظروف الراهنة لا فاعلية تذكر لمؤسسات القانون وبغض النظر عما يقال في الظاهر ولكن الواقع يحول دون انتعاش وازدهار الفكر الحر فهذا الرجوع للخلف سببه ان الاميركان لما جائوا الى العراق قد بنوا من حيث يعلمون او لا يعلمون جدارا عاليا حال دون تفعيل دور المواطنة بعد اعلان المحاصصة الطائفية والعرقية والمتمثلة بتكوين جسم غريب ممسوخ سمي بمجلس الحكم “ولا اريد ان اخوض كثيرا في هذا التكوين الغريب ” , وسبب تكوين هذا الكائن هو اشارة واضحة بانهم كانوا لايملكون استتراتيجية تهيئ لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدام …وعلى الاقل لفهم طبيعة المجتمع العراقي , وبعدها وصلوا الى نتيجة اسوء وهي فرض قرار مجلس الامن المرقم 1483 والذي يتضمن جعل العراق دولة محتلة من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة, وهذا القرار يبين مدى تخبط الاميركان في الارض العراقية وجهلهم لسايكلوجية الفرد العراقي. الذي يتحسس من كل شئ واي شئ .

وبهذا القرار وضعت اللبنة الاولى لجميع مشاكل العراق لانهم وببساطة اتخذوا اجراءات شكلية ليس من المفروض ان تأخذ الاولوية ولكن هم جعلوها في مقدمة الحلول المعروضة ؟


ثانيها : استغلال الانفلات الامني …

وكل هذا الذي ذكرناه جعل المناخ العام في العراق يميل الى الاسلاميين ” بكل الوانهم ” واصبح الليبرالي رديفا للمحتل ورمزا للعمالة الامبريالية ” وهذا موروث قد تنشط” فهم يعتبرون انهم صنيعة المحتل ومما زاد ورسخ هذا الاعتقاد يكمن في قرب الاحزاب الدينية للشارع العراقي على عكس الاحزاب العلمانية الذين بنوا قواعدهم الجماهيرية والفكرية بعيدا جدا عن العراق .

وكذلك هناك سبب اعتقده كذلك فاعلا وهو ان الاحزاب الليبرالية لا تملك ميليشيات تستطيع حماية الفرد العراقي على عكس الاحزاب الدينية من التي اصبحت وكانها الحامي الوحيد لمصالح الجماهير (!) .

واتصور في وضعنا الراهن لا يجب علينا ان نرمي اللوم فقط على السياسي الليبرالي ونعيب عليه بانه لا يحظى بشعبية جماهيرية وكما قيل بحق الدكتور الجلبي في انه لم يحصل على اي مقعد ولو واحد على الاقل في البرلمان, فحقيقة الامر لم نرى ان هناك تكافؤ حقيقي في الفرص أو ممارسة العمل السياسي فكثيرا ما سمعنا عن احراق مكاتب الاحزاب العلمانية وفي جميع محافظات العراق الجنوبية والغربية والشرقية .

وحقيقة الامر اني لا اريد من كلامي هذا ان ابرأ ساحة الاحزاب الليبرالية في فشلها ولكن يجب علينا ان لا ننسى دور الاحزاب الدينية المحافظة والمتشنجة ناهيك عن دور قوى الارهاب الاصولية…اذن فالمسؤولية مشتركة ولا يتحملها الليبراليون فقط .


وكلنا يعلم ان القوى الراديكالية سمحت لنفسها بان ترسخ برنامجها الديني المذهبي “سنة وشيعة” وعلى حساب مفهوم المواطنة وأحيانا باشكال قسرية وعن طريق ميليشياتها للحد من مناوؤيمشروعها الديني المتطرف, وبوسائل تصل في بعض الاحيان الى القتل وبطرق بشعة .


فلقد استغلت هذه القوى المتخلفة عواطف اغلب الجماهير من خلال استخدامهم رموزا وأيقونات لها ثقلها في الشارع وفرضتها على اولئك البسطاء من الناس وليس بالضرورة موافقة هذه الرموز في عملية استغلال صورهم اولا , ولكن المهم انها وضعت وحشرت حشرا وكانها جزء من برنامج هذه الكتل .

في حين كان من المفترض على هذه الاحزاب ان تنأى بنفسها عن استغلال هذه الرموز لانهم وببساطة قد قبلوا وآمنوا بالمعترك السياسي واللعبة الديموقراطية والتي يفترض ان تصب بالنهاية لصالح الفرد وبالتالي لعموم المجتمع العراقي .

فللأسف هم قد سلبوا هذا الفرد ابسط حقوقه حين حاولا ان يفهموا الناخب البسيط بان من الكفر وضع صوته لغيرهم في صندوق الأقتراع , وفي نفس الوقت حرمت عليه جهة اخرى كذلك الاشتراك بالتصويت !!!

وبالاضافة الى الانتماء الديني الذي استحوذ على الاصوات في الانتخابات فان من العدل ان اشير الى ان الانتماء القومي هو ايضا قد استقطب الجماهير العراقية وبطريقة لا تختلف كثيرا عن اصحاب الفكر الديني .

وكل هذا الذي حدث ويحدث والليبرالي يقف في وسط هذه الجموع والانتماءات ولا يعرف اين يجد جماهيره وفي اي محيط يتحرك بعد كل هذا الشد والجذب …. ولنسال انفسنا وبكل موضوعية :


من هو المسؤول عن فشل الاحزاب العلمانية والليبرالية ؟


واعتقد أن الجواب قد بات معروفا , فالقوى الاسلاموية كان لها الدورالفاعل في فشل مشروع المواطنة بعملية اصطفافاتهم الضيقة والتي حالت دون مشاركة الليبراليين في ادارة البلد وفرض رؤاهم السياسية والوطنية .

دور الليبراليين في الفشل ..

ويجب ان نتقبل الواقع ونقول ان لليراليين اخطاء وهفوات أذ حاول البعض من العلمانيين بعد ان رؤوا انفسهم بدون جذور وبدون جماهير ” عكس ماكانوا يتوقعون ” فمنهم من قفل عائدا الى بلاد المهجر حاسر الراس ومنهم من فضلوا ان يدخلوا تحت جلابيب بعض الكتل الاسلامية والقومية وبعض الكتل التي تدعي العلمانية كذبا وزورا محاولة منهم للكسب السياسي ومثالا على ذلك الحزب الشيوعي العراقي , أما البعض منهم راح يسير وراء فئات مكبوتة نشات بعد الاحتلال ونمت سريعا واصبح لها الدور الفاعل في تسير الشارع العراقي وبحركة صغيرة من اصغر اصابعهم..وهذه برايي هي النكسة بذاتها .


فاللبراليين قد ظنوا لاول وهلة بانهم مرغوب بهم وبان تجاراتهم رابحة في الارض العراقية , مراهنين على مخلفات النظام السابق الذي حكم باسم القومية الشوفينية والاسلاموية المشوهة وأيضا على اعتبار انهم لم يتسلموا مقاليد الحكم في يوم من الايام ومن المنطقي ان يختارهم الشارع بعد التغيير” وهذا كان من المفروض حدوثه لولا تخبط الاميركان” ولكن بدلا من ان يعملوا لهذا الهدف اصبحت لديهم نزعة طاووسية بلهاء مما ادى الى انصدامهم بالواقع وكانت الكارثة.

فهم لم يحاولوا النزول الى الشارع العراقي ولم ينزعوا عنهم ثوب الارستقراية والبرجوازية زبعضهم تتملكه روح التعالي الغاشمة , حتى تكونت قناعة لدى الفرد العراقي بان هؤلاء طبقة مخملية لا تعاني بمعاناتهم ولا تحس بهم وادت هذه النظرة (( بغض النظر عن صحتها من عدمها )) بان الشارع العراقي أخذ يطلق عليهم تسميات منها” جماعة القوط – البدلات” , والواقع يقول ان الشارع لم يظلمهم كثيرا لان المعطيات الواقعية هي من صبغت عليهم هذه الصبغة , وبدلا من ان يظهروا حقيقة أفكارهم ومنهجهم الديمقراطي ويثبتوها للشارع العراقي تركوا هؤلاء الساحة فارغة للجهلاء والحمقى من مراهقي السياسة الجدد .. لكن المشكلة والكارثة هي ان بعض القوى الليبرالية الوطنية الحقيقية هي من كانت الضحية لهذه النظرة وانسحقت بجريرة هؤلاء المدعين ممن يحسبون زورا على العلمانيين .


نعم باختلاط الحابل والنابل خسر العراقيين فرصتهم الذهبية للتخلص من مستنقعات العشائرية وبراثن الطائفية والعرقية بعد ان رفضوا فكرة الدخول الى ربوع المواطنة الخضراء ……… ولنا عودة

مهند الحسيني