الرئيسية » مقالات » قتلوك يازعيم …. كما يقتلون العراق اليوم

قتلوك يازعيم …. كما يقتلون العراق اليوم




مرت ايام على العراقيين الذكرى الخامسة والاربعين لاستشهاد الزعيم الخالد وعلى يد ثلة مجرمة اجتمعت على كلمة الباطل .. مجموعة من البعثيين العبثيين ومن وناكري الجميل وبعضا من الظباط الخائبين والمغرر بهم .
في مثل هذا اليوم وقبل 45 عاما اغتيل العراق باسره وسرقت اعظم ثورة قادها الزعيم عبد الكريم قاسم وبطريقة اجرامية بشعة حيث غدر بهذا الرجل وقتلوه هو وبعضا من رجالات العراق المخلصين .
فيوم الثامن من شباط كان بحق انتكاسة في مسيرة الجمهورية العراقية الوليدة , فمرحلة ما بعد 8 شباط الاسود هي انعطافة مؤلمة اوقعت العراق والعراقيين في دوامات الاستبداد والانقلابات العشوائية والحروب العبثية , وما هذه المرحلة التي نعيشها الان الا تأثيرات هذه الانتكاسة التي حصلت في الثامن من شباط الاسود والمفارقة العجيبة انها تتم بنفس الايادي الملطخة بدماء العراقيين والمراكز الاقليمية التي انطلقت منها مؤامرة شباط 1963 .
والسؤال المطروح لماذا تم اغتيال قاسم وهو الذي حاول جاهدا بناء عراق جديد ,عراق لا تعلوه روح الانتماء الضيقة, عراق بعيد عن التدخلات الاقليمية , عراق ينعم اهلوه بالرخاء والامن والاستقرار ؟؟!!
فهو لم يفرق بين عراقي واخر حين قال وبكل صدق وبعيدا عن الرياء ” إنني فوق الميول والإتجاهات ” ,وهو نفسه من صفح عن خصومه الذين ارادوا الغدر به ” عفا الله عما سلف ” ؟؟!!.
وهو من بنى الدور للفقراء والمعوزين دورا في العاصمة بعد ان كانوا يسكنوا في صرائف لا تقبل بها البهائم .. واطلق التعددية الحزبية واعطى مساحة الحرية لبعض التجمعات والاحزاب دونما كبت وقمع للحريات , وهو من بنى المصانع والبنى التحتية الخدمية من قناة الجيش الى مصانع الصلب والانسجة وغيرها.
واخييرا وليس أخرا : هو من عاش ومات ولا يملك شروى نقير غير رصيد محبته لشعبه وبلاده وحبهم له .
وسأقف عن ذكر منجزات هذا الزعيم الخالد لانها اكثر من ان تعد وتحصى , اذ ان حتى قاتليه لم يستطيعوا نكران اكثر منجزاته العظيمة ولانها اكبر من ان تطمس, فمعالمها لازالت شامخة ولا زالت حاضرة بين ظهرانينا .
اذن ماهي مؤاخذاتهم عليه التي جعلتهم يطفئوا بريقه ويخمدوا جذوه همته الاستثنائية في بناء بلدا حضاري مرفه ؟؟!!
فهم لاموه على ” شعوبيته ” وعدم ايمانه بالقومية العربية التي كان ينعق بها عبد الناصر في مصر رغم ان التاريخ قد وضح لنا عقم هذا المشروع ونفاق المدعين به وان رغبتهم في هذا المشروع لم يكن لغير فرض التسلط والنفوذ , وما فشل ” الجمهورية العربية المتحدة ” بين سوريا ومصر التي فيها تم اخضاع السوريين لضباط عبد الناصر الا دليل على قولي , وبعد ان كفر السوريين بهذه الوحدة الكاذبة التي لم يطبق فيها اي شعار رفعتها الوحدة العربية على ارض الواقع , تم لهم ان يفصموا عرى هذه الوحدة الكاذبة .
فحتى من قادوا انقلاب شباط الاسود لم يبادورا لان ينضموا للمشروع الناصري كما كانوا يزعمون لان اعتلاء السلطة كانت هي غايتهم ومطلبهم .
واضافة للمشروع الوحدوي المزعوم الذي جعلوه شعارا لهم في الاطاحة بحكم عبد الكريم قاسم كان هناك لديهم حجة اخرى وهي دكتاتوريته ونرجسيته (!) وانا هنا لا أزعم انه ديمقراطيا بالصورة التي هي موجودة الان في العالم الغربي ولكن يرى كل منصف ان حكمه لم يكن حكما ارهابيا دمويا كما اصبح خصومه بعده , اذ هو لم يكن لديه اي نفس او ميول لأقامة دولة فولاذية وبوليسية غير قابلة للاختراق و تقمع الراي الاخر, ولم يكن بذاك الحاكم المتسلط الذي تتملكه روحا عدائية للمجتمع ويعتقد ان هذا المجتمع يبادله الكره , فهو واثق من نفسه ومن افعاله, ولا يوجد شخص تتملكه نزعة دكتاتورية او ان يوصف بها يطلق سراح من حاول النيل منه وبكل رحابة صدر وعفوية ,ثم أي دكتاتور يتجرأ ان يهاجمه بعض الفوضوينين في يوم المولد النبوي او كيف يسمح بخروج مظاهرات معادية له في الاعظمية والتعريض له في الحفلات المدرسية بمناسبة وبدونها ؟؟!!
واي دكتاتور هذا يصمت على مهاجمة انصاره في الانتخابات النقابية المهنية والتشهير والقدح به في المناقب النبوية وحتى محاولات الاساة له من قبل قارئي الفواتح ؟؟!! .
فهو لم يكن يقف كثيرا للتقارير التي ترده حول تسمية بعض المواليد باسماء مطلقي النار عليه في شارع الرشيد ولم يكن يهوى هكذا تقارير بل كان يحسبها تقارير كيدية يستنكف ان يقربها او يقرب رجال الامن والشرطة ..وما جولاته البغدادية اليلية التي كانت بصحبة مرافق او اثنان الا دليل على بطلان هذه الفرية الكبيرة بحق قاسم .
ولو كان فعلا دكتاتورا لما تكالبت عليه خفافيش الظلام والغربان ولكان ما يزال الى يومنا هذا محتفظ بكرسيه .
واقولها غير مبالغ ان هذا الرجل لا يختلف كثيرا عن الامام علي بن ابي طالب من حيث كثرة الناقمين عليه والكارهين له لانه الحق والحق موحش ويقل سالكوا طريقه , فهو على الرغم من سنينه الاربعة التي حكمها الا انه بنفس الوقت اكتسب اعداءا ليسوا بالقليلين بقلة سنين حكمه فناصر الشر في مصر ترك هموم شعبه وفقرهم وتخلفهم ورفع مشروعه الوحدوي العقيم وصب جام غضبه على قاسم الخير ,ووجه الابواق والعملاء يعبثون بمقدرات العراق وينالون من قاسم ليل نهار من على منبر (( صوت الجرب)) يؤلب فيها العراقيين على زعيمهم ويشوه الحقائق لغاية لا تخفى على اي احد , ولا انسى كيف انه جعل من عبد السلام عارف العوبة في يده وراح يحرضه على رفيق السلاح والعمر , على من قال فيه يوما وبعضمة لسانه وبحضور جميع ضباط الثورة حين ارادوا قائدا لهم ولها وصرخ فيهم ” ماكو زعيم الا كريم ” !! .
ولنترك دور ناصر التخريبي ولناتي الى الكويت وحكامها ودورهم في الايقاع بقاسم لانه اعتبر الكويت قائمقامية تابعة للبصرة في وقتها وهو لم يطالب بها خارج الشرعية الدولية فلديه جملة من الوثائق التي تدعم موقفه هذا بالاضافة الى توزيعه عن مذكرات الى الجامعة العربية والامم المتحدة فهو لم يجتاحها ولم يفكر باي عمل عسكري ((كما فعلها من بعد حليفهم التاريخي العتيد وحامي البوابة الشرقية !!)) ولكن حقدهم على هذا الرجل جعلهم يدفعون اموالهم للأنكليز بغرض الاطاحة بحكم عبد الكريم, وكيف ان القوات البريطانية قد تم تحشيدها على حدود العراق الجنوبية في الكويت والغربية في الاردن .
ومثل ما هناك اعداء خارجيون كانت هناك قوى رجعية – راديكالية اثارها تاميم الاراضي وارجاع الحق لاهله المظلومين وايضا ازعجهم قانون الجنسية المدني فكانوا لا شغل لديهم غير تاليب جماهيرهم الساذجة ضد الزعيم ورفع اياديهم بالدعاء عليه بمناسبة وبدونها, فاستغلتها التيارات القومية من التي تحمل شعارات فضفاضة والتي عرف عنها الفوضوية , فهي ايضا وقفت بالضد من توجهات قاسم الوطنية وكانت تنتهز الفرصة للايقاع به حتى لو كان ذلك بتحالفها مع جهات خارجية واجنبية فالمهم ايقاع خصمهم ومهما كانت الوسيلة .

دور القطار الاميركي وصبية البعث في اغتيال قاسم

المتتبع لاحوال العراق في ذاك الوقت يرى ان التوجه اليساري قد بدا يتنامى في العراق جنوبا وشمالا وغربا وشرقا وهذا بالطبع ضد المصالح الاميركية التي ترى عراقا اشتراكيا هو خطرا عليها يهدد مصالحها الاستتراتيجية وخاصة ابان الحرب الباردة بين المعسكر الغربي التي تتزعمه الولايات المتحدة الاميركية وبين المعسكر الاشتراكي التي تتسيده موسكو عاصمة الاشتراكية العالمية .
فلقد ساعد تضارب المصالح للقوى العالمية وقتذاك من ترجيح كفة هذه القوى القومية في ان يكون العالم الغربي سندا لها في ضرب ثورة عبد الكربم قاسم وهذا بالفعل ما حصل ,اذ تم تجنيد بعض عناصر البعث وتدريبها وتسهيل مهمة قيامهم بالثورة التي ستبارك اقليميا ودوليا ,وما قول علي صالح السعدي فيما بعد وتحديدا في نكستهم الاخرى عام 1968 حين صرح قائلا : ” اتينا بقطار اميركي ” الا ترجمة صريحة بان لهم قنوات استخبارتية قديمة مع الجانب الاميركي.
ومما ساعد على ازدياد نقمة الغرب ضد عبد الكريم قاسم اضافة لمطالبته بالكويت وسطوة القوى اليسارية في سنين حكمه , كان هناك امرا قد سرع بسقوطه وبهذه الطريقة الا وهو قانون 80 الذي كان بحق بمثابة طلقة الرحمة عليه وعلى حكمه .
نعم .. كان اسقاط حكم قاسم هو مطلب خارجي ومن فعلوها هم ليسوا اكثر من اداة وضيعة لهذه المصالح الخارجية التي كانت ضد مشروع بناء دولة عراقية مستقرة امنة يعم الرخاء ربوعها .
فالخمسة والاربعين عاما قد كشفت لنا وبجلاء ان الهدف من مؤامرة 8 شباط واسقاط حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ما هو الا مشروع صب ضد مصالح العراقيين.
فما يحدث الان ما هو الا اعادة ً للتاريخ وبصورة مشابهة ,اذ نرى بعضا من القوى الداخلية تدفعها مصالح خارجية اقليمية ودولية لتنفيذ اجندتها التخريبية في الداخل العراقي متوهمين انهم بذلك سينالوا من العراق وشعبه ونسوا بان العراق كيان خالدا لا يموت مادام فيه عراقيين .
وان كانوا بالامس قد اغتالوا قاسما الا انهم خلدوه وبدون ان يدركوا هذه الحقيقة , فرمي جثمانه الطاهر في دجلة الخير جعلت منه ساقيا لجميع العراق من جنوبه لشماله … فهنيئا لك يازعيم العراق الخالد … وسلام عليك يوم ولدت ويوم غدرت ويوم ستبعث حيا مع الشهداء والصديقين .

مهند الحسيني