الرئيسية » مقالات » الفنان قحطان العطار على التلفون !…

الفنان قحطان العطار على التلفون !…

كان قد رن جرس الهاتف آخر الليل .. فاذا بعزيز ٍلي يحييني ويقدم لي صديقا غاليا عليّنا … انه قحطان العطار فنان الشعب العراقي الكبير …
كانت الاغنية التي خايلتني وانا امسك بمسرة الهاتف ولحظة البدء بالكلام : ” اشـْجابه للغرّاف طير المجرّة ؟”.. قحطان العصي على اللقاء بأحب الأحبة يهاتفني لقرابة ساعة وتلتقي الأشجان وتتألق الأشواق باتجاه وطننا المظلوم ونروح نحلق في اجواء من الشعر والرؤى والذكريات…
في اليوم التالي كان لقاؤنا التاريخي !! الذي لايتحقق الاّ بالصدفة والذي تضعه الظروف مابين فترة واخرى في الثلاجة .. فانا لا بيت محدد لي ، ولا سكن خاص استطيع فيه ان ادعو اصدقائي اليه .. ولفناننا وضعه الاستثنائي في الغياب اكثر منه في التواجد ، ولقد رفعنا العتاب واستعضنا عن ذلك بالمحبة . وعوّلنا على الصدفة فهي اجمل ما يجمعنا … فنمضي ببعضنا الى اقرب مقهى او مطعم
او بار …
وعندما نودع بعضنا ، يكون موعدنا القادم الصدفة ..” على الله ويازماني ” …الصدفة أبدا ً!! هي موعد اعز صديقين واخوين وحبيبين فكيف اذن ببقية الناس !… هناك المئآت والآلاف ممن يحلمون برؤية هذا الطائر الهائم ، الذي اسميتـُه الطويرني ! ” وقال هو ضاحكا – النـَچـِرْ – والملايين ممن يتمنون الاستماع الى كروان الزمان ، مغني الشعب العراقي الأول – لا مغني السلاطين – .. قحطان الرائع ادبا وخلقا ومجلسا… لكن الأمر كما يبدو لي اعمق من اخضاعه الى التحليل النفسي او الرياضي او سواه… كل ٌعلى مافـُطر كما يقول الجواهري في مقطع مُؤنِق …

خمرتي فضلك لايُحصى علـَيْ
انت قد حببت ِ دنياي اليْ
عدّتي في شدتي خمر ٌ و” نـَيْ ”
لا اقول الشعر حتى اشربا
فطرتي كلٌ على ما فـُطِرا

لقد تـُرك الأمر مع قحطان على مافـُطر .. وللرجل اسبابُه ومن يقوى على فرض المحبة وموعد اللقاء على حبيب غال ٍ مثله .. هل استطاعت اُم او اب على الاحتفاظ بفلذات الاكباد في جدران البيت والقلب ؟
المهم كان اللقاء به جميلا ، ففناننا عاشق للشعر وكاتب له واحيانا للقطع النثرية المنضـّدة بسجع الحَمام … وفي اثناء القراءات الشعرية المتبادلة تكرّم عليّ بابوذية جميلة يذكر فيها اسمي … ولأني لا الهث كثيرا وراء ذاتياتي – هكذا ادّعي – فقد نسيت ان اسارع فأكتبها عنه … ولما غادرت لم احدد انا ولا هو موعدا للقاء قادم … وحملتُ غصّتي ومضيت …
مرت الأيام … وظلت الأبيات في ذاكرتي … اتألم لأني لم اكتبها عن قحطان …
في شارع عريض في قلب العاصمة كوبنهاغن كان علينا – انا والصديق الفنان المسرحي حيدر ابو حيدر – ان نفترق كلا ً الى بيته خاصة والبرد والظلام على اشده ، راح هو يقف على الرصيف المقابل ينتظر السيارة بعكس اتجاهي ، واذا بي المح قحطان العطار يهبط من باص ما ، فرحت بدلا من ان احيي قحطان انادي على حيدوره باعلى صوتي كي لايذهب وتفوتنا صدفة غالية اخرى … ورحنا نحتفي بقحطان نهزج لقحطان ونصفق ونغني وحتى نتقافز مسرحيا و” نهلهل ” ونضحك ، ونفرح اكثر مما يفرح طفل برؤية ابيه العائد من السفر !!! وسعدنا بالتحدث معه.. وكنت اريد ان ادعوه الى مقهى قريبة وانا اضع يدي على قلبي فلربما يعتذر … لكن كنا محظوظين باستجابته…جلسنا لساعتين او أكثر وسعدنا بجماليات حديثه وذكرياته القديمة والحديثة .. وهناك ذكّرته بالإبوذية .. قال لي وهو يثني على دواويني التي اهديتها له مشيرا الى اني اُذيّل الاهداء بتوقيعي ومعه اكتب ” مع اجمل المحبة …. خلدونـَك ْ “قال لقداجبت شعرا على كلمة خلدونك… وكتبت هذه الأبيات هل تسمحان لي بقراءتها !..
وراح قحطان يترنم بالإبوذية :

قحطانك صرتْ لكْ وانت خلدوني “1”
ميّتْ بالوطنْ . وبالغربة خلدوني “2”
خِلـّك خِلْ خليل ، وخلّي خِل ْ دوني “3”
خَلْ بيّه وصفيت آني الضحية ْ .

راح صديقي حيدر ابو حيدر يؤكد لقحطان حب الناس له .. لصوته ، تغزل القلوب به .. احد اقرباء حيدر يكتب في الماسينجر متبرما بنا … هل حقا تعيشون معه بالدانمارك ولا تجالسوه ولا تطيرون به الى النجوم والأقمار والكواكب ووو ! والله لو كنت اعيش هناك لما تركته يفلت من يدي… سأجلس امام باب بيته 24 ساعة حتى يظهر وأذهب اليه واعاتبه على عدم غنائه للعراقيين وهم متلهفون ذائبون شوقا لك يا قحطان … قلت كان روائي روسي كبير أظنه اوستروفيسكي يقول عن تشايكوفسكي : ” اتمنى ان اجلس على وصيد بابه واغسلها ليل نهار ” .
وطبعا نتحاشى مرة اخرى ،حيدر وأنا ، ان نمس ما يزعج قحطان في ان نفتح باحث المشاركة ببعض الأغاني من اجل شعبنا في وضعه الجديد … انا بالنسبة لي لا اريد ان افرض تجربتي على آخرين لكني كنت اتمنى – في داخلي – ان يرى كم انا متعب ومنهوك القوى من ضغط الشعر على رأسي وانا لست متفضلا على شعبي بالعمل الدؤوب بل الجنوني واليومي .. بينما هناك صامتون وصامتون وصامتون الى الأبد… ومن السماجة ان اقارن افضليتي على شحة احد او عزوفه عن اي نشاط ادبي او فني ! هذا لوحده عيب علي ّ بأن اوحي بذرة ٍ منه … اعود واقول كل ٌ على مافطر عليه … كل حسب وضعه وظرفه قد اسكت انا ابديّا ً بعد يوم او آخر ، وقد ينطق الحجر بأجمل المعلقات حتى نهاية الأزمان .
سيضطر حيدر لأخذ التاكسي فقد تأخرنا على حركة الباصات … سوء حظي – كالعادة – جعلني اصل بعد ذهاب الباص الثاني المؤدي الى بيتي بدقيقة او اخرى فرحت “اربرب ” ! . اي يجب ان انتظر نصف ساعة … كان الشارع مبتلا بالمطر ولا احد سواي في طقس بارد سوى بنايات ونوافذ تشرف على انطفاء مصابيحها ، والانتظار سيطول… رحت اتأمل الأبيات الشعرية لقحطان – الابوذية – بل رحت احفظ الابيات ، واقسم اني بلحظة واحدة قد تناولت القلم وكتبت ابياتا جاءت كمسيل دمعة ردا على ابوذية قحطان وها هي الابيات :

صرت خلدون الك يلّي انت قحطاني “4”
بخيل إعلى اليحبّك دوم قحطاني “5”
تگول آنه كريم واصلي قحطاني ” 6″
كريم وشوفتك عزّت علي ّ

سعدت ُ للغاية لهذه الأبيات ، وربما شكرت صدفة مغادرة الباص لي وتركي في هذه العزلة العتماء التامة كي أتذاوَبَ محبة وحنينا لقحطان في مقطوعة ٍ … ورحت افكر بكيفية ايصالها اليه … نعم … ها انا افكر بايصال مقطوعة حب الى انسان هو اقرب من حبل الوريد الي ّ !!!! وهو بعيد بينه وبيني الف لعبة ” حية ودرج ” ! .. نعم هناك اقرب طريقة ألآ وهي نشر هذه المقالة الآن وغدا صباحا ستكون عنده … فهناك من سيطبعها ويوصلها له من اصدقائنا الطيبين ، عشاق اسمه وفنه وادبه . ومن يدري قد لاتسنح الصدفة بمشاهدته لسنوات !…
لقد جعلنا قحطان في الم فراقه وغصة اللقاء به … لكن والله ماكنت متعلقا بانسان ما ، لو لم يكن مهيض الجناح مثلي … وموجوعا ومفجوعا بكوامن وطعنات … ولو كان قحطان فنانا متألقا على المسارح الآن لما سألت عنه !!!!! السؤآل عندي هو المحبة لمن يستحقها من المظلومين وجريحي الفؤآد .. اما الذين يشقون طريقهم الى النجومية او المناصب وان كانوا اصدقاءَنا او احبتنا فلا شأن لنا بهم. دعهم يكملون مشوار الغرور .
قرأت لحيدوره الأبيات الشعرية التي اردّ ُ فيها على ابوذية قحطان .. آثر العزيز أن يلتحق بنا شعرا بدارمي او ازهيري او ابو ذية، فحيدر يرفض ان يسمي نفسه شاعرا لكنه يكتب الاغنية الشعبية وقد غنى الفنان الجميل ابو لنا طالب غالي اكثر من اغنية له . سأطبع الأبيات التي ارسلها لي الفنان المسرحي حيدر ابو حيدر في هذه المقالة مع امنيته بان يلتحق شاعر او آخر بالكتابة الى قحطان وان نهيب به جميعا على العودة الى الغناء ولو اني الآن اشفع هذه الاهابة بالاعتذار من قحطان المرهف الحساس ، قحطان القلب الدافئ قحطان الطراوة والترافة والنيافة والرقة والأناقة ، قحطان ريحانة الغناء العراقي ..
لا يجدر بي ان اُلحف عليه بمرارة السؤآل بأن يبادر … كما ان لسان حاله يقول- كما قرأت في الصحافة : ” صمتي هذا ليس اعتكافا لكنه حداد على كل مايدور على شعبنا من دمار ومآس ٍ ” … نعم هذا هو وفاء الحبيب قحطان ابن الشعب البار…وهنا يحضرني اضافة الى ذلك ما أقوله : حدثني صديقى واستاذي ابو سعد الدكتور حامد ايوب انه كان في مجلس اجتماعي فيه الكثير من الناس وقد كان عن طريق الصدفة الجواهري موجودا .. وكان هناك احد الشباب الغريرين بزي نائب ضابط او معاون شرطة او ماشابه .. في ذلك المجلس الوقور طلب الشاب فجأة من الجواهري ان يقرأ شعرا … وكان الرد بليغا ولاذعا اذ حدجه الجواهري بهيبته ووقاره المعهود قائلا : لاتقل للمغني ولا للبلبل غن ّ، هو يغني . . نعود الىالصديق حيدر أبو حيدر الذي جاد بهذه الأبيات وأجاد :

ياهو اليـِرد ِ الزمن ليّام عطاري “7”
من ضاگ بيّه النِفـَس دوّخت ْ عطّاري “8”
ياعمي انت الأصل كليوم عل الطاري “9”
فرضْ ذكراك كل صبْح ومـِسِيّة ْ

—————————————–

* 1- الاسم خلدون 2- من تخليد وتأبيد في المنفى 3- دوني من الدونية 4- قحطان الاسم 5 – قحطاني كثير القحط 6- من قبيلة قحطان 7- عطاري اي قحطان العطار 8 – العطار في العراق صاحب الدكان بائع العطر وحاجيات مختلفة اخرى 9- على البال .
*******
11/شباط/2008