الرئيسية » مقالات » الدكتور أبو ظفر …حس إنساني .. إخلاص مهني

الدكتور أبو ظفر …حس إنساني .. إخلاص مهني

قرأت في صحيفة المترو الصادرة في ستوكهولم يوم الأربعاء المصادف 23 ـ1 ـ 2008 مقالأ حول معاناة الطفل يوهانس ، الذي أخطأ الأطباء في تشخيص حالته المرضية ( وأعزي ذلك إلى عدم إجراء الفحص السريري للمريض في أغلب الحالات ) وكيف أن الأم اتصلت بمنتصف الليل بقسم الطواريء تشرح للعاملين هناك الأعراض التي يعاني منها طفلها وتطلب منهم المساعدة ، لكنهم رفضوا إستقبال الطفل وإضطرت الأم الأنتظار حتى الصباح . بعدها هرعت بطفلها الى اقرب مستوصف وهناك تمّ تشخيص الحالة بأنها التهاب الزائدة الدودية واحيل الطفل على وجه السرعة الى مستشفى الأطفال لإجراء العملية لأن الزائدة قد انفجرت .

بعد قراءتي للمقال ، عادت بي الذاكرة الى عام 1984 ، حين كان ابو ظفر موجودا في دمشق وهو في طريق عودته الى كردستان بعد أن أمضى اجازة قصيرة مع عائلته . يومها وفي الصباح الباكر ، كنت وابو ظفر نعد الأفطار ، سمعنا طرقا على الباب ، فهرعت لفتحه. لقد كانت الرفيقة ام فاتن ومعها إمرأة تحمل طفلأ وكان الخوف والحزن يرتسمان على وجهها وراحت تعتذر قائلة : ” ارجو المعذرة لأني ازعجكم في مثل هذا الوقت . ابني سميرحالته خطرة ورغم المراجعات المستمرة للأطباء هنا ، لم يستطع اي منهم تشخيص حالته . فأشارت عليّ ام فاتن بعرضه على الدكتور ابو ظفر . ” وأنزلت الطفل على الأرض .

كان الطفل سمير الذي لم يتجاوز عمره السادسة يسير محنيأ كرجل عجوز ، وما أن رآه ابو ظفر ، مدده على سرير نومنا وراح يفحصة بدقة . كلمني بالأنكليزية كي لا تفهم الأم وتقلق قائلأ : “الزائدة الدودية منفجرة .”و طلب أن أحضر له ورقة وقلمأ ودوّن عليها التشخيص الدقيق لحالة سمير. طلب من الرفيقة ام فاتن الإسراع بنقله الى المستشفى . ومن حسن حظ الطفل أن ام فاتن كانت تعمل في مستشفى يافا فأسرعت به الى هناك وعلى الفور سلّمت الورقة الى الدكتور مهدي فضة .
ما أن قرأ الدكتور مهدي فضة ما جاء في الورقة التي بعثها ابو ظفر ،أدخل الطفل على الفور الى صالة العمليات . وحسب ما ذكرت لي ام فاتن بأن فحص الدم اجري للطفل في صالة العمليات وأجريت له عملية إستئصال الزائدة الدودية بنجاح .ووقتها قال الدكتور مهدي فضة مخاطبا ام فاتن قائلأ :” لولا التشخيص الدقيق للدكتور ابو ظفر ومجيئكم هنا بسرعة ، لما إستطعنا إنقاذ الطفل ! ”

عملت مقارنة بين موقف ابو ظفر وجرأته في إتخاذ القرار والإنسانية التي يتحلى بها والتي تدفعه دوما لمساعدة الآخرين تحت كل الظروف ، وبين ما ورد في المقال الذي نشرته صحيفة المترو ورفض العاملين في قسم الطواريء لتقديم المساعدة .أنا أقول إن لم يكن الجانب الإنساني ،الذي يجب أن يتحلى به كل من يعمل في مجال الصحة ، فالواجب الوظيفي الذي يتقاضون اجورأ عليه يحتّم عليهم القيام بواجبهم .
إن ابو ظفر في ذلك الوقت لم يكن يعمل في مستشفى أو عيادة خاصة تلزمه بتقديم المساعدة لكنهاالإنسانية التي يتحلى بها تدفعه دائما لتقديم المساعدة لمن يحتاجها .ويشهد له الكثيرون في ذلك ،ومنهم ام محمود التي انقذ حياتها مرتين ، الأولى في عتق والثانية في القامشلي وهي في طريقها الى كردستان وما العملية الجريئة التي اجراها للرفيق ابو حازم إلا دليلا آخر على جرأته وإخلاصه في مهنته .وكما كتب الرفيق حاكم كريم عطية الذي عايشه عن قرب قائلأ : ” كان ابو ظفر العين الساهرة على صحة الرفاق سواء كانوا من الحزب أو سكان القامشلي من العوائل الفقيرة … ”

وأذكر حين كنا في عتق يوم كان ابو ظفر مسترخيا بعد عناء العمل، حين جاء خفر النوبة يستدعيه الى المستشفى لينظر في حالة إمرأة ولادتها متعسرة . لم يكن رأس الطفل الى الأسفل كما في الحالات الطبيعية ، بل كانت مثلما يقولوا يد ورجل مما يستدعي إجراء عملية قيصرية لها . لو فكرابو ظفر بنقلها الىعدن لإجراء العملية ، ستموت حتما في الطريق لأن ذلك يستغرق اكثر من تسع ساعات للوصول الى عدن.ورغم ان مستشفى عتق يفتقر الى وجود صالة عمليات وطبيب تخدير وحتى الىاجهزة التخدير ، قرر ابو ظفر أن يجري العملية بالإمكانيات المتاحة ليعطي المرأة فرصة بالحياة . عاد للبيت مسرعا وقال : ” ام ظفر هل لديك مناشف جديدة ؟هاتيها لي. ” اجرى التعقيم على الغرفة التي يفحص فيها مرضاه وبتخدير موضعي اجرى العملية وتكللت بالنجاح وكان المولود ولدا . وبعد يوم من إجراء العملية وبعد أن استعادت المرأة بعض قوّتها التفتت الى ابي ظفرقائلة : ” دكتور نريد منك حشما لأني اسميت ابني على اسم ابنك يسار . ” وهنا ضحك ابو ظفر قائلأ : ” انت من يدفع لي لأنك اخذتِ اسم ابني . ” وهناك العديد والعديد من المواقف الإنسانية للشهيد ابو ظفر يعجز المرء من تعدادها .